شريط الأخبار

دومينو أوباما ... المبررات الواهية لحربي أميركا بأفغانستان وباكستان ..مازن النجار

11:18 - 23 تشرين أول / يوليو 2009

دومينو أوباما ... المبررات الواهية لحربي أميركا بأفغانستان وباكستان ..

د.مازن النجار

في مقال كاشف، فنّد خوان كول، أستاذ العلوم السياسية الأميركي بجامعة مشيغن، الفرضيات التي تستند إليها الحربان الأميركيتان بأفغانستان وباكستان. وكشف البروفسور كول عن نسخة جديدة للقرن الحادي والعشرين من "نظرية الدومينو" التي تبنتها النخبة الحاكمة بواشنطن في الخمسينات والستينات الماضية أبان الحرب الباردة ضد الشيوعية. فقد أشاعت تلك النخبة أن وقوع دولة في قبضة الشيوعية، يؤدي إلى وقوع أخرى بجوارها ثم أخرى، كما تسقط أحجار الدومينو المتراصة واحدة إثر الأخرى، وهكذا دواليك.

 

قدمت هذه النظرية الذرائع اللازمة للتدخل الأميركي في حرب كوريا، والتورط في فيتنام، وغزو كمبوديا ولاوس، والإطاحة بنظام أحمد سوكارنو في أندونيسيا ونظام سلفادور الليندي في تشيلي وحصار كوبا، وتشجيع ودعم إسرائيل في عدوان 1967، وغيرها.

 

يقول الدكتور كول أنه بصرف النظر عن صواب أو خطل ما يفعله أوباما في باكستان وأفغانستان، إلا أن الأساس المنطقي النظري (التصور) الذي قدمه أوباما خطأ مؤكد تقريباً. فإلقاؤه اللوم على القاعدة في كل شيء إخلال بما تعهد به من مخاطبة الشعب مباشرة وصراحة، وارتداد لأسلوب جورج بوش في رؤية الخصوم ونظريات المؤامرة غير المصدقة.

 

يدرك أوباما أنه بعد سبع سنوات ونيف، بدأ إرهاق حرب أفغانستان يتسرب للشعب الأميركي. فأكثر من نصف الأميركيين يعارضون الحرب، وتصل نسبة ذلك إلى 64 بالمائة بين الديمقراطيين. لذلك تفاقم تصورات وسياسات الرئيس تلك المعارضة، خاصة لدى حزبه الديمقراطي، حيث يعتري الناخبين القلق إزاء إنفاق مليارات أخرى من الدولارات في الخارج، بينما يعاني الاقتصاد الأميركي مشكلات خطيرة.

 

نوّه الرئيس بأن الشعب يستحق "إجابة مباشرة" حول أسباب استمرار قتال الولايات المتحدة وحلف الناتو هناك. في هذا السياق يقول الرئيس "دعوني أكن واضحاً ... فالقاعدة وحلفاؤها، الإرهابيون الذين خططوا ودعموا هجمات 11 سبتمبر يتواجدون بباكستان وأفغانستان. لكن توصيفه لما يجري الآن بأفغانستان، بعد نحو 8 سنوات من هجمات سبتمبر، ببساطة ليس صحيحاً، بل كان في الحقيقة مضللاً. ويضيف أوباما أنه "إذا وقعت أفغانستان بيد طالبان، أو سُمح للقاعدة بالاستمرار دون التصدي لها، ستصبح تلك البلاد مرة أخرى قاعدة للإرهابيين الذين يريدون قتل أكبر عدد من أبناء شعبنا".

 

هنا يقدم أوباما نسخته من نظرية الدومينو. في سيناريو النسخة المطبقة على القاعدة، قد تستولي طالبان على مقاطعة كونار (مثلاً)، ثم كل أفغانستان. وبالتالي تعود لإيواء القاعدة، وبعد ذلك قد تهدد الشواطئ الأميركية. ثم أضاف أوباما كمبوديا لهذه المقارنة ضمن السيناريو قائلاً "مستقبل أفغانستان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل جارتها أفغانستان". وحذر من أن "القاعدة وحلفاءها المتطرفين سرطان يهدد بقتل باكستان من الداخل".

