شريط الأخبار

القرضاوي .. فتاوي الجهاد يجب أن تراعي مفهوم الأمة

06:18 - 18 حزيران / يوليو 2009

القرضاوي .. فتاوي الجهاد يجب أن تراعي مفهوم الأمة

فلسطين اليوم- إسلام عبد العزيز، عبد الله الطحاوي

"الأمة موجودة وحية، وإن افتقرت للوجود السياسي الواقعي، لكنها كائنة داخل الضمير والثقافة والاعتصام حول قضاياها المركزية.. الأمة لم تغب، ولن؛ لأنها مستودع الرسالة والأمانة، وهي التي تعقد الإجماع، وتعكس إرادتها ضمير الإسلام، فكيف تغيب عن بال الفقيه ووجدانه وإن غابت عن الجميع، ولذا ينبغي أن تكون حاضرة حين يبني الفقيه فتواه، خاصة فيما يسمى فتاوى الأمة، وأهمها فتاوى الجهاد".

 

بهذه الحقائق المتأصلة في نفسيته كفقيه أكد القرضاوي في حواره مع "مدارك" رؤيته الفقهية التي تنساب فتاواه لتعبر عنها في شفافية ووضوح.

القرضاوي الذي أثار كتابه الأخير "فقه الجهاد" بعضا من اللغط أثناء عرضه على صفحات إحدى الجرائد المصرية المستقلة، يرد في هذا الحوار الجزء للكل، والخاص للعام، حتى يستقيم المعنى، ويسلم الرأي.

 

فالكتاب صيغ بأسلوب الفقهاء الذي أحيانا ما يلتبس على البعض فهم وفك بعض إشاراته، ولذا جاءت عبارات القرضاوي في هذا الحوار واضحة جلية، لتؤكد أن مفهوم "الأمة" هو المفهوم الأساس في مثل تلك المعالجات الكلية لما يسمى بـ"فتاوى الأمة".

 

ويتناول الحوار كذلك قضايا أخرى خاصة بمفهوم الجهاد واتساع مداراته الفكرية والاجتماعية، ومنها الجهاد المدني، حيث يرى الشيخ ضرورة أن تفتح المجالات لذلك الجهاد؛ لتستطيع الأمة أن تعبر وتعبئ طاقاتها.

 

أيضا يرصد الحوار مشروعات القرضاوي العلمية المسقبلية، بما يفتح الباب أمام جمهور مدارك للتعرف على خارطة القرضاوي المستقبلية.

 

* لنبدأ مباشرة بالعبارة التي أثارت اللغط في كتاب الجهاد، وهي قولكم: "الواجب على المسلمين اليوم الجهاد لتحرير فلسطين بالتضامن، وهم مسئولون أمام الله وأمام التاريخ والأجيال عن ذلك، وقد يستثنى من ذلك البلاد التي عقدت اتفاقيات مع إسرائيل، فتعد بالنسبة إليها دار هدنة أو موادعة، وإن كنا نرى أن القضية لا تتجزأ، ولا يسوغ فيها الاتفاق المنفرد أو الصلح المنفرد؛ لأنه يعود على القضية الكلية بالضرر".. جريدة المصري اليوم أخذت هذه العبارة وصنعت منها عنوانا لخبر مفاده أن القرضاوي يستثني الدول الموقعة على اتفاقات مع إسرائيل من تحرير فلسطين.. ما ردكم؟

 

** لا يمكن أن أقول هذا أبدا، ولم أستثن أحدا من الدفاع عن فلسطين، فهذا يناقض فكرة الكتاب وينسفها من الأساس، وأريد ان أنوه إلى نقطة مهمة، وهي أن استعمار إسرائيل لفلسطين هو استعمار استيطاني إحلالي، يختلف عن أي استعمار آخر، فهناك استعمار يلبث بضع سنين ثم يرحل بعد أن يستنزف خيرات البلاد، ولكن إسرائيل لا تنوي الرحيل أبدا عن فلسطين، بل تعتبرها أرضها الأبدية، مثلها في ذلك مثل فرنسا في استعمارها للجزائر، والتي اعتبرت أراضي الجزائر كاملة جزءا لا يتجزأ من فرنسا.

