شريط الأخبار

صانع السلام..معاريف

02:16 - 17 حزيران / يوليو 2009

بقلم: بن كاسبيت

في مراسيم افتتاح المكابيا جلسا معا، واحدا بجانب الاخر قرابة ثلاث ساعات. تمتعا بكل لحظة. بنيامين نتنياهو قال بأنه يقرأ الان سيرة نابليون وشمعون بيرس قال لبيبي بأن نابليون فضل دائما خوض الصراع ضد ائتلاف وليس مع ائتلاف وبهذا تمثلت عظمته ولذلك يتذكرونه حتى الان. هذا الاقتباس عن نابليون كما قال بيرس ليس ملائما فقط لشؤون الجيش وانما ايضا ينطبق على الحياة المدنية والسياسية. نتنياهو ضحك بدوره. ليست هناك نافذة ولو صغيرة من الفرص لا يستغلها بيرس حتى يواصل الجلوس على رأس نتنياهو مشجعا ومحفزا. التاريخ، يقول بيرس لنتنياهو، يشبه حصانا مندفعا. لديك فرصة قصيرة برمشة عين، جزيء من الثانية عندما يمر هذا الحصان بجانب بابك، فلتقفز عليه ولتندفع يا بيبي لانك لن تمتلك المزيد من الفرص. التاريخ لن يكون بانتظارك. هو يندفع للامام. لماذا الخوف؟ فقد انتصرت في الانتخابات وهل تعتقد حقا انهم سيسقطونك؟ ليست هناك حاجة للفرار. لا يطاردك احد. انت تريد ان تكون اسحاق شامير جديد؟ اسحاق شامير كان رئيسا للوزراء طوال سبع سنوات ولكن ما الذي يذكر من هذه السنوات؟ ما هي تركته؟ لا شيء. وهاك، بيير مندز – فرانس الذي كان رئيسا لحكومة فرنسا لبضعة أشهر بالكاد ومع ذلك لن ينساه الفرنسيون (مندز فرانس اخرج فرنسا من فيتنام ووصل الى اتفاق مع بو رقيبة حول حكم ذاتي في تونس ودفع منصبه ثمنا لذلك ليطير منه بعد سبعة اشهر).

نتنياهو لا يريد الطيران. هو في المنصب منذ ثلاث اشهر ونصف. نصف فترة مندز فرانس. بيرس يريد تعليمه الطيران. فهو يطير بنفسه منذ سنوات عاليا من فوق رؤوسنا ويرى امورا لا نراها نحن ويلمس اطراف السماء. حكاية الغرام هذه بين الاثنين حقيقية تماما ولكنها حكاية حب خارج الزواج. نتنياهو يقطن مع عائلة اخرى وينتمي لثقافة اخرى وآت من تيار مغاير تماما. هو يخشى من أن يطرد من البيت ان ضبطوه ويبقى من دون شيء. ووعود بيرس واحاديثه عن التاريخ والمستقبل وحول المجد والفخار والفرص التي لا تتكرر تبدو لذيذة ومغرية. نشوة في الاحاسيس والمشاعر. ولكن بيبي خائف مضطرب وحائر تماما مثل الزوج الذي يجد صعوبة في الاختيار بين محبوباته. رغم ان الامر عند نتنياهو اشبه بأبن ممزق بين والديه. والده البيولوجي ابن المائة عام الذي سمعنا تصوراته مؤخرا في القناة الثانية والاب غير البيولوجي البالغ من العمر 86 عاما الذي نسمع رؤيته للاوضاع طوال الوقت.

        هذه ليست المرة الاولى. في عام 1996 انتصر نتنياهو على بيرس في انتخابات رئاسة الوزراء. بيرس بدا منتهيا. براك ازاحه عن قيادة حزب العمل فانغلق القائد العجوز (لقد كان عجوزا منذئذ) على نفسه وغرق في مرارة سوداء. بعد ربع ساعة نفض نفسه وبدلا من النزول الى شواطىء الجليد اللامتناهية، قرر بيرس ان يبقى بيرس. يلقونه من الباب؟ فيعود من الشباك. في فترة حكم نتنياهو الاولى كان بيرس يأتي الى مقر رئيس الوزراء في الليالي ويعقد مع نتنياهو في لقاءات سرية. منذ ذلك الحين بدأ يخاطب قلب نتنياهو. توجه بيبي الى واي بلانتيشن كان انتصارا شخصيا لبيرس. ولكن نتنياهو عاد من هناك وفجر الاتفاق وتوجه للانتخابات فخسر لصالح باراك الذي ابعد بيرس مرة اخرى (وزيرا للتعاون الاقليمي) للمرة التي لا يعرف احد عددها. ولكن بيرس كحال بيرس لم يتنازل مرة اخرى وعاد من النافذة.

