شريط الأخبار

حديث في تحديث الذاكرة ... علي عقلة عرسان

08:35 - 10 تشرين أول / يوليو 2009

 حديث في تحديث الذاكرة

 علي عقلة عرسان

تحديث الذاكرة وتجديد بعض مخزونها، والتدقيق في تفاصيل مهملة في زوايا كهوف معتِمة هنا وهناك.. بالمشاهدة والقراء والاستبطان والتأمل، هام للنفس والعقل أهمية تجديد الهواء في غرفة مغلقة لمن يسكنها، ذلك أن العِثِّ يخرب الكثير من المخزون المهمل ويفقده صلاحه للاستعمال، فكيف ببهائه وفعاليته.؟! يتاح لي أن أقوم بشيء من ذلك من آن لآخر بالقراءة أو الترحال، فأشعر بنشاط وإقبال على الحياة والعمل، وبتفتّح مسامات الروح تفتّح مسامات الجلد بعد حمام ساخن، وفي حالات قليلة، عندما يتعلق الأمر بحوادث ومعطيات تتصل بالشأن العام، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وبانعكاساته وتفاعلاته المستمرة أو شبه المستمرة في المجتمع والنفس والعالم المحيط.. يغزوني إحباط من نوع خاص يرْكمُ عتمة على عتمة.

وقد أتيح لي شيء من "التحديث" النادر لذاكرتي خلال الأسابيع الماضية في موسكو وباريس، فشعرت أن أياماً وحوادث ومواقع ومعلومات وذكريات، تعود لسنوات وسنوات خلت، تنهض من مراقدها في داخلي وتتنفس بعمق وتنصب في فضاء نفسي خيمة زاهية، وتشدني إليها بحبال قوية، فتحْكُم خطوي وقامتي، وتبعث في دهاليز النفس ضوءاً وحيوية ونشاطاً، وتلقي أسئلة قديمة بصيغ جديدة، ولكنها لا تكاد تحظى بأجوبة شافية في العمق.. أما في السطح.. فكثيراً ما يحرك الهواء وجه الماء الراكد ولكن تلك الحركة لا تجعل الماء يطيب إذ لا بد من الجريان.. ففي الحركة تجدد وشيء من تنقية ضروريتين للحياة.

في متحف "اللوفر" بباريس وقفت أمام بعض أثار حضارتنا المنهوبة، فرعونية وأكادية وكنعانية وآرامية وسريانية وإسلامية من عصور مختلفة.. واستذكرت ما سبق أن رأيته منها في متاحف برلين وروما وبيتر بورغ ولندن..إلخ، فتجدد في داخلي السؤال: متى ينتهي تأثير عصر الاستعمار الغربي ومفعوله في السياسة والثقافة، ومتى نستعيد ممتلكاتنا الحضارية واستقلالنا الفعلي التام؟ أعرف أن شيئاً من استعادة الآثار قد تم ويتم من خلال اتفاقيات عبر اليونيسكو، ولكن الكثير مما هو مغتصب أو منهوب من تلك الآثار له من الأهمية ما يجعلنا نشعر بأن بعض معالم شخصيتنا وهويتنا منهوبة أو منقوصة، مع استمرار الاغتصاب والنهب والغياب. واستذكرت عند عتبة الفخامة والتنظيم والمحافظة على الآثار وعلى مناخ التفاعل الثقافي الواسع، أقوال بعض شُطَّارنا ممن سكن الغرب فيهم وسكنوا فيه.. حيث يقولون: " دعوها هناك أفضل لها.. هي محمية ومشاهَدة ومرعية أكثر مما لو كانت عدنا؟!" فعجبت مما ينالنا من أنفسنا ومن الآخرين، وازداد ركام الحزن في نفسي، وغزتني أسئلة من نوع آخر: لماذا يقيم بلد عربي فرعاً "للوفر" فيه، في حين لا يزيد عدد سكانه على المليون نسمة، نسبة أهل البلاد الأصليين بينهم من العرب أصحاب البلاد لا تتجاوز 15% من مجموع البشر الوافدين؟ هل تصبح المدينة التي يُقام فيها فرع لمتحف "اللوفر" مثلاً مضاهية لباريس أو فرعاً منها؟ أم أننا نستعيد تراثنا المنهوب بهذه الطريقة وهو لا يعود عملياً؟ أم أننا نروج لحضارة الغرب بطريقة " مبتكرة"، حيث ننفق ما لا حدود له من أموال في مشاريع كبيرة ونبحث عن رواد لها فلا نكاد نجدهم!؟. وإذا كان ما يشغل القائمين على تلك المشاريع هو الطموح لخدمة الثقافة والحضارة الإنسانيتين، وهو طموح مشروع ومحمود بالفعل ويشكرون عليه.. فلماذا لا يقيمون مشاريع حضارية وثقافية ضخمة من هذا النوع لخدمة الثقافة العربية ـ الإسلامي العظيمة، وللتعريف بما لدى أمتينا، العربية والإسلامية،  من كنوز وما يهمهما من قضايا.. في مدن وعواصم غربية أو عالمية نحتاج إلى تصحيح صورتنا فيها وتقديم وجهنا الحضاري إليها، أو في عواصم عربية وإسلامية تكتظ بالناس الذين لا يكادون يعرفون عن تاريخهم الحضاري شيئاً.. وفي ذلك كله خدمة للتراث والحضارة والناس من كل الألوان والأجناس؟!.. وهم إذا أنفقوا في هذا المجل ينفقون في سبيل المعرفة والثقافة والحضارة وحماية الآثار، ومن أجل نشر الوعي بها بين من ينبغي أن يزداد وعيهم بما لديهم من كنوز ومعطيات حضارية، وبما لهم من دور تاريخي وتأثير في الحضارة الإنسانية ينبغي أن تستعاد فعاليته فيهم؟