 

والاستعمار الإسرائيلي إحلالي بمعنى أنه يطرد أهل البلاد ليحل محلهم، وقد قام بالفعل بتشريد الفلسطينيين وأخذ بيوتهم، وأولى قضايا الجهاد المعاصر بلا شك هي قضية فلسطين التي اغتصبها اليهود جهارا نهارا، وفرضوا عليها أنفسهم بالحديد والنار وشردوا أهلها من ديارهم وشتتوهم في أنحاء العالم، ولا نزاع أن هذه هي قضية المسلمين الأولى التي لا يختلف عليها اثنان.

 

التحرير الفقهي

 

* قولكم هذا يثير إشكالية مهمة، وهي افتقاد الأمة الآن لتحرير شرعي مناسب من فقهاء المسلمين لفهم طبيعة الاستعمار الإسرائيلي لفلسطين، وماهية إسرائيل من الوجهة الشرعية، وبالتالي الفقيه وفهمه لهذا التحرير الشرعي والسياسي والتاريخي للمسألة  يجعله قريبا من وضع رؤى شرعية منضبطة لهذا الأمر.. هل توافق على ذلك ؟

 

** لا أعتقد ذلك، والأمر واضح عندنا نحن الفقهاء تماما.. إسرائيل اغتصبت أرضا إسلامية ولم يكن لها فيها أي حق، ولذلك يجب شرعا أن تُطرد، وبالنسبة للدول التي أبرمت صلحا معها إذا كان معناه الاعتراف بشرعية اغتصابها فهو غير مقبول، أما إذا كان الصلح بمعنى الهدنة فنحن نوافق عليه، لفترة من الزمن تقصر أو تطول، يكف فيها الطرفان عن الحرب وتحقن الدماء، ويسود فيها الأمن.

 

أما مثلا مبدأ الأرض مقابل السلام فهو مبدأ غريب حقا، فرضه منطق القوة الغاشمة للعدو، لا غير؛ لأن الأرض أرضنا لا أرضه حتى يتفضل بتنازله عنها مقابل سلامه هو.

 

وعلى مستوى مسألة التعامل مع الاستعمار الإسرائيلي بشكل عام فقد حدث بيني وبين عدد من العلماء مثل فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله مناقشات في هذا الشأن ضمنت في كتابي "فتاوى معاصرة".

 

وأنا أريد أن أؤكد على أن فهم الواقع وتصوره تصورا صحيحا هو أساس الفتوى الصحيحة في مثل تلك الأمور.. فمثلا هناك في موضوع فلسطين بعض الآراء الشاذة، مثل قول الشيخ الألباني بوجوب هجرة أهل فلسطين من أراضيهم والسياحة في العالم بسبب الظلم الواقع عليهم من اليهود في أرضهم مستشهدا بالآية: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا"، وهذا رأي شاذ لا ينسحب على وضع أهل فلسطين، فالأرض أرضهم من قديم الأزل، وقد استولى اليهود عليها، ومن ثم يجب الثبات في الأرض والمقاومة بشتى السبل، حتى ولو تحولت الأرض كلها لمقبرة لا يخرج منها أبدا.

 

وأنا أعتقد أن مثل هذه الفتاوى نابعة عن سوء فهم للواقع، ومن ثم تصويره على غير حقيقته، وإذا أسقطنا الأمر على قضية الصلح مع إسرائيل، فالواقع يقول إن الصلح وتوقيع الاتفاقيات معها يعد اعترافا ضمنيا بشرعية احتلالها لأراضي المسلمين، والصلح أيضا يقضي على حقنا في المطالبة باسترداد هذه الأراضي، وهو أمر لا يجوز شرعا.