مرت سنوات وعاد كل الاصدقاء. بيبي رئيس للوزراء وباراك وزير للدفاع وبيرس رئيس للدولة. هو قائد هذه الثلاثية. حقا ان الحياة مثيرة للضحك. بيرس في حالة انسجام تام مع باراك. كلاهما يعملان معا بكل قوة لاعداد خطة سياسية. مهمتهم هي جلب بيبي الى هناك. كراهية شديدة سادت طوال سنوات بين باراك وبيرس الا انها تبددت منذ زمن. كما ان العداء بين بيبي وبيرس لم يعد قائما. باراك وبيبي القائد والمقود سابقا اللذان يجران من ورائهما بقعة دم فاسد كبيرة الى كل مكان يذهبان اليه، يتجولان الان في علاقة ود ومحبة. والسؤال الذي يطرحه هو: ما الذي سيتمخض عنه كل ذلك؟ هل وكالعادة ستمر هذه الحالة المثالية من العالم وكأنها لم تكن؟ هل سينتهي الامر كالعادة بالبكاء؟ ام ان الامر قد يتحقق هذه المرة؟ الامر المؤكد هو ان شمعون بيرس ابن السادسة والثمانين في آب، لن يتنازل. خلافا لـ 96 وخلافا لـ 99، الان وادع مطمئن. هو لن يخسر الانتخابات وانتخاباته الحزبية القادمة ستكون في عالم اخر (بالتأكيد ضد رابين).

العرب سيقومون بالمهمة

في هذا الاسبوع سيحتفل بمرور عامين على وجوده في بيت الرئيس، وهو لم يكن ابدا اكثر قبولا ورغبة ومحبة من الان. بيرس الذي تلقى كميات تجارية من الاحتقار والكراهية طوال فترات ملموسة من حياته، يعيش الان داخل عناق كبير. كل ما يعنيه هو صنع السلام. ليس ذلك السلام مع الشرق الاوسط الجديد والاحلام والجلابيات المذهبة التي ثرثر حولها في عهد باراك. سلام الان مع نموذج مقلص فطن بخيل ولكن واقعي. السلام اذا تغير قليلا. ما لم يتغير هو صانع السلام. ولكن شمعون بيرس في هذه المرة لا يهتم بالرصيد ولا بالتشريفات. هذه الامور يمكن ان تذهب للاخرين بالنسبة له. هو يفرق بين قيادة سيارة وقيادة قارب. السائق في السيارة يجلس في الامام اما في القارب فهو يجلس في الخلف بجانب المحرك. هو الان يعتبر نفسه في القارب. وفي المقدمة بيبي وباراك وليبرمان وكل من يريد الاصطفاف هناك. هو وراء دفة القيادة وهو يرغب ان يحدث ذلك بكل بساطة.

الخطة تقضي بالتوجه نحو اتفاق انتقالي مع الفلسطينيين. تسوية دائمة تنهي الصراع على صيغة انابوليس، ليست واردة الان حسب اعتقاد بيرس. الفلسطينيون في ازمة قيادية عميقة وحتى فاروق القدومي عائد. غزة بيدي حماس وكل شيء معلق في الهواء. في مثل هذا الوضع ليست هناك امكانية للتوجه الى اتفاقيات كبيرة. يتوجب الاكتفاء بالامور الصغيرة واسرائيل ليست بحاجة لاجراء المفاوضات مع الفلسطينيين. يجب اعطاء هذه المفاوضات للعرب. لتقم الجامعة العربية والدول المعتدلة الكبرى – مصر والاردن والمغرب وتونس والجزائر والسعودية داعمة – بالمهمة. هم سيجلبوا الفلسطينيين الى هذه الحكاية وليس نحن.

