شريط الأخبار

مطلوب بقوة وسرعة وحكمة.. علي عقلة عرسان

11:50 - 17 تشرين أول / يوليو 2009

 

مطلوب بقوة وسرعة وحكمة.. علي عقلة عرسان

 

منذ أمد هو في عمر الثورات طويل، نتابع مؤشرات القحط السياسي والأخلاقي وانعكاساته على الشعب الفلسطيني، وهي مؤشرات قحط داخلي وعربي ودولي نظراً لعدالة القضية وطول المعاناة وعظَم التضحيات، وقد أنهك القحط قيادات ودمر علاقات فلسطينية ـ فلسطينية، وعربية عربية، ونحن في دوامات الدهشة والعجب، نثور ونلهث ونوزع النظر هنا وهناك، ونتابع وقع الأحداث المؤلم، ونركض من رام الله إلى غزة، ومن فصائل المقاومة إلى سلطة المفاوضات ومفاوضات السلطة، ومن منظمة التحرير إلى مواقع القرار والتدبير.. تذهلنا الصراعات والمراوغات والاتهامات المتبادلة والتنازلات المتلاحقة، وحصار من يقاوِم المحتل ويرفض التنازل.. ومفارقات في الأقوال والتصرفات والمواقف تصل الأحكام عليها إلى حدود السجن والتخوين والقتل. وتشدنا من حين لآخر محاولات لرأب الصدوع الفلسطينية ـ الفلسطينية، منها ما هو مخلص ومنها ما هو منحاز، وتشم من انحياز المنحاز في كثير من لأحيان رائحة المشاريع الغربية والصهيونية التي تستهدف إرادة الصمود لدى الشعب الفلسطيني وجوهر قضيته. ونقف اليوم على نزاع داخل بيت أكبر فصائل الثورة الفلسطينية " فتح"، فجَّره نشر محضر اجتماع شارون، عباس، دحلان.. بحضور أميركي، كما قيل ونشر، وأمام اتهامات تشق طريقها نحو أسرار اغتيال الرئيس عرفات رحمه الله..

في الواقع.. لسنا أمام جديد كلياً مما لم يشر إليه أحد من قبل، فأحداث غزة وما سبقها وتلاها م عدوان صهيوني همجي حفلت بالكثير ونشرت الكثير مما يندى له لجبين.. ولسنا في معرض جديد أيضاً من التنسيق الأمني الفلسطيني مع قوة الاحتلال الصهيوني، فتلك أمور معلنة وإن لم يصرح دائماً بكونه تنسيق ينصب أساساً على سحق المقاومة، " الإرهاب حسب نص خريطة الطريق"، وعلى ملاحقة القيادات الفلسطينية التي ترفض التنازل والتفريط والاستسلام.. فمهمة دايتون، " غلوب باشا فلسطين"، معروفة ومكشوفة، ومن يقومون بتنفيذ الخطة معه ويشاركون في تحديد الأهداف الفلسطينية وتقديم المعلومات للعدو الصهيوني لكي يقوم بتدميرها معروفون أيضاً، وقد كشفهم الشعب الفلسطيني والفصائل المقاوِمة في مرات ومرات حتى لم يبق عليهم ما يسترهم.. ولكن يبدو أنهم في درجة عليا من "الحماية والعصمة الستر" تجعلهم فوق الفضيحة والخوف كما هي " إسرائيل" فوق القانون والمحاسبة،  وهم يتابعون الأداء علناً بقوة وصلف متزايدين وربما منهم ومعم يستمد قوة الوقوف خارج القانون ومحاسبة الشعب من يطلقون على الخيانة" وجهة نظر"، ويريدون رفع تلك التهمة من التداول ليصفو لهم الجو تماماً..

وما نحن أمامه مؤخراً من "محاضر ووقائع" ليست الجديد الفريد في تاريخ الثورة والنضال الفلسطينيين، ولكن الجديد في ذلك الكشف عن محاولات التمرد على سلطة رئيس كان بعض المقربين منه يتآمرون على سلطته وربما عليه.. ورؤوسنا اليوم تنوس بين مسؤول في "منظمة التحرير وفتح" ومسؤول آخر في " المنظمة والسلطة وفتح أيضاً، ونتلفت يمنة ويسرة بسرعة مدوخة بين فتح الصقور والمقاوّمة والتاريخ النضالي الطويل، وفتح المفاوضات والتنازلات والبلاوي والتنسيق الإجرامي مع العدو الصهيوني ضد المقاومة والقيادات التي لا تتوافق كلياً مع ما يطلبه العدو ويعمل عليه بعض رجال السلطة وبعض المفاوضين.. كلام ضد كلام، واتهام ضد اتهام.. ورؤوس سياسية " تفقع".. فأي الوقائع والمعطيات والرسائل نصدق ونقبل، وأيها نكذب ونرفض؟ وإلى من نطمئن وممن نحذر، وأية وجوه تمثل فلسطين وقضيتها العادلة ومصداقية الدم داخل فتح التاريخ والثورة والنضال والتضحيات.. ولا نتكلم هنا عن الفصائل الأخرى التي ما زالت على عهد النضال حتى التحرير، ولم تدخل برزخ التفاوض؟ إنهم جميعاً من أبناء الشعب الفلسطيني، وكلهم ـ إلا من خان وتآمر وفرط بالحق ـ من المناضلين على طريق قضية عادلة، سواء أكان نضالهم بالسياسة أم بالسلاح؟ نعم.. نعم.. إنهم أبناء الثورة والشعب والقضية.. ولكن..