 

 

هناك فرق بين أن نغلب على أمرنا فنرضى بالأمر الواقع، وبين أن نعترف به ونعطيه الشرعية، وأنا أرى -ومهما مر الزمن- أنه لن يسقط عن الصهاينة صفة الغزاة المحتلين المستعمرين، وأن مضي السنين لا يغير الحقائق، ولا يحل الحرام ولا يبرر الجريمة، ولا يعطي الاغتصاب صيغة الملكية المشروعة بحال، وستظل المعركة قائمة بيننا وبينهم مادامت الأسباب قائمة، وسيظل الصلح مرفوضا إذا كان مبنيا على الاعتراف بأن ما اغتصبوه من أرض حق لهم، إذ لا يملك أحد أن يتنازل  عن أرض الأمة.

 

وأعتقد أن جزءًا من اللبس واللغط في فهم كتابي "الجهاد" جاء بسبب عدم تفصيلي لمسألة الصلح مع إسرائيل شرعا، والمناقشات المعمقة التي قمت بها مع إخواني العلماء في تلك القضية، فهي التي كانت ستحرر المسألة فقهيا على الوجه الأمثل، ولكني اكتفيت بإشارات بسيطة على عدم جواز الصلح مع إسرائيل، ولذلك قررت أن أضع هذه المسألة تفصيليا والمناقشات المتعلقة بها في ملاحق تصدر مع الكتاب في طبعته الثانية بإذن الله؛ لأن التغيير في المتن قد يفرز مشكلا آخر.

 

* هل ترى أن هذه معركة دينية بيننا وبين الصهاينة؟

 

** هناك طابع ديني للمعركة، فالمعركة إن كانت من أجل الأرض لها بواعثها وأهدافها الدينية، فكل معركة يدخلها المسلم للدفاع عن حق أو لمقاومة باطل أو لإقامة عدل أو للثورة على ظلم فهي معركة دينية؛ لأنها معركة في سبيل الله.

 

والإسلام يوجب التضامن للدفاع عن أرض الإسلام، ويعتبر ذلك من أقدس أنواع الجهاد، كما يعد من قتل في ذلك شهيدا، وإذا هجم العدو على بلد من بلاد المسلمين، أو خِيف هجومه، وبدت بوادره وهذه الحالة تُسمَّى (النفير العام)، وهو: أن يُحتاج إلى جميع المسلمين عند دخول الكفار واحتلالهم لأرض إسلامية، أو تهديدهم لها -وتوقع خطرهم عليها- فلا يكتفى ببعض المسلمين من أهل هذا البلد عن الآخرين، بل يهبُّون جميعا لمقاومة الغزو، بحسب الإمكان، كل بما يقدر عليه، ولا يجوز لقادر التخلُّف عن المشاركة في المقاومة.

 

مفهوم الأمة

 

* فضيلتكم بهذا المعنى تؤطرون لمفهوم الأمة.. فهل يعي الفقيه المعاصر الوضع الجديد الذي دخل فيه العالم الآن من تفكيك للدول العابرة، وظهور الدولة القومية القطرية؟ وهل يجب أن ينسحب هذا التغير الذي مس الجغرافيا والسياسة على الفقه والفتوى؟

 

** الأمة موجودة وحية، وإن افتقرت للوجود السياسي الواقعي، لكنها كائنة داخل الضمير والثقافة والاعتصام حول قضاياها المركزية.. الأمة لم تغب، ولن؛ لأنها مستودع الرسالة والأمانة، وهي التي تعقد الإجماع، وتعكس إرادتها ضمير الإسلام، فكيف تغيب عن بال الفقيه ووجدانه، وإن غابت عن الجميع، ولذا ينبغي أن تكون حاضرة حين يبني الفقيه فتواه، خاصة فيما يسمى فتاوى الأمة، وأهمها فتاوى الجهاد.

 

أما قضية المتغيرات وتبدل الأحوال فلا تنسحب على الجوهر والأصل والتعريف، وكل تلك الحالات معتبرة في الشرع، ومع ذلك يجب أن يكون الفقيه على وعي بتلك المتغيرات، وأن تراعي الفتوى تغير بعض المفاهيم مثل الخلافة، حيث تحال إلى المقصد والغاية، لا إلى الشكل كما فعل حزب التحرير مثلا.

 

وخلاصة القول إن مفهوم الأمة كما قلت -وإن كان غائبا على مستوى الواقع السياسي- يجب أن يكون حاضر في أحكام الفقيه وفتاواه.

