شريط الأخبار

الوحدة طريق المحافظة على المقدسات ..الدكتور يوسف سلامة

06:11 - 17 تموز / يوليو 2009

الحمد لله ، له أسلمت ، وبه آمنت ، وعليه توكلت ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد ،،،

 

إن الوحدة فريضة شرعية وضرورة وطينة، لذلك نجد أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة تأمر العرب والمسلمين بوجوب جمع الشمل، ورص الصفوف ، ووحدة الكلمة ،  فاتحاد الكلمة أمر جاء به الإسلام ورغب فيه ، وحث عليه ، والأمة الإسلامية أمة عظيمة خصها الله سبحانه وتعالي بميزتين هما : الخيرية : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} (1).

 

والوسطية:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}( 2).

 

كما خص الله الأمة العربية بخصائص عديدة حيث جعل المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها في أرضها ،كما أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ، ولغة أهل الجنة ،لذلك يجب على العرب والمسلمين بصفة عامة والفلسطينيين بصفة خاصة أن يجمعوا شملهم ويوحدوا كلمتهم، ومما يدل على أهمية الوحدة في حياة الأمة ما ذكره الشيخ / محمد الغزالي في كتابه خلق المسلم أن المصلين اختلفوا في صلاة التراويح هل هي ثماني ركعات أم عشرون ركعة ، فقال بعضهم بأنها ثماني ركعات ، وقال آخرون بأنها عشرون ركعة ،وتعصب كل فريق لرأيه ، وكادت أن تحدث فتنه، ثم اتفق الجميع على ان يستفتوا عالما في هذه القضية فسألوه عن رأيه في الأمر ، فنظر الشيخ بذكائه فعرف ما في نفوسهم ، وهو أن كل طرف يريد كلمة منه ، فقال الشيخ مستعينا بفقهه : الرأي أن يغلق المسجد بعد صلاة العشاء ( الفريضة ) فلا تصلى فيه تراويح البته     قالوا : ولماذا أيها الشيخ  ؟ ! ، قال : لأن صلاة التراويح نافلة ( سنة ) ووحدة المسلمين فريضة ، فلا بارك الله في سنة هدمت فريضة ، نعم ديننا ، كتاب ربنا ، سنة نبينا ، تحثنا على الوحدة خصوصا في هذه الأوقات العصيبة من حياة شعبنا المرابط ، وهذا ما نجده في قول الله تعالى :   {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ( 3).

 

والله سبحانه وتعالي يبغض إلينا أن نختلف، لأن الاختلاف أول الوهن،وباب الفشل والضياع، والفاشل الضائع لا وزن في هذه الدنيا، ولا مكانة له في الآخرة : {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } (4)، بل إنه ليحذرنا من أن نسير على نهج المتفرقين ، أو أن نقتدي بهم ، لأنه أعد لهم أسوأ العقاب عنده جزاء تفرقهم :   {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (5)،  ولو ألقينا نظرة سريعة على أحوال العرب قبل الإسلام، نجد أنهم كانوا متنازعين متناحرين مختلفين، كما كانوا موزعي الولاء بين الفرس والروم عن طريق الغساسنة والمناذرة ، حيث كان زعيمهم يأتي إلى سيده ليقول له : عبدك النعمان ماثل بين يديك ،كما  دبت روح الأنانية فيهم، وأصبحوا شيعاً وأحزاباً ،  هكذا كانت أمة العرب – قبل مجيء الإسلام – تعيش في ضلال مبين ، شرك في العقيدة ، وفوضى في الاجتماع ، وحياة تضطرب في ظلمات بعضها فوق بعض، كما في قوله  الله تعالى :   {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}(   6) ، لكن بعد أن أكرمهم الله بالإسلام أصبحوا بنعمة الله إخوانا، فقد قضى الإسلام على خلافاتهم وانتزع الغل من صدورهم وأصبحوا بفضل الله جسداً واحداً، الكل انصهر في هذه البوتقة، العربي مع العربي، والعربي مع العجمي، الأبيض والأسود والرومي والفارسي، جعلهم إخوة متحابين بعد أن كانوا أعداء متخاصمين، ، فهداهم وزكاهم – وكان خير من زكاهم – وجمع شتاتهم ، وجعلهم أئمة وخير أمة  .

 

لقد تخرج من مدرسة النبوة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، نشروا الإسلام عقيدة وشريعة ، وحملوا لواء الدعوة الإسلامية ، فدخل الناس في دين الله أفواجا ، واستطاعوا خلال فترة وجيزة أن يهزموا أعظم إمبراطوريتين ، فكانت القادسية وفيها القضاء على الأكاسرة ، وكانت اليرموك وفيها القضاء على القياصرة ، وعندئذ طأطأ لهم الجميع إجلالاً واحتراماً .

