شريط الأخبار

إسبانيا الكاثوليكية ويهودية إسرائيل ..رضوان السيد

12:50 - 11 تموز / يوليو 2009

ـ الشرق الأوسط 10/7/2009

كنت أستمع إلى تقرير مهيب في تلفزيون الـ«BBC» عن الطرد النهائي للمسلمين من إسبانيا عام 1609م، أي منذ أربعمائة سنة تماما، في الوقت الذي خرج فيه بنيامين نتنياهو من جلسة لمجلس الوزراء الإسرائيلي ليبشر العرب والعالم، أخيرا، بقبوله حل الدولتين، لكن بثلاثة شروط: اعتراف الفلسطينيين والعرب الآخرين بيهودية الكيان الصهيوني، وإلغاء حق اللاجئين في العودة، وأن تكون الدولة الفلسطينية العتيدة منزوعة السلاح! وهذه الشروط الثلاثة على قسوتها، بل واستحالتها، ما كانت هي الوحيدة، إذ يضاف إليها مما لم يذكره نتنياهو أو تناساه: الإصرار على المستوطنات والسور العازل، والإصرار على أن تبقى القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، والإصرار على أن تبقى حدود الدولة تحت السيطرة الإسرائيلية، والاستئثار بالموارد المائية.. الخ. والطريف والمأساوي بعد هذا كله «تعليل نتنياهو لهذا (التنازل) الإسرائيلي الكبير بأن اليهود يتقبلون (الآخر) المختلف، في حين لا يتقبله الفلسطينيون والمتشددون المسلمون»!

كانت غرناطة ـ آخر الممالك الإسلامية بإسبانيا ـ قد سقطت عام 1492م كما هو معروف، وعلى مدى القرن اللاحق (القرن السادس عشر) أرغم مئات الألوف من المسلمين واليهود على التنصر أو الهجرة. وبقي حوالي المليون من المسلمين، وحوالي الخمسين ألفا من اليهود، تحت السيطرة الإسبانية، يخدمون أولئك الأسياد ويدفعون الجزية، وقد بلغ الضغط أحيانا حدودا قصوى دفعت للتمرد مرتين على الاستكانة تحت وطأة التهديد بالإبادة. لكن في العام 1609م، ومن دون سبب ظاهر، اتخذت الكنيسة الإسبانية قرارا، دعمها في اتخاذه البابا، ونفذته الملكية بإسبانيا والبرتغال، وقضى من أجل تطهير البلاد من دنس المسلمين واليهود، وصيرورة المملكة كاثوليكية بحتة، بتهجير المسلمين جميعا، وبقايا اليهود، باتجاه المغرب وباتجاه أقطار السلطنة العثمانية، وهكذا كان! وطبعا، وكما يحصل للمهاجرين الأفارقة اليوم من الصومال ومن السودان ومن تشاد ومن أوغندا باتجاه إسبانيا وإيطاليا والأقطار الأوروبية الأخرى، غرق نصف هؤلاء البؤساء في البحر، وذاب النصف الآخر عبر قرنين في الأقطار الإسلامية الدانية والقاصية. وبذلك انتهى الإسلام الأندلسي، وانتهت التجربة الأندلسية إلى غير رجعة: قتل مليون إنسان، وتنصر مليون آخر، وتهجير مليون ثالث!

وما شفع للمسلمين هؤلاء أنهم ظلوا بالأندلس وجوارها زهاء الثمانمائة عام، وأن أصول أكثرهم بعد القرن الثاني عشر الميلادي كانت قد صارت إسبانية، وأن أكثرهم نسي لغته العربية، وأكثر تقاليد دينه، وأنهم قبلوا إيثارا لوطنهم وولاء له أن يتحولوا إلى شبه عبيد فيه.

وقد استمعت في تقرير تلفزيون الـ«BBC» إلى مؤرخ بريطاني يأخذ على المسلمين (وعلى العرب على وجه الخصوص!) أنهم ينوحون على الأطلال، ويتحسرون على الأندلس التي ضاعت بدلا من النسيان، وتجديد التجربة الحضارية في بلدانهم القديمة والجديدة. بيد أن المشكلة في هذا الاستنتاج أن صاحب هذا الرأي يعتبر تلك المأساة من التاريخ السحيق الذي لا يفيد استحضاره في شيء، بينما الواقع التاريخي والحاضر أن هذه التجربة تكررت على العرب والمسلمين أكثر من مرة ومع أوروبا بالذات. فالذي حصل في إسبانيا والبرتغال حصل مثيل له من قبل في صقلية، كما حدث مثيل له من بعد في شرق أوروبا والبلقان مع انحسار السيطرة العثمانية، إذ قتل وطرد حوالي الستة ملايين إنسان. وها هم اليهود الذين شاركوا المسلمين بعض مصيرهم، لا يتعلمون من تلك الدروس، ويفعلون مع الفلسطينيين كما سبق للأوروبيين، قبل النازيين ومع النازيين، أن فعلوه معهم، هم بالذات!