 

الجهاد المدني

 

* من المعروف أنكم من زمن بعيد تبنيتم مفهوم الجهاد في إطار واسع ومن أبواب متعددة.. كيف ترى مفهوم الجهاد المدني؟ وما موقعه في خريطة التأصيل الشرعي؟

 

** الجهاد المدني لا يقل أهمية عن الجهاد العسكري، بل ربما فاقه في كثير من الأحيان، وأبرز دليل على ذلك ما روي من أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج معه للجهاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك أبوان؟ قال: نعم، قال النبي: ففيهما فجاهد، فهذا كله جهاد حتى لا نظن أن الجهاد هو العمل العسكري فقط.

 

وسبق أن قلت عن مشروع "إسلام أون لاين" في 4/10/ 1999 إن هذا هو جهاد العصر، فلم يكن المسلمون الأوائل يملكون لنشر الإسلام حيلة سوى القتال، وذلك لأنه كان من المستحيل أن يسمح لهم أحد أن يدخلوا بلاد كسرى وقيصر ويسمعهم الناس وهم يدعون إلى دعوة جديدة.

 

* لكن هذا الأمر قد يأخذنا إلى قضية وجود الدعاة المؤهلين لنشر الإسلام في البلاد الأخرى كنوع من الجهاد المدني.. ما تقييمك لهذه المسألة؟

 

** مع الأسف ليس عندنا واحد في الألف من الدعاة المدربين لأداء مهمتهم الدعوية لنشر الإسلام في بلاد أخرى على الوجه الأمثل.

 

هذه القضية تفجر عندي مصطلح، وهو "الحياة في سبيل الله".. لو طلبت 10 ليموتوا في سبيل الله يأتيك مائة، وقد يأتيك ألف، أما لو طلبت 100 ليعيشوا في سبيل الله يأتيك على الأكثر 10، وذلك لأنهم يحسنون الموت ولا يحسنون الحياة.

 

وأنا قلت لإخواننا في أفغانستان: لقد أحسنتم أن تموتوا في سبيل الله، أما آن الأوان أن تعيشوا في سبيل الله، وها هي مشكلة أفغانستان لم تحل حتى الآن، وذلك لأنهم لم يحسنوا الحياة في سبيل الله.

 

لقد حكى لي أحد الدعاة قصة حدثت له في إحدى قرى جنوب السودان، يقول: حين رأى أهل القرية السيارة التي جئنا بها هرولوا إلى بيوتهم خوفا منها؛ لأنهم لم يعتادوا إلا ركوب الحيوانات للانتقال، وبعد محاولات من جانبنا لطمأنتهم أنسوا إلينا وجلسوا يتحدثون معنا، وبينما نحن نتحدث مع القوم إذا بجرس يدق، فسألناهم ما هذا قالوا هذا جرس "أبونا" الذي يأتينا مرتين في الأسبوع، ورأى محدثي "أبونا" هذا يركب الدراجة ومعه حقيبتان، الأولى بها أدوية مختلفة، والأخرى بها "بونبوني" للأطفال، وبعد أن يوزع الأدوية على الناس كل حسب حاجته ويعطي الحلوى للأطفال يجلس ويجمعهم حوله ليحكي لهم بعض الحكايات، وبالطبع هي حكايات عن المسيح والعذراء، يفعل هذا مع 40 قرية كل أسبوع، اقترب أصدقائي منه وسألوه عن بلده فقال من بروكسل، ودار بينهم الحوار التالي:

 

- منذ متى وأنت في بلادنا؟

- منذ 30 سنة.

 

- كم مرة زرت بلادك خلال تلك المدة؟

- لم أزرها مطلقا منذ ثلاثين عاما.

 

- متى تعود؟

- لن أعود، فهنا وطني، وهنا عيشي، وهنا أحيا، وهنا سأموت وأدفن.

