شريط الأخبار

موقف مصري لا يصدق .. فهمي هويدي

11:32 - 16 كانون أول / يوليو 2009


موقف مصري لا يصدق ..

فهمي هويدي

 إذا لم يكن المسئولون المصريون قد سمعوا بأصداء الأخبار التى تنشر بين الحين والآخر عن منع وصول المساعدات إلى المحاصرين فى غزة، فتلك كارثة لا ريب.

 

أما إذا كانوا قد تلقوا تلك الأصداء، ومع ذلك استمروا فى المنع، فإن الكارثة فى هذه الحالة تصبح أكبر وأعظم. ذلك أن أحدا فى العالم العربى والإسلامى لا يريد أن يصدق أن يكون هذا هو موقف الإدارة المصرية. إذ لاتزال الدهشة تعترى كثيرين حين يعرفون أن مصر تشترك فى حصار غزة، وتتضاعف تلك الدهشة حين يعلمون أن ثمة معبرا يصل مصر بالقطاع، لكنه مغلق بأيد مصرية، وأن صحفنا تنشر أخبارا عن إلقاء القبض على أناس يجمعون أموالا لمساعدة أهل غزة، ويمنعون آخرين يحاولون توصيل المعونات الإغاثية إليهم.

 

منذ وقعت الواقعة وتم الحصار، فإننى ما ذهبت إلى بلد عربى إلا وانهالت علىّ الأسئلة التى تستفسر عن مدى صحة تلك الأخبار المنشورة، وعن حقيقة الدوافع التى تجعل مصر الرسمية تتصرف على ذلك النحو. وأمثال تلك الأسئلة تصبح ملحة وتقترن بدرجات متفاوتة من الاستنكار والاستهجان، حين يكون السائلون من الأجيال التى تعرف قدر مصر الحقيقى وتحسن الظن بسياساتها التى خبروها فى السابق.

 

لأننى أشاركهم فى شعورهم بالحيرة والدهشة، فإننى لم أخف تضامنى معهم فى استنكار الموقف، وكنت أقول إننى لا أجد تفسيرا له سوى أنه يكمن فى الحسابات الأمنية، إلى جانب حرص مصر على أن تتجنب الضغوط الدولية، الأمريكية والإسرائيلية خصوصا، وكنت أذكّر فى كل مرة بأن الأسئلة المثارة حول الموضوع، ينبغى أن توجه إلى المسئولين فى الحكو مة أو المتحدثين باسمها. لم أكن مقتنعا بهذا الكلام، لكننى قلته التزاما بحدود المباح. واهتداء بشعار عدم الكذب وتجنب قول الحقيقة. فى الوقت ذاته فإن أحدا لم يقتنع بهذا التفسير، حتى سمعت من البعض انتقادات قاسية للموقف المصرى، لا أستطيع أن أذكرها لأنها تزج بنا فى دائرة غير المباح. وقد صدرت تلك الانتقادات عمن أعرفهم أكثر الناس حبا لمصر وغيرة عليها وثقة فى قدراتها واعتزازا بتاريخها.

 

أسوق هذا الكلام بمناسبة الصعوبات والعراقيل التى وضعتها السلطات المصرية أمام القافلة التى قادها جورج جالاوى، الناشط البريطانى وعضو مجلس العموم، التى انطلقت من نيويورك قاصدة غزة. وضمت 190 ناشطا أمريكيا بينهم 4 من حاخامات اليهود، وهؤلاء اصطحبوا معهم مائة حافلة وشاحنة محملة بالمساعدات الطبية. ولم تسمح السلطات المصرية للقافلة التى حملت اسم «شريان الحياة» بعبور قناة السويس فى طريقها إلى غزة مرورا بالعريش ومعبر رفح. وقيل فى هذا الصدد إن القافلة لم تستكمل الأوراق القانونية اللازمة. فى الوقت الذى انتقد فيه النائب جالاوى السلطات المصرية التى منعتهم من إحضار مواد غذائية معهم أو مواد بناء، وسمحت فقط بالمساعدات الطبية.

 

هذا بدوره موقف غير مفهوم ويصعب تبريره. لأننى أفهم أن تصدر مثل هذه الذرائع عن السلطات المالطية أو القبرصية أو اليونانية، ولكنها تستغرب حين تصدر عن القاهرة وتنشر فى الصحف المصرية، وتتناقلها وكالات الأنباء لكى تعمم الفضيحة على الكرة الأرضية. ذلك أن المواطن العادى، عربيا كان أو مسلما، لن يصدق أن «أم الدنيا» بجلالة قدرها، تعطل وصول قافلة الناشطين القادمين من الولايات المتحدة إلى غزة، بسبب عدم استكمال أوراقها القانونية، رغم دخولهم إلى مصر بصورة قانونية.

 

هو مخجل أن يتولى النائب البريطانى قيادة حملة إغاثة المحاصرين فى غزة، فيأتى على رأس قافلة أولى قادمة من بريطانيا، وهذه هى الثانية القادمة من الولايات المتحدة. وفى القاهرة أعلن عن قافلة ثالثة ستأتى من فنزويلا بأمريكا اللاتينية. أما المخزى حقا فهو تلك العراقيل التى توضع أمام أمثال تلك الحملات والمحاولات من جانب السلطات المصرية.

 

لا أعرف إن كان ذلك قرارا أمنيا أم سياسيا، لكن الذى أعرفه أن صداه فى العالم العربى والإسلامى يشين مصر ولا يشرفها، فضلا عن أنه يكشف عن مدى القصور فى الرؤيتين الأمنية والسياسية. وهو ما يجعلنا نستشعر حسرة بالغة تنضاف إلى الخجل والخزى.

 

انشر عبر