نعم.. ولكن.. هل يستوي الذين ينسقون مع الاحتلال ويساعدونه ضد أبناء شعبهم، والمقاومون الذين يقاتلونه ويدفعون ثمن مواقفهم دماً ومعاناة ويتركون أسرهم ومستقبل أبنائهم في العراء.. هل يستوي أصحاب أوسلو مع المكتوين بنارها. والمحاصرون في غزة مع المرفهين الذين يتجولون براحة بين رام الله وتل أبيب.. وهل يتساوى الأسرى والمعتقلون مع مناضلي الفنادق الراقية والغرف الدافئة؟ لا.. لا يمكن أن يتساوى من يقاوِم ويعتَقَل ويستشهد من أجل تحرير الأرض وحق العودة، من أجل القدس والأقصى وعروبة فلسطين.. مع من يقدم معلومات عن المناضلين للعدو الصهيوني، ويلاحق المقاومين ويسجنهم، ويكتب وثائق تنفيذ " خريطة الطريق" وفق رؤية شارون وأمثاله، بدم رفاقه والأبرياء من أبناء شعبه. لا يمكن أن يتساوى من يعيش في الجبال والكهوف مشرداً عن بيته وأسرته ويذوق المر من أجل قضية شعبه مع من يتآمر مع العدو على الشعب والقضية والحق، وعلى النضال المجيد والمناضلين الشرفاء، ويشجع على تصفية قيادات المقاومة وتصفية عزيمة الشعب في غزة بالحصار والقتل، وتصفية كل من يقف بوجه التآمر والتنازل، ويفرط بحق العودة والقدس، ويمارس التطبيع مع العدو الصهيوني ويروج ذلك.. لا يتساوى الأنموذجان أبداً أياً كان تاريخ الأشخاص ومواقعهم والحماية التي يتمتعون بها والقوى التي تقف وراءهم.. إن المتواطئين مع العدو أخطر على القضية والمقاوم من العدو ذاته لأنهم يعملون في الداخل بين الجلد والعظم، ولا يسلم منهم أي وطني نظيف مهما كان موقعه.. فحتى المرحوم الرئيس ياسر عرفات لم يسلم منهم، وكان في قائمة المطلوب الخروج على إرادتهم ونهجهم وسلطتهم، وتصفيتهم سياسياً على الأقل، بأيدي بعض رفاق دربه ممن يطمعون بمركزه ويعترضون على بعض مواقفه وسلطته وسياساته، كما بين ذلك المحضر الذي نشره فاروق القدومي في مؤتمر صحفي ـ إذا صح المحضر ـ  وتضمن وقائع اجتماع شارون بكل من عباس ودحلان بحضور الأميركيين كما نشر إذا صح.. حيث جاء فيه مما نسب لمحمد دحلان قوله:" دحلان: عوامل النجاح أصبحت بأيدينا، وعرفات أصبح يفقد سيطرته على الأمور شيئا فشينا..".

وبصرف النظر عن توفر البراهين الضرورية على مصداقية محضر الاجتماع المشار إليه، فإن القرائن والحوادث ومسلسل التصفيات وسياق السياسات، منذ ما قبل اغتيال الرئيس عرفات وحتى الآن، تشير بدقة كبيرة إلى تلك مصداقية بعض ما جاء فيه، من خلال الوقائع والمصائر التي انتهىت إليها قيادات في المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها، لا سيما في حماس والجهاد وصقور فتح.. ومن خلال سلسلة حوادث ومواقف.. وهي وقائع وصيغ تآمر لم يسلم منها حتى القائد الأعلى والرئيس ياسر عرفات الذي كان "مطلوباً".. فمما جاء في ذلك المحضر منسوباً لشارون: [[ شارون: أنا أوافق على هذا المخطط. وحتى ينجح بسرعة ولا يأخد زمنا طويلا، يجب قتل أهم القيادات السياسية إلي جانب القيادات العسكرية، مثل الرنتيسي وعبد الله الشامي والزهار وأبو شنب وهنية والمجدلاوي ومحمد الهندي ونافذ عزام... يجب أن تكون الخطوة الأولى هي قتل عرفات مسموماً.]] فأين معظم هذه القيادات الآن، ومن الذي ساهم في تقديم معلومات عنها ساهمت في تصفيتها.؟ هذا إضافة إلى أن الخطط والبرامج السياسية التي نفذت بخطوات مدروسة ومنسقة تنسيقاً كلياً بين العدو وبعض العناصر "القيادية" في السلطة، والإعداد الاستعداد، بإشراف وتمويل أميركيين، وهي كلها تشير إلى ما لا يمكن تكذيبه من وقائع ومعطيات فيها من التآمر ـ إن صح ـ ما يفجع الوطنيين الفلسطينيين، وأسر الشهداء، والقوميين العرب، والمخلصين من أبناء الأمتين العربية والإسلامية لقضية فلسطين.. فقد نسب إلى أبي ماز في المحضر، إن صح ما نسب إليه، قوله: [[أبو مازن: الخطة أن نمرر كل شيء من خلال عرفات، وهذا أنجح لنا ولكم. وفي مرحلة الاصطدام مع التنظيمات الفلسطينية، وتصفية قادتها، وكوادرها، فإن هذه الأمور سيتحمل تبعاتها عرفات نفسه. ولن يقول للناس إن هذا فعل أبو مازن، بل فعل رئيس السلطة. فأنا أعرف عرفات جيدا. لن يقبل أن يكون على الهامش، بل يجب أن يكون هو القائد، وإن فقد كل الخيارات، ولم يكن أمامه إلا الحرب الأهلية، فإنه أيضا يحبذ أن يكون القائد.]]