 

نظرية الدومينو المستجدة لاستيلاء القاعدة على جنوب آسيا غير قابلة للتصديق، شأن نسختها الأولى لجنوب شرق آسيا. فمعظم ادعاءاتها غير حقيقية أو شديدة المبالغة. فهناك عدد قليل من مقاتلي القاعدة متمركزين بأراضي أفغانستان. ومن يُسمّون "طالبان" حالياً بأفغانستان معظمهم غير طالبانيين، أي ليسوا من طلاب المدارس الدينية الموالين للملا عمر. ومجموعات طالبان الأصلية لا يتجاوز نطاق نفوذها 8 إلى 10 بالمائة من البلاد، ولا يتجاوز الذين يؤيدونهم من الأفغان 4 بالمائة. ويقول 58 بالمائة من الأفغان المستطلعين أن طالبان هي التهديد الأكبر للبلاد، ولا تتوقع غالبيتهم حدوثه. في باكستان، لا يمثل تمركز المجاهدين في مناطق القبائل البعيدة خطراً يهدد بالقضاء على البلاد.

 

ولا تبدو حكومة كابول على وشك السقوط لصالح طالبان. ويبلغ عديد قوات الحكومة 80 ألفاً، ويستفيدون من الدعم الجوي الأميركي، بينما يتراوح عدد قوات طالبان بمقاطعات الباشتون بين 10 و15 ألف مقاتلاً. ولا يبدو في الأفق أن القاعدة تعيد تأسيس مراكزها بأفغانستان، بحيث تستطيع منها مهاجمة الولايات المتحدة...

 

وبينما جاء ظهور "طالبان باكستان" بمناطق القبائل ضربة لأمن باكستان، إلا أنهم هزموا ببعض تلك المناطق بواسطة حملات عسكرية استغرقت شهوراً من الجيش الباكستاني الأكثر احترافاً والأفضل تجهيزاً. وكان روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي، قد أجاب بالصيف الماضي حول ما إذا كانت القاعدة تعيد تجميع صفوفها وتشكل خطراً على الغرب، بأنه لا يتفق مع هذه التقديرات. ففي الماضي، عندما كانت القاعدة تشارك في حكومة طالبان، كانت لها فرص للوصول إلى شبكة الاتصالات الدولية والسفر وغيرها. لكن ظروفها بمناطق القبائل الباكستانية، على الجانب الباكستاني من الحدود، أكثر بدائية. ويصعب عليهم التحرك بالمنطقة، ويصعب أكثر الاتصال.

 

بالنسبة لتهديد باكستان، تمثل منطقة القبائل مساحة صغيرة من البلاد، ويفوق سكانها الثلاثة ملايين نسمة بقليل. لذلك، لا يستطيع بضعة آلاف من مقاتلي الباشتون الاستيلاء على باكستان، ولا القضاء عليها. وتقول استطلاعات الصيف الماضي أن ثلاثة أرباع الباكستانيين لا ينظرون إيجابياً لطالبان، و90 بالمائة منهم قلقون من الإرهاب. لكن من المؤكد أن الباكستانيين إجمالاً معارضون للوجود العسكري الأميركي بالإقليم، ومعظم السكان خارج مناطق القبائل يعارضون ضربات الطائرات الأميركية بدون طيار على الأراضي الباكستانية. يكمن الخطر، بالنسبة للأميركيين، في أن الضربات الأميركية قد تظهر الراديكاليين ضحايا للإمبريالية الغربية ومعبرين عن الجماهير الباكستانية.

 

رؤية أوباما المتشائمة حول إطاحة طالبان أفغانستان المرتبطة بالقاعدة للحكومة الأفغانية، أو قضاء المجموعات القبلية الباكستانية الصغيرة على النظام الباكستاني، لا تختلف كثيراً عن التحذيرات المروعة التي يطلقها جون مككين وديك تشيني حول انتصار القاعدة في العراق. بل إن تصورات الرئيس أوباما المتشائمة تناقض تصورات وزير دفاعه.

 

لقبائل الباشتون بشمال غرب باكستان وجنوب أفغانستان تاريخ طويل من الانشقاق والتمرد، وهو ما يطلق عليه الآن "الطالبانية"، وينظر إليه كتهديد رهيب لنمط الحياة الغربي. وجاء أوباما ليضيف نظرية دومينو أخرى إلى سجل واشنطن التاريخي في تقديم المبررات للتدخلات العسكرية الواسعة بآسيا. عندما يقع صانع السياسة في تصورات خاطئة أو أساس نظري مغلوط لفعل ما، يصبح بشكل خاص معرضاً لمخاطر الاستغراق في المهام والالتزام العنيد بمشروعات غير ضرورية ومحكوم عليها بالفشل.

 

 

انشر عبر