شريط الأخبار

القدومي: أحرجوه حتى أخرجوه .. منير شفيق

03:04 - 21 حزيران / يوليو 2009

بقلم: منير شفيق

ما فعله الأستاذ فاروق القدومي في مؤتمره الصحافي بالكشف عن وجود وثيقة لديه تتهم الرئيس محمود عباس ومحمد دحلان بالتآمر مع شارون وطرف رسمي أميركي على اغتيال الرئيس الشهيد ياسر عرفات لم يسبق أن فعل مثله من قبل، ولا أقل منه طوال تاريخه في فتح منذ مرحلة التأسيس الأولى.

ومن ثم، بداية، لا تفسير لهذا التغيّر النوعي في موقفه سوى أن محمود عباس وفريقه في فتح أحرجوه إحراجاً ما مثله إحراج حتى أخرجوه. فأبو اللطف يمكن أن يوصف بأنه «جبل المحامل» في فتح، وإن كانت هذه السمة عامّة في اللجنة المركزية. ولكن يمكن أن يُعطى فيها درجة أعلى من الآخرين بالنسبة إلى ما حمل واحتمل وصبر وعضّ على جراحه. فكان دائماً في اللحظة الأخيرة، بل في ما قبل الأخيرة، الموفِّق والملتزم والمتراجع من أجل وحدة الصف والحركة حتى لو لم يكن مقتنعاً أو لو استمرّ على موقفه. وكان قد فعل الشيء نفسه مع هذه الوثيقة لو أمكن الحفاظ على فتح وتصحيح الموقف، وقد فعل لخمس سنوات.

هذه السمة العامّة في القيادات التاريخية لفتح منذ 1965 كانت تحمل إيجابية من زاوية الحفاظ على وحدة الحركة رغم تعدّد المواقف والاتجاهات داخلها، ولكنها كانت تحمل سلبية اهتزاز الثقة بالموقف الفردي للقائد باعتباره قابلاً للتقلب ولا يمكن أن يراهَن عليه. فالجميع تقريباً دخل في هذه السمة أو حملها ولعب لعبتها حتى استشهاد ياسر عرفات. ولكن الأمر بدأ يختلف منذ ذلك التاريخ أو في الأدق منذ وضعه في الحصار في مقرّه في رام الله.

طبعاً عرف تاريخ فتح انشقاقاً كبيراً (من حيث العدد) في العام 1983، كما عرف بعض الاستقالات، أو الاعتزال، أو التشظّي. ولكن كل هذا عدا مرحلة ما قبل 1965 لم يصل إلى مستوى القيادات التاريخية المؤسسّة ممن سبق وحضروا المؤتمر الأول والمؤتمر الثاني للحركة.

ومن هنا يجب أن يُنظر إلى استثنائية ما جرى ويجري داخل حركة فتح منذ حصار ياسر عرفات حتى اليوم، بل على التحديد عندما يقف المرء أمام الموقف الأخير لفاروق القدّومي ومعه وقبله في أثناء التحضير للمؤتمر السادس.

وهذا يفسّر سبب المفاجأة العامّة داخل فتح وخارجها إزاء الموقف الذي اتخذه أبو اللطف في مؤتمره الصحافي، وما حمله من اتهام خطير لقيادات تتهيّأ للسيطرة على المؤتمر السادس والتحكم بنتائجه، ومن ثم الانتقال بفتح إلى حالة، أو حالات، جديدة لم يسبق لها مثيل من قبل.

لقد كانت الأمور، رغم تعثرها، سائرة ضمن الإطار التقليدي في التحضير للمؤتمر إلى أن أعلن محمود عباس حلّه للجنة التحضيرية، وحسَمَ في موضوع عقد المؤتمر في بيت لحم، وحدّد تاريخه، ورمى القفاز عملياً في وجه فاروق القدومي صاحب الأسبقية بين أعضاء اللجنة المركزية وأمين سرّها، كما في وجه غيره من القيادات التي كانت حريصة على التوافق داخل اللجنة التحضيرية.

وهكذا بعيداً من التفاصيل، وما حدث داخل الاجتماعيْن الأخيريْن للجنة المركزية في عمّان والمجلس الثوري (لم يتوفر فيه النصاب) في رام الله ومع تحديد الأسبوع الأول من أغسطس القادم تاريخاً لعقد المؤتمر، وفي بيت لحم، تحت الاحتلال، وتحت إشراف قوات الأمن التي بناها كيث دايتون، يكون محمود عباس وفريقه قد حسما داخل المؤتمر وداخل فتح، فمن رضي مشى، ومن رفض فليشرب من البحر، الأمر الذي وضع فاروق القدومي في الزاوية (وغيره طبعاً) وانهالَ عليه ضرباً حتى أخرجه، ولم يترك له من خيار غير تفجير قنبلته التي لا يمكن تحديد مفاعيلها في هذه المرحلة، وإنما بعد المؤتمر، إذا ما عُقِدَ وغلبَ عليه الحسم، بل ستظل قابلة لاستعادة الصدى في قادم الأيام والأشهر مهما كانت نتيجتها الآنية الراهنة القابلة للانطفاء مؤقتاً.

الوثيقة لن تكون بحدّ ذاتها، المسألة الرئيسة، من حيث تطابقها أو عدم تطابقها مع تفاصيل ما حدث في مرحلة ما قبل اغتيال عرفات، وذلك لأن شأنها شأن كل التقارير السريّة قابلة للتصديق والتكذيب على حدّ سواء، وأضف إلى ذلك ما يمكن أن يثار حولها من أسئلة تدور حول التوقيت أو الدوافع أو ضغوط لإقفال ملفها أو فتحه.

على أن الشيء المؤكد بعيداً جداً من مدى صدقية الوثيقة أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ومنذ أن أصبح رئيس اللجنة التنفيذية، وزعيماً لحركة فتح، كان على قائمة الاغتيال الإسرائيلي. ولم يمنع من اغتياله غير ما كان يتمتع به من غطاء فتحاوي - فلسطيني، وغطاء رسمي عربي، وبعض الغطاء الدولي، مثل غطاء الاتحاد السوفييتي سابقاً أو الغطاء الأوروبي لاحقاً. فياسر عرفات كان بسبب علنيته في متناول أجهزة الاغتيال الإسرائيلي قبل اتفاق أوسلو وبعده.

ولهذا اغتيل عرفات عندما رُفع عنه الغطاء الفتحاوي إذ اعتبروه «منتهي الصلاحية» وطولب بالتخلي عن صلاحياته كلها، ورافق ذلك رفعٌ للغطاء العربي ثم الأوروبي. فكان ذلك كافياً ليؤخذ قرار اغتياله من جانب شارون مع موافقة دولية (أميركية في الأقل).

فنحن هنا أمام حقائق ووقائع معلنة، وبالصوت والصورة. فالمسألة أساساً مسألة تقاطعات وأضواء خضراء غير مباشرة لمن يريد أن يعرف قصة اغتيال الشهيد ياسر عرفات.

انشر عبر