شريط الأخبار

عن الوقاحة والتبجح.. معاريف

02:35 - 13 تشرين أول / يوليو 2009

بقلم: بن كاسبيت

دان حالوتس صوب أمس بين عيني ايهود باراك. "استغلال مخز للثكل"، قال رئيس الاركان السابق عن تصريحات وزير الدفاع القائم الاسبوع الماضي، "امر لا يجب ان يجري فعله ولم يسبق ان جرى ابدا. بطولة جنود الجيش الاسرائيلي تقف بحد ذاتها منذ الازل... هذه حسابات دنيئة".

قفز حالوتس عائدا الى المياه العاصفة التي انتشلت منها جثته قبل ثلاث سنوات. الفتى الذهبي لسلاح الجو، من اعتبر مرشحا للقيادة من عائلة شارون واعضاء مزرعة شكميم، وجد نفسه بعد ذلك ملطخ بالزفت. وبدلا من أن يتنافس الان على قيادة الدولة، يصارع دان حالوتس من اجل اسمه وصورته. ضربة غير مقصودة فككت له الجناح وحطمت طائرته في البحر. والان ها هو يعود. وقريبا الكتاب.

ما الذي قاله باراك الاسبوع الماضي؟ امور رهيبة وفظيعة قالها. "بطولة المقاتلين في حرب لبنان"، قال وزير الدفاع، "غطت على اخطاء القيادات فوقهم". حالوتس، في هذا السياق، محق تماما. جاء ايهود باراك، الذي كان في اثناء الحرب "مواطن قلق"، واستخدم العائلات الثكلى، الجرحى، الضحايا، وقايسهم بـ "القيادات فوقهم". هؤلاء، يقول لهم وزير الدفاع، هم الاشخاص الذين بعثوا بهم الى الموت دون ذنب اقترفوه ودون أي مبرر. حتى لو كان هذا صحيحا، فان هذا لا يقال، وبالتأكيد ليس في احتفال رسمي للذكرى. فضلا عن ذلك، فان هذا غير صحيح. وليس فقط غير صحيح، حقيقة ان ايهود باراك يقول هذا هو أكثر بكثير من ذروة الوقاحة.

حرب لبنان الثانية لم تتميز ببطولة المقاتلين. الكتب التي كتبت عنها، التحقيقات الخارجية والداخلية – اثبتت خلاف ذلك. كانت هناك حالات من البطولة الموضعية. بالتأكيد كانت. الوكيل روعي كلاين، نائب قائد كتيبة 51 في جولاني الذي قتل حين قفز على قنبلة يدوية، هو النموذج الاكثر مثالية. وكذا تومر بوهدنة. ولكن بالاجمال، اظهر جنود الجيش الاسرائيلي مستوى اشكاليا. قتال صدء ولا سيما في مستوى الدبابات ومستوى الضباط، محاولات احتلال لم تنجح، ولا سيما ارتعاد الفرائص الذي بثه المجتمع الاسرائيلي على مقاتليه في كل مرة تعقدت فيها المعركة او اصبحت أصعب بعض الشيء.

كانت هناك اخفاقات في حرب لبنان الثانية. من اجل هذا جاء أمس موشيه كابلانسكي واحصاها بشجاعة واستقامة، وبقصد كبير. تلك كانت اخفاقات تكتيكية. كان غرور حالوتس، والتذبذبات، وعدم تجنيد الاحتياط، والخطط المشوشة، وفوق كل شيء المستوى المتردي للجيش الاسرائيلي وسياسة استخدام القوة التي أكل الدهر عليها وشرب. ولكن بالذات قرارات القيادات العليا، بمن فيهم القيادات السياسية، واسناد رئيس الاركان للسير نحو الرد والضرب بكل القوة وعدم "احتواء" حدث 12 تموز 2006 – هذه هي الانجازات الاستراتيجية الكبرى لحرب لبنان الثانية.

مع الحقائق من الصعب الدخول في جدال، والحقائق تشير الى تغيير استراتيجي جوهري في الردع الاسرائيلي في الشمال، الى انخفاض كبير في مكانة حزب الله في لبنان والى وضعه غير البسيط على الارض، الى السيادة التي عادت الى الجدار، الى جانب آلاف جنود الامم المتحدة والجيش اللبناني، الى حسن نصر الله الذي لم ينتعش بعد ولم يخرج بعد من حجره، والى السنوات الثلاث الاكثر هدوءا التي كانت في الشمال منذ 1968.

حرب لبنان الثانية، و "رصاص مصهور" بعدها، جاءا لاصلاح الضرر الهائل الذي الحقه ايهود باراك وامثاله بالردع الاسرائيلي. فرار الجيش الاسرائيلي من لبنان، فيما كان حزب الله يلاحق القوات، هو الذي ادى الى مصيبة الانتفاضة الثانية وجلب مقاتلي حزب الله الى الجدار، الذي اختطف منه ثلاث جثث لمقاتلين في العام 2000 واثنتان اخريان في العام 2006.

هذا لا يعني انه ما كان ينبغي الخروج من لبنان. واضح انه كانت هناك حاجة لذلك. ولكن الخروج باتفاق مع السوريين، الامر الذي كان سيغير وضعنا الاستراتيجي منذ ذلك الحين، في العام 2000، من الاقصى الى الاقصى.

وربما ايضا الوضع الاستراتيجي للمنطقة. ولكن باراك، الشجاع دون شك، ذعر من عدة استطلاعات وتأرنب في اللحظة الاخيرة، وفي النهاية فر من لبنان في ظلمة الليل كي لا يتمكن حزب الله من ملاحقة الجيش الاسرائيلي الكبير الذي يفر عائدا الى الديار.

وبعد ان فررنا، في العام 2000، بعد ان صرح باراك بأنهم اذا واصلوا ملاحقتنا فان "الارض ستهتز"، اختار الفرار مرة اخرى وعدم الرد على الاختطاف اياه. اسرائيل فقدت السيادة على الشمال. الجيش الاسرائيلي انثنى، حنى الرأس، ترك لمصيرها طرقات الجدار وطرقاته لحزب الله. كان واضحا بان الاختطاف التالي في الطريق.

نصر الله كان عزيز العالم العربي. بيوت العنكبوت التي اعلن عنها بدت واقعية. من كل هذا انقذنا اولمرت، عمير بيرتس ودان حالوتس في 12 تموز. ينبغي قول هذا بصوت عال. اهمال الجيش الاسرائيلي، كما انكشف في تلك المناسبة، مسجل على أسم أناس كايهود باراك، شاؤول موفاز و موشيه يوغي يعلون، مع مساعدة كبيرة من اريئيل شارون وبنيامين نتنياهو (كوزير للمالية). لم يكن هذا ذنب المسؤولين في 2006، ولهذا كان محقا دان حالوتس أمس، محقا تماما، رغم ان نواقصه اكتسبها باستقامة. لو كان أقل تبجحا بقليل في 12 تموز، ما كان ليأمر بتنفيذ الخطط كما هي، لجند الاحتياط، لاستخدم مقر القيادة، لشخص اننا في حرب ولاجل بعض الشيء بيع حقيبة اسهمه (الامر الذي ثبت انه مغلوط هو ايضا)، لكان الامر بدا على نحو افضل. من جهة اخرى، لو بدا هذا على نحو افضل، لما كنا نفهم حجم الحفرة التي كنا غارقين فيها في تموز 2006، الحفرة التي حفرها، اكثر من اي شخص اخر، ايهود باراك.

انشر عبر