 

الحفريات وإقامة الوحدات الاستيطانية بالقدس

 

إن أعمال الحفريات التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة مرفوضة من قبل شعبنا الفلسطيني ، حيث  تسببت في تصدع الأبنية ، وزعزعة أركان المؤسسات في المدينة المقدسة ، وكان آخرها إصابة سبع عشرة طالبة من مدرسة القدس الأساسية التابعة لوكالة الغوث الدولية في منطقة باب المغاربة بالقرب من المسجد الأقصى المبارك،حيث تم نقلهن إلى المستشفيات لتلقي العلاج، بعد إصابتهن بإصابات مختلفة جراء انهيار صفهن بسبب الحفريات التي تُجريها سلطات الاحتلال الإسرائيلي وجمعيات يهودية متطرفة أسفل  المدرسة ومحيطها، حيث وجدت الطالبات أنفسهن فجأة في حفرة عميقة جراء هذه الحفريات ،ومن الجدير بالذكر  أن سلطات الاحتلال تقوم منذ سنوات عديدة  بحفريات مكثفة في بلدة سلوان وغيرها من الأماكن .

 

كما أننا نحذر من النتائج المترتبة على قيام الحكومة الإسرائيلية بالسماح لبلدية الاحتلال في مدينة القدس بإقامة ثلاثة آلاف وخمسمائة وحدة استيطانية جديدة في المدينة المقدسة، بهدف عزل هذه المدينة عن محيطها كجزء من مخطط التهويد الكامل  للمدينة المقدسة بعد أن باشرت  سلطات الاحتلال فعلاً بإحداث تغيير ديموغرافي في مدينة القدس  .

 

إن الإسرائيليين يستغلون ما يحدث في العالم العربي والإسلامي من أحداث مختلفة ، وحروب متعددة ، وكذلك ما يحدث في الساحة الفلسطينية حالياً، من أجل تنفيذ مخططاتهم التي رسموها منذ سنوات بإقامة جدار الفصل العنصري لفصل مدينة القدس عن محيطها الفلسطيني ، وكذلك العمل على تهويد مدينة القدس،والاستيلاء على العقارات المحيطة بالمسجد الاقصي المبارك ، وكذلك الاستمرار في الحفريات أسفل المسجد الأقصى المبارك، لتقويض بنيانه، وزعزعة أركانه حتى يتمكنوا من إقامة ما يسمى بهيكلهم المزعوم بدلاً منه .

 

 إن الأعمال التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي من حفريات وإقامة وحدات سكنية جديدة هي حلقة جديدة في مخطط تهويد المدينة المقدسة ، والذي بدأته قوات الاحتلال منذ سيطرتها على مدينة القدس بعد حرب حزيران عام 1967م ، وذلك بطرد أهلها المقدسيين ، وسحب هوياتهم ، ومنعهم من البناء ،  كما أنها تأتي بعد أيام قليلة من عقد ما يسمي بالكونجرس اليهودي العالمي مؤتمره العام الثالث عشر في مدينة القدس المحتلة بحضور المئات من أعضاء الجمعية العامة للكونجرس، ولذلك فإننا نحمل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية تلك الأعمال الخطيرة، محذرين من أن ذلك سيؤدي إلى عواقب وخيمة لا يستطيع أحد التنبؤ بنتائجها، و مؤكدين بأن المساس بالمسجد الأقصى المبارك هو مساس بعقيدة جميع المسلمين في العالم، ويتنافى مع الشرائع السماوية، وكل القوانين والمواثيق والأعراف الدولية.

 

 وبهذه المناسبة فإننا نناشد منظمة المؤتمر الإسلامي  ولجنة القدس ورابطة العالم الإسلامي وجامعة الدول العربية بضرورة التحرك السريع والجاد لإنقاذ المسجد الأقصى المبارك ، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية في مدينة القدس ، وسائر الأراضي الفلسطينية ، كما ندعو جماهير الشعب الفلسطيني إلى رص الصفوف وجمع الشمل وتوحيد الكلمة ، للدفاع عن المقدسات كافة، وعن المسجد الأقصى المبارك بصفة خاصة، وشدّ الرحال إليه دائماً، لإعماره وحمايته من المؤامرات الخطيرة، التي باتت تشكل خطراً حقيقياً عليه.

 

فالواجب علينا أن نكون إخوة متحابين ، وأن نتعاون على البر والتقوى كما قال العلماء : (نتعاون فيما اتفقنا عليه ، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه ).

 

اللهم أجمع شملنا، ووحد كلمتنا ، وألف بين قلوبنا، وأزل الغل من صدورنا بكرمك وفضلك يا أكرم الأكرمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

 

خطيب المسجد الاقصى المبارك

 وزير الاوقاف والشئون الدينية السايق

انشر عبر