 

وأنا أقول: انظر إلى هذا الذي ترك بروكسل حيث المدنية والكهرباء والأزرار الأوتوماتيكية ليعيش في بلاد لم تر سيارة في حياتها، وذلك كله من أجل نشر الباطل، فهل عندنا من هو مستعد لأن يفعل ذلك من أجل الحق؟

 

في العالم اليوم 4 ملايين وسبعمائة وخمسون مبشرا، فكم نملك نحن من المبشرين بالإسلام العاملين من أجله.

 

القراءات الحداثية

 

* نعتقد أن جزءا من التباس مفهوم الجهاد وقصره على معناه الشائع نابع من إشكالية في التعامل مع النص القرآني، وهناك محاولات كثيرة جدا لمقاربة هذا النص، ولعل أخطرها بعض القراءات الحداثية للقرآن، ذلك لأنها تصل إلى النقيض من هذا المعنى الشائع، فهل ترى ضرورة وجود ردود قوية وموضوعية على مثل تلك القراءات؟

 

** نعم لابد منها.. ضروري أن يكون هناك علماء ومجتهدون باستطاعتهم الرد على تلك التجاوزات، ولكن للأسف هذا هو ما ينقصنا، وقد قام اثنان من العلماء بالفعل بالرد على أحد أصحاب تلك القراءات الحداثية، ولكن كانت ردودهم في غاية من الضعف والتهافت، فأعطوا شرعية أكثر لأقواله وقوة أكبر لحجته، وكانا بكل أسف من أكابر العلماء المتخصصين، وهما د. عبد الصبور شاهين ود. عبد المعطي بيومي.

 

وقد سمعت مؤخرا واحد من هؤلاء المجترئين على علم التفسير يأتي بتفسير جديد لسورة القدر، حيث فسر آخر آية في السورة "سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" بأنه ليس الفجر الذي نعرفه "أول الصبح"، ولكنه الانفجار الكوني.. هذا عبث عندما يبرز أي شخص ويقول ما يريد في علوم الدين.

 

* ولكن دعنا نوضح أن أحد هؤلاء وأثناء حوار لنا معه وجدناه، بطبيعة تخصصه الهندسي، يدخل المنهج الرياضي التحليلي في تفسير القرآن بصفته معطى من معطيات العلم الحديث، وله آراء في قضية المواريث مثلا، تقول بوجوب تساوي الذكر مع الأنثى باعتبار المجموع، بالمخالفة للنص القرآني الصريح، وكذلك آراؤه في مسألة الحدود، وفهمه لطبيعة الحد.

 

** كما قلت لك من قبل إن الدين لم يأت لنا هذه الأيام، ولكنه نزل منذ أربعة عشر قرنا من الزمان، ووضحه لنا الرسول واجتهد الصحابة والتابعون من بعده، واجتمعت الأمة على عدد من الثوابت لا يصح أن يأتي أحد ليخرج عليها تحت أي مبرر، فإجماع الأمة معصوم في مجمله.

 

هذا الكلام وتلك الادعاءات يجب أن ترفض بشكل قاطع، والمنهج الرياضي ليس مناسبا لفهم القرآن الذي نزل بلغة عربية واضحة لا تحتمل اللبس، القرآن فُهم وعُرف، فلا يأتي أحد ويدعي أنه أفهم من ابن عباس والطبري وابن كثير وغيرهم من عمالقة التفسير.

 

نعم.. نفهم أن هناك بعض اللمحات واللقطات التي قد تكون جديدة ويأتي بها العالم من داخل النص القرآني، ولكنها تكون داخل إطار هذا النص لا تغير الثوابت ولا تتصادم معها، وتلك عظمة النص القرآني وحقيقة ملاءمته لكل زمان.

 

* لكن في المقابل هناك من يقول بأن علم التفسير يحتاج إلى جهد مستمر كل فترة.. فهل أنت راض عن مستوى علم التفسير في الأمة اليوم في ظل التطورات المتلاحقة في العالم؟

 

** نعم أعتقد ذلك، ولدينا جملة من التفسيرات القرآنية التي قام بها بعض المحدَثين من أمثال الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا وجمال الدين القاسمي وابن عاشور، وتفسير ظلال القرآن تفسير ممتاز لولا بعض الغلو فيه، ولكنه يعطي مقاربة جيدة للقرآن من نواح عدة، ولا أعتقد أن هناك اليوم حاجة لتفسير جديد للقرآن.

