شريط الأخبار

دلالات محو الأسماء الفلسطينية وشطب اللغة العربية .. نواف الزرو

03:06 - 21 تموز / يوليو 2009

بقلم: نواف الزرو

الواضح الموثق أن دولة الاحتلال تشن في الآونة الأخيرة حملات متلاحقة مبيتة منهجية، على فلسطين والفلسطينيين والقضية بكافة ملفاتها، بغية إنجاز ما تبقى من مخططاتها التهويدية التي لم تتحقق، من وجهة نظرهم، بكاملها حتى الآن.

فإن تحدثنا عن الأرض والجغرافيا، فقد نجح الاحتلال بتهويد الجغرافيا الفلسطينية والمكان الفلسطيني. وإن تحدثنا عن الديموغرافيا، فتلك الدولة منشغلة على مدار الساعة في إدارة حملاتها وهجماتها على الديموغرافيا الفلسطينية، بهدف تحجيم وتقليص الوجود السكاني الفلسطيني إلى أدنى حد ممكن، بل إنهم يضعون مخططات التهجير - الترانسفير - على قمة أجنداتهم التهويدية.

وعلى نحو متزامن، أخذت تلك الدولة الاحتلالية تشن هجوما واسعا شاملا أيضا على الثقافة والذاكرة العربية الفلسطينية، وعلى القدس والمقدسات، بل إنها أخذت تلبس هجومها على القدس والمقدسات زيا دينيا توراتيا.!..

وفي الأيام الأخيرة ارتفع منسوب الهجوم الإسرائيلي ليطال اللغة وأسماء المعالم العربية التاريخية، إذ أعلن وزير المواصلات الإسرائيلي عن حملة لتغيير الأسماء والمسميات العربية على امتداد فلسطين والقدس.

وبالتأكيد تأتي هذه الحملة التهويدية للغة والمسميات كخطوة سياسية أيديولوجية تهويدية تصعيدية خطيرة، تهدف إلى شطب الأسماء العربية للمكان الفلسطيني من الذاكرة، وإجبار المواطنين العرب على التعامل مع أسماء صهيونية جديدة تحل محل الأسماء العربية التاريخية.

وتأتي هذه الحملة أيضا على الأسماء والمسميات العربية، لتستكمل إجراء قانونيا سابقا كانت الحكومة الإسرائيلية قد مررته في يونيو/ حزيران 2007، إذ أقر الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى مشروع قانون يلزم بكتابة اللافتات التجارية باللغة العبرية، ما أثار مخاوف سياسيين وحقوقيين عرب، اعتبروا أنه يندرج في إطار الحملة التي تستهدف اللغة العربية. فقد ذكرت صحيفة معاريف أن "الكنيست وافق مبدئيا على مشروع قانون يطالب بالكتابة على الواجهات أو لافتات المتاجر باللغة العبرية الواضحة، وإلا فإن الرخص ستسحب من المتاجر والمطاعم وأصحاب المؤسسات التي تخالف هذه التعليمات".

وقال عضو الكنيست العربي محمد بركة "هذا المشروع يكرس استهداف اللغة العربية، والتي هي أصلا مستهدفة كل الوقت وبشكل مطلق، لأنه يعطي أولوية مطلقة للغة العبرية"، وأشار بركة إلى أن الاستهداف يتمثل تارة باللافتات التجارية، وطورا بتغيير أسماء الشوارع والمدن والقرى المهجرة، وتابع: "لقد تحولت أسماء جميع مفترقات الطرق إلى العبرية، وللأسف فإن الجيل الجديد من أبنائنا لا يعرف أسماءها العربية".

وقال آفي لارنر الناطق باسم عضو الكنيست آفي إيتام من حزب الاتحاد الوطني "المفدال"، والذي تقدم بمشروع كتابة اللافتات بالعبرية "لا يوجد عندي أي شك في أن المجتمع الإسرائيلي إذا أراد الحفاظ على طابعه اليهودي، عليه أن يعزز منزلة اللغة العبرية".