إن الوضع الذي تعاني منه الساحة الفلسطينية يشكل خطورة قصوى على القضية والفصائل والشعب والقضية، ويأتي ذلك في ذروة من ذرى التشنج والتطرف " الإسرائيلي" بقيادة اليمين الصهيوني العنصري، وفي ظل أوضاع عربية لا يبدو أنها قادرة على إطفاء النار التي كلما أطفئت في بؤرة اشتعلت في أخرى.

إن الوعي الفلسطيني المسؤول مطالب في هذه الظروف باليقظة والتدبير الحكيم والتحرك السريع لاحتواء الموقف وحل الخلافات من جهة، والتدقيق الشامل والكامل في هذه المعطيات والاتهامات والوقائع، وأخذها بالجدية التي تستحق، ومحاسبة من قام بها وشارك فيها.. إذا ثبت عليه ذنب أو جرم.. أياً كان موقعه.. على ألا يتم حل الأمر بطمس الموضوع وتبويس اللحى.. فتلك القضايا والتصرفات كلفت الشعب الفلسطيني والأمة العربية الكثير الكثير.. ولا يمكن الخروج من دوائرها القاتلة إلا بالحزم والإنصاف والعدل التام والمحاسبة العادلة وفق القوانين النافذة والأعراف المرعية في تاريخ الثورات ونضال الشعوب، ومن الهام بدرجة قصوى ألا يكون ذلك تصفية حسابات على حساب الحقيقة والعدل والشعب والقضية.

إن تكاتف القوى النظيفة المخلصة الخيرة في الشعب الفلسطيني، كفيل بوضع الأمور في نصابها وتذليل الكثير من الصعاب، إذا صدقت النوايا وأعلي الشأن العام على الخاص، ووضع العدو الصهيوني وحليفه الأميركي ومن يأتمرون بأمرهما، أياً كانوا وأينما كانوا، خارج دائرة التحكم بالأمور وإملاء المواقف وإفساد الرؤى والآراء، سواء أكان ذلك في هذه القضية أو في سواها من القضايا التي تقلق العرب المخلصين لنضال الشعب الفلسطيني وقضيته وشهدائه، وتثقل ضمائرهم وضمائر من يتابعون شؤونه وشجونه ومعاناته.. ومنها الخلاف بين حماس وفتح خاصة، وبين الفصائل الفلسطينية عامة، مما تتولى أمر حله القاهرة.

فهل لنا أن نتطلع إلى موقف فلسطيني حكيم صالح صادق حاسم، يضع حداً لأفعال ومواقف وتصرفات وخلافات تفتك بالشعب والقضية منذ زمن، وتضعف الموقف والحق، وتفتت الصف، وتغري العدو الصهيوني بالمزيد من القتل والتفريق والفتك..؟؟ هل لنا أن نتطلع إلى ذلك  من أجل أن يتهيأ المناخ السليم الذي يتم فيه الفعل المنقذ المسؤول على أي مستوى وصعيد، ويكون فيه الشخص والفعل والموقف والسلوك.. يكون كل ذلك محكوماً بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية والقومية العليا، وبالانتماء والإخلاص لمسيرة التضحية والصمود والنضال، وللأسرى والمعتقلين، ولأرواح الشهداء الذين قضوا بشرف على طريق فلسطين..؟ إن ذلك مطلوب بقوة وسرعة وحكمة.. وإننا نتطلع إليه بأمل، ولا يمكن أن نفقده في شعبنا الفلسطيني البطل ذي الوعي المتقدم، وفي قياداته الحكيمة.

والله من وراء القصد.

دمشق في 17/7/2009

  

 

 

انشر عبر