 

* هل فكرت فضيلتكم في خوض تجربة تفسير القرآن؟

 

** عندما ذهبت إلى قطر عرض علي قاضي القضاة هناك الشيخ عبد الله المحمود أن أكمل تفسير المنار على طريقة الشيخ رشيد رضا، وتعهد بتهيئة كل الأسباب وتذليل العوائق لي، غير أني تهيبت الموضوع حينها، ولكني الآن أريد أن أنجز تفسيرًا للقرآن على هامش المصحف على طريقة "تفسير الجلالين"، بحيث لا يستغرق مني أكثر من سنتين، وهو تصور أريد الانتهاء منه قبل رحيلي من هذه الدنيا.

 

الحوار الديني والمذهبي

 

* ما نظرة فضيلتكم لمسيرة الحوار الإسلامي المسيحي؟

 

** كان ثمة حوار ممتد، ولكننا جمدناه بعد ما حدث من البابا، وبالمناسبة واقع الحال يشهد أن الحوار مع هؤلاء الناس لا ينتفع المسلمون منه بشيء، وإنما ينتفعون هم وحدهم، تماما كالحوار مع الشيعة، لا ينتفع السنة منه بشيء وإنما ينتفع الشيعة وحدهم، وأذكر أنه بعد إحدى جولات الحوار مع الشيعة فوجئنا بقيامهم بافتتاح حسينيات كثيرة في بلاد سنية، ولما سألناهم لم فعلتم ذلك، قالوا إننا اتفقنا في حواراتنا أننا سنة وشيعة شيء واحد، وهكذا استفادوا هم من الحوار ولم نستفد نحن.

 

* وما رأيك في اشتراك اليهود كطرف في مثل هذه الحوارات؟

 

** أنا لا أجلس مع اليهود على منصة واحدة، وسبق أن أنكرت على شيخ الأزهر استقباله لأحد الحاخامات، وسلامه على بيريز، وجلوسه مؤخرا معه على منصة واحدة في كازاخستان.

 

* هل هناك مشروعات فكرية أو فقهية يريد القرضاوي إنجازها خلال الفترة القادمة؟

 

** نعم.. أستعد في الأيام القادمة لتأليف كتاب في السيرة النبوية بالأسلوب الموضوعي وليس الحدثي، بمعنى أنني لا أريد سرد أحداث، ولكن أريد التركيز على مواقف ظهر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم كداعية، وكقائد، وكأب، وكجد، وكزوج، وهكذا بشكل تفصيلي.

 

وأريد أيضا تأليف كتاب في الأصول أجمع فيه نظراتي المفرقة في الأصول في كتب شتى، إضافة إلى أنني أريد استكمال الكتابين اللذين بدأت فيهما، أحدهما في تيسير الفقه، والآخر في فقه السلوك، والأخير أصدرت فيه أربعة كتب: "الحياة الربانية" و "العلم" و "النية والإخلاص" و"التوكل" و"التوبة"، وهناك الآن كتابان آخران في مرحلة الطباعة، وهما "الورع والزهد" و"المراقبة والمحاسبة".

 

أيضا هناك مشروع آخر أريد الاستمرار فيه أهدف من خلاله إلى تقديم التصوف بنظرة سلفية معتدلة بعيدا عن الجمود، بحيث أصل لمرحلة تحقيق الصلح بين السلفية والصوفية، أو بمعنى آخر "تصويف السلفية" و"تسليف الصوفية"، وابن تيمية رغم أنه كان من أعلام السلف فإنه كان متصوفا رائعا، وأقصد بالطبع السلفية الوسطية غير المتشددة والصوفية الحقة البعيدة عن البدع والخرافات.

 

من ناحية أخرى أقوم الآن باستكمال سلسلة شرح الأصول العشرين، وبعدها سلسلة فصول من العقيدة بين السلف والخلف، وقد وصلت فيها إلى موقف معين

 

انشر عبر