ولندع هذا جانبا للحظات، ولننظر في التجربة الأندلسية من جوانب مختلفة. فالحق أن التجربة يمكن تأملها من وجهة نظر تلك الحضارة التعددية التي أنشأتها شعوب مختلفة العناصر والأديان، فتعايشت أطرافها، وأنجزت أمورا كبرى في شتى المجالات الثقافية والعلمية والإنسانية. ويمكن تأملها أيضا من الجانب السياسي وصيغة نظام الحكم. وقد صار في النهاية ولثلاثة قرون عبارة عن مدن/دول، تشبه المدن الإغريقية، دون أن تتطور إلى إمبراطورية أو إمبراطوريات، كما حصل لدى اليونان والرومان. فكانت كل مدينة تنشأ فيها «مشيخة» ـ كما يقول ابن خلدون ـ تسير أمورها، ويتزعمها أمير أو ملك هو أول بين متساوين. ويمكن تأملها أيضا وأيضا ـ وفي ضوء مقولات الحاضر عن الإسلام ـ من وجهة نظر تقبل الآخر. فقد كان العرب والبربر الذين فتحوا إسبانيا مسلمين متدينين، لكنهم ما أرغموا ـ وهم الفاتحون الأقوياء ـ أحدا على مغادرة دياره أو دينه. وبذلك، وفي العمق، وبالنظر في النهايات، ما كان هناك غالب ومغلوب من الناحية السلطوية أو الدينية. وما طمع الفاتحون في إلغاء الآخر أو إبادته أو تجاهله. وما كانت العلاقات بين الفئات زاهرة دائما، وظهر متعصبون في أوساط الطرفين، لكن الغلبة في النهاية جاءت لصالح التعددية السياسية والاجتماعية، والاعتراف المتبادل.

على أن هذه الإيجابيات كلها ما استطاعت ـ لجهة المصائر ـ إنقاذ التجربة أو الدفع باتجاه بقائها، أو بعبارة أخرى: «إن التجربة بمنظار النهايات ما ملكت من المناعة الذاتية ما مكن من الاستمرار فيها». فكيف نحكم عليها اليوم، وفي الذكرى الأربعمائة لانتهائها؟ هل نحكم عليها بمنظور ما أنجزت، أم بمنظور ما آلت إليه؟ ففي العقدين الأخيرين من السنين ظهرت مقولة «صراع الحضارات»، كما ظهرت مقولتا «حوار الحضارات» و«تحالف الحضارات»، وكلتا المقولتين من صناعة استراتيجية غربية، بل الطريف أن مقولة «تحالف الحضارات» بالذات اشترك في إطلاقها رئيس الوزراء الإسباني ثاباتيرو ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. وإذا كانت مقولة «حوار الحضارات» أساسها الاعتراف المتبادل بالاختلاف، فإن مقولة «تحالف الحضارات» أساسها التلاقي على المشتركات القيمية والأخلاقية والإنسانية.

لكن على الرغم من ذلك كله فإن سائر الأطراف، وبخاصة الطرف الغربي، ما أفاد كثيرا من التجارب المأساوية السابقة. فبعد الحروب الدينية الفظيعة، ثم العلمانية، وفصل الدين عن الدولة، حصلت المحرقة النازية ضد اليهود. وليس هذا وحسب، بل إن الغربيين جميعا عمدوا لمساعدة الصهاينة على إقامة كيان عنصري/ديني على أرض فلسطين، وطرد سكان البلاد الأصليين. وها هم لا يكتفون بذلك، بل يسكتون على دعوة الصهاينة «أو يؤيدونها» في مجال الاعتراف بيهودية الدولة، وفي مجالات مجاملة إسرائيل الصهيونية على حساب الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين من سكان البلاد، وفي النهاية: مجاملة الصهاينة على حساب بشر ضاعت منهم أرضهم، وضاع مستقبلهم.

انتهت التجربة الأندلسية إذن بكارثة إنسانية كبيرة، ولا تزال التجربة الاستعمارية الأوروبية بوقائعها وآثارها تنشر الاضطراب والمذابح والمجاعات بآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ومع ذلك، وبعد نهاية الاستعمار خاض الصهاينة ومعهم الأوروبيون والأميركيون التجربة نفسها مع الفلسطينيين ومع العرب مسيحيين ومسلمين. وعندما حان وقت المراجعة والتصحيح بعد أكثر من ستين عاما على المأساة، ها هم الصهاينة يصرون على النقاء العرقي والديني في الكيان الاستيطاني، فيوافقهم على ذلك الأميركيون والأوروبيون رجاء أن يقبلوا بالتصدق على المعتدى عليهم بـ20% من أرض آبائهم وأجدادهم!

وفي العام 2009، في ذكرى مرور أربعمائة عام على طرد المسلمين من إسبانيا، لا يزال المسلمون الأحياء يطالبون البابا الكاثوليكي بالاعتذار منهم كما اعتذر من اليهود. فأما الأسبان المثقفون واليساريون فيظهرون ندما وأسى على ما كان، في حين تستمر البابوية في التأمل بعدوانية، ولا تريد أن تبقى الأماكن المقدسة المسيحية تحت السيادة العربية عند مناقشة مسائل الحل النهائي! ثم يقال لنا قبل ذلك وبعده إننا متشددون دينيا ولا نقبل الاعتراف بالآخر؟! لقد تعرض المسلمون في الأندلس للإبادة في القرن السادس عشر، وهو قرن الحروب الدينية والإبادات العنصرية. لكن الفلسطينيين والصوماليين والسودانيين.. يتعرضون للمصير نفسه في مطالع القرن الحادي والعشرين، وبمشاركة من الغرب أو تجاهل، فهل نعي هذا المصير، أم نظل منشغلين بإنشائيات حوار الحضارات وتحالفها؟!


انشر عبر