وأكد لارنر "كمجتمع ودولة، فإن اللغة العبرية تشكل استمرارية لسلالة أجيال بدأت قبل آلاف السنين". يضعنا هذا الهجوم الإسرائيلي على اللغة والأسماء العربية أمام الحقيقة الكبيرة الساطعة، وهي أن الدولة الصهيونية قامت ولا تزال تواصل تدمير وشطب عروبة فلسطين تاريخا وحضارة وتراثا، كما قامت ولا تزال تواصل تهجير الشعب الفلسطيني وتهويد أرضه ووطنه وتحويله إلى "وطن يهودي". فلم يعد سرا أن تلك الدولة اقترفت أبشع أشكال التطهير العرقي، وقامت بتهديم المكان العربي على امتداد مساحة فلسطين، فدمرت ومحت نحو ستمائة قرية فلسطينية، وبعضها على رؤوس ساكنيها، كما دمرت العديد من الأماكن العربية المقدسة في فلسطين.

والجديد في هذا السياق هو تلك الوثائق التي يتم الكشف عنها تباعا، والتي تعترف بأن الهدم والتدمير والتطهير تم بقرارات من قبل القيادات العليا الإسرائيلية، وعن سبق تخطيط وتبييت وإصرار. كانت صحيفة هآرتس كشفت النقاب عن أن "ما حدث - في فلسطين - إنما هو تدمير جذري لمدن وقرى، وتدمير لحضارة كاملة، بحاضرها وماضيها، ومن معالم للحياة خلال 3000 سنة، وحتى الكنس الباقية في الأحياء العربية"، وتؤكد أن "الهدم كان يهدف إلى القضاء على بقايا الوجود العربي الذي أزعج القادة الإسرائيليين".

هكذا هي القصة إذن، وبالوثائق المفرج عنها من أرشيف الجيش الإسرائيلي أخيراً، فـ"الجيش الإسرائيلي عمل منذ قيام الدولة العبرية في العام 1948 على إزالة آثار قرى وبلدات عربية تم تهجير سكانها ومحوها من الوجود، وتنفيذ حملات بأوامر صادرة عن قائد الجبهة الجنوبية في حينه موشيه ديّان، الذي حول فلسطين إلى صحراء مدمَّرة، لطمس الحضارة العربية التي كانت قائمة، وإقامة إسرائيل عليها".

وعلى نحو مكمل جاء في تقرير للكاتبة الإسرائيلية تسفرير رينات، نشر في هآرتس بعنوان "أين اختفت القرى العربية؟": إن المؤرخين الناقدين للحركة الصهيونية بصورة خاصة، مثل الدكتور إيلان بيبيه، يؤكدون أن اختفاء القرى الفلسطينية من مواقعها هو جزء من سياسة منهجية مبرمجة، لطمس وجودها من أجل بلورة تاريخ جديد يتلاءم مع الرواية الصهيونية، التي تدعي أن البلاد كانت فارغة وأنها تحولت إلى أرض خضراء مزدهرة، بسبب نشاطات الكيرن كييمت وأمثالها".

وبيت القصيد هنا في هذا الصدد، أنه ليس فقط الجغرافيا والأمكنة الفلسطينية باتت تحت مخالب التهويد، وإنما انتقل الهجوم الصهيوني إلى مرحلة أشد خطورة، تستهدف فيها الحضارة والتاريخ والتراث والثقافة والرواية واللغة العربية في فلسطين، وهذه العملية تجري - مع بالغ الأسف - على مرأى من العالم العربي والمجتمع الدولي.

ولذلك فإنه لمن المثير الدهشة والغرابة، الحديث اليوم عن عملية السلام والمفاوضات والتسوية والتطبيع، والتمسك العربي بالنواجذ على خيار المفاوضات وخارطة الطريق، على وقع المجازر وبناء المستعمرات والجدران الاغتصابية التهويدية.!!

نثق ثقة عالية بأن هوية الوطن المحتل، بتراثه وتاريخه ومقدساته وروايته، أقوى وأبقى.. ونعتقد أن كافة مخططات محو التاريخ العربي لبناء رواية ومشهد صهيوني آخرين، تصطدم بإرادة البقاء والصمود الأسطوري الفلسطيني.

غير أن فلسطين تحتاج، مع كل ذلك، إلى حضور عربي حقيقي ومسؤولية عربية حقيقية أيضا.. كما تحتاج إلى فعل عربي إسلامي مؤثر، في مواجهة تلك المخططات والهجمات الصهيونية.

 

انشر عبر