اتفاق بيرس وباراك الذي يتلاءم بصورة مدهشة مع برنامج شاؤول موفاز من كاديما يتحدث عن دولة فلسطينية بحدود مؤقتة من الان. الكتل الاستيطانية الكبرى تبقى بيد اسرائيل. القدس واللاجئون ليس الان. بعد ذلك. بيرس اقترح هذا الاقتراح على باراك قبل توجهه الى كامب ديفيد وهذا مقبولا على رامون ايضا. هما قالا لباراك دعك من انهاء الصراع او من التسوية الدائمة ولتركز على اتفاق انتقالي من 10 - 10– 80 (دولة فلسطينية على 80 في المائة من الارض كتل بمساحة 10 في المائة تبقى في اسرائيل واستئجار الغور لـ 20 عاما). ولكن باراك هرول رغم ذلك كعادته وكسر رأسه ورأسنا معه. هو على الاقل تعلم شيئا ما. الان هو جاهز للسير مع هذه الخطة. اقامة دولة فلسطينية مؤقتة الان وبعد ذلك سنرى ما سيكون.

بيرس هو محرك كل هذه الحكاية. كان في مصر اقنع مبارك. كان في الاردن واقنع عبدالله. كان عند اوباما وحصل على مباركته. بين رئيسين اوباما وبيرس هناك ايضا علاقة هاتفية. بيرس يعرف بالتطورات بصورة دائمة. هو لم يقنع السعوديين بعد اما الفلسطينيين فهو يعكف على اقناعهم بكل قوة. هو لا يرتاح للحظة يأتي ويذهب يتصل ويُطلع ويَطلع. وفقا لخطة اسرائيل ستكون الطرف المبادر. هي ستدعو العالم العربي الى مؤتمر كبير مع الامريكيين والروس والاوروبيين والامم المتحدة وكل العالم بسفرائه. الدولة الفلسطينية المؤقتة كما نعلم قائمة في خريطة الطريق ايضا والجميع اتفقوا حولها حتى افيغدور ليبرمان اليس كذلك؟ اذن ما هي المشكلة؟ يسأل بيرس. نتنياهو كما يقال بحق بيرس يعرف كل شيء وهو يبارك التحرك. هذا لا يعني انه لن يقفز من القارب قبل الوصول الى مطب المياه الاكبر بلحظات. ولكنه موجود هناك في الوقت الحاضر. الصحبة والاخوة بين الاثنين استثنائية.

عندما استعد للسفر الى كازخستان واذربيجان، سمع بيرس نتنياهو وهو يعبر عن القلق من التهديدات والانذارات المتتالية. ربما لا يتوجب عليك ان تسافر، سأله بيبي في قلق واضح. بيرس سافر رغم ذلك فهو لا يقلق في مثل هذا العمر. اغلبية الذين تعرضوا له خلال سنوات عمره قد رحلوا عن هذا العالم. ولكن قلق نتنياهوعليه مس شغاف قلبه. بيرس يحترم نتنياهو وهو يؤمن بقدراته خلافا للاخرين. ولا يحاول الفرض على نتنياهو ولا يتآمر عليه بل يساعده كما يقول.

مع كل الاحترام لبني بيغن

الان لنعود الى السياسة. بيرس يستهين بهذه السياسة. نتنياهو يتصبب عرقا داخلها. بيرس يقول مع كل الاحترام لبني بيغن الا ان العلاقات مع امريكا اهم بكثير. على الاقل بالنسبة لبيرس. الرئيس احب خطاب نتنياهو في بار ايلان اكثر من نتنياهو نفسه. بيبي نجح في الوقت الحاضر في قول عبارة الدولتين لشعبين عدة مرات منذئذ ومع ذلك بقي حيا. بعد ان كرر عبارة "حل الدولتين كاجماع وطني" في مستهل جلسة الحكومة، قال أحد كبار مسؤولي الليكود ان بيبي قد بدأ يستمتع بذلك. الامر الذي يبرهن على ان بيرس محق. هناك حاجة للصبر ولكن من المحظور الخوف او التردد، يقول بيرس. لديك أغلبية هو يقول لبيبي ولكن بيبي ليس واثق من ذلك. دان مريدور ايضا يساعد هنا ولكن نتنياهو مصاب بالخوف. ان لم تبادر، يقولون له فان الاخرين يبادرون بدلا عنك. وان لم تطرح خطتك وتدعو الجميع الى مؤتمر دولي ستجد نفسك مدعو لذلك المؤتمر. ولكن سيكون اوباما بانتظارك هناك مع خطة العودة لخطوط حزيران 67. اذا لماذا تفعل هذا بنفسك؟

بيرس يقول ان كل من يحمل مطرقة في يده يعتبر ان كل مشكلة مسمارا. ولكن هذا ليس صحيحا فهناك مشاكل يتوجب الالتفاف عليها بكل بساطة او استخدام صياغات وعبارات لحلها. مثل قضية تجميد المستوطنات. بيرس يحاول ايجاد صيغة ولكن نتنياهو في الوقت الحاضر خائف. بيبي هو المسمار في هذه الحالة والامريكيون يمتلكون بيدهم مطرقة كبيرة. بيرس من ناحيته يرى فقط ما يروق له. هو لا يرى بنحاس فيلرشتاين الذي عين مستشارا لرئيس الوزراء لشؤون الاستيطان. اما الامريكيون تحديدا فيرونه. والامريكيون ايضا قرأوا المقابلة الصحفية المصابة بهوس الذات التي اجراها عوزي اراد رجل بيبي القوي في صحيفة "هارتس" في الاسبوع الماضي. وبينما يسير نتنياهو مع بيرس نحو الغروب، يحرص اتباعه كل بدوره على احراج واشنطن. الدولة الفلسطينية هي فكرة "صبيانية" قال رون ديرمير. والان هي "فكرة هوليودية" وفقا لعوزي اراد. بيرس يرى المشاهد ويسمع الاصوات ولكنه يفضل التركيز على الجوهر. والجوهر هو السير للامام.

وبمناسبة ذكر كاديما: هناك ايضا تطبخ امور تسير نحو النضوج. الخطة التي طرحها موفاز مؤخرا تتلاءم مع خطة بيرس – باراك وهذا ليس صدفة. ان حدث ذلك فان حزب كاديما لن يتمكن من تجاهل الامر. هناك اغلبية واضحة دراماتيكية داخل كاديما مع هذه الخطة. هذه الاغلبية تتبلور من وراء ظهر تسيبي لفني قائدة كاديما التي تؤمن بخطة مغايرة تماما. انابوليس لفني تقوم على مبدأ معاكس: البدء من النهاية والعودة للوراء. اتفاق بيرس وباراك المؤقت يبدأ الان ويسير للامام. داليا ايتسيك مثلا ستؤيد التسوية الانتقالية وكذلك تساحي هنغبي (الذي يتحدث ايهود باراك معه بالاساس) اما شاؤول موفاز فبالتأكيد مع ذلك.

في هذا السياق ان استطاع نتنياهو استجماع قوته، سيكون من الصعب على لفني ابقاء كاديما خارج الحكومة. في المقابل قد ينشق الليكود. مرة اخرى. فرقعة شديدة للوراء قد تحدث هنا. الجزء المركزي لليكود مع كاديما او الجزء اليميني – وسطي منه. وفي الجانب الاخر سيسير اليمين في الليكود باتجاه ليبرمان. هذا الحديث بعيد عنا في الوقت الحالي مسافة كبيرة على الاقل مثل بعد التسوية في قضية تجميد المستوطنات (نتنياهو رفض فكرة التجميد المؤقت المتدحرج: ثلاثة اشهر تتجدد في كل مرة تلقائيا).

وبمناسبة ذكر ليبرمان: هناك انطباع بأنه هو ايضا قد سلم بقدوم لائحة الاتهام. الى ان ذلك يستغرق وقتا. ليبرمان لا ينوي التسبب بازمة حكومية او اخراج حزبه من الحكومة. من الناحية الاخرى وخلافا لما يعتقده بيرس وباراك، ليبرمان ليس هناك معهم بالضبط، قبل عدة اسابيع زار لندن والتقى قادة الجالية اليهودية وقال لهم ان الحل الوحيد للمشكلة الفلسطينية هو حل قبرص. وما هو حل قبرص؟ اليونان من جهة والاتراك من جهة اخرى. ليس من الممكن العيش معا. هذا يعني ان الفلسطينيين سيذهبون الى جهة واليهود الى جهة اخرى. لا تعايش. وهذا يعني خطة تبادل الاراضي التي طرحها ليبرمان بما فيهم عرب اسرائيل. ليبرمان يؤمن بذلك فعلا داخل الغرفة.

انشر عبر