 في موقع آخر من متحف "اللوفر" كنت مررت فيه عام 1966 هاجمتني الأسئلة وأنا في القاعة المخصصة للوحات فنية عملاقة تسجل انتصارات فرنسا في معارك خاضتها جيوشها وانتصر فيها قادتها.. ويبدأ ترتيب تلك اللوحات بلوحة لمعركة "بواتييه"، بلاط الشهداء كما نسميها نحن العرب والمسلمين، وقد وقعت في 10 تشرين الأول/ أكتوبر عام 732م، وهي المعركة التاريخية الفاصلة التي لو انتصر فيها عبد الرحمن الغافقي على تشارلز مارتل لتغير وجه التاريخ في أوربا.        

وتضم تلك القاعة لوحات كثيرة، مثيرة فناً وموضوعاً، رسمها كبار الرسامين الفرنسيين ومنهم دافيد وديلاكروا، وبينها عدد من اللوحات التي سجلت انتصارات نابليون بونابرت في معارك خاضها. لم أجد بين تلك للوحات لوحة واحدة تسجل هزيمة لفرنسا، لم أجد مثلاً لوحة تسجل هزيمة نابليون أمام أسوار عكا، ولا أخرى تسجل هزيمته في روسيا القيصرية.. إنها لوحات فنية أخاذة، تشحن من يتأملها بشحنات جمالية وبمشاعر متضاربة وفق الانتماء الموقف والموقع الجغرافي والتاريخي والحضاري.. ولكنها لدى الفرنسيين، فيما أقدر، تاريخ وخيلاء وعزم متجدد وفن يبعث الفخر وينمي قيم الجمال.. إنها انتصارات فرنسا في الحرب كما في الفن.

وكان أشد أسئلتي إيلاماً لي في ذلك الموقع: أين فننا الذي يسجل بعض وقائع تاريخنا؟ ولماذا يتهيب كثير من الفنانين والأدباء عندنا من تسجيل مشاعر أبناء أمتهم ومفاخرها، مما يحفز أبناءها عبر التاريخ على الأداء من جهة ويبعث فيهم الفخر من جهة أخرى؟ لماذا لا يسجلون ذلك في أعمال إبداعية ولوحات فنية عملاقة في كل شيء.. فناً وموضوعاً؟ هل لأنهم عاجزون عن إبداع ذلك؟ لا .. لا أقول ذلك ولا أومن به.. وربما كان عزوف بعضهم عن ذلك يعود لما هو شائع عندنا من ربط للعمل بشخص القائد أو الزعيم أو.. وهو أمر على الرغم من وجاهته وتأثيره في الحالات المناسبة، إلا أنه لا يلقى الإقبال بسبب المناخ العام الذي يخلقه فريق منا حول أعمال وأشخاص في مجالات عدة لأسباب لا لاقة لها بالفن والوطن، وهو مناخ مريض ومسمم سياسياً واجتماعياً وأيديولوجياً،. وذلك لا يسوغ عندي عدم الإقبال الكافي على الإنجاز الفذ في تلك المجالات القومية والوطنية التي تحيي الذاكرة وتشحذ الوجدان والهمم وتساهم في بناء القيم الوطنية والقومية والفنية والجمالية لدى المواطن والإنسان.

كانت أسئلتي تملأ فضاء نفسي وتشيع فيها شيئاً من الأسى.. وقد استعدت، جالساً على مقعد في تلك القاعة، الظروف التي دمر فيها أشخاص انتهازيون غير مؤهلين وغير مسؤولين، مناخاً فنياً وأدبياً وثقافياً عاماً في مراحل وأقطار عربية، وأيقنت بأن معوق الأمة الأساس يكمن في انعدام المعايير السليمة في مجالات علمية وثقافية وفنية وسياسية واجتماعية ومهنية عديدة، وفي سلبية أو غياب من يحميها ويرفع الصوت بالرأي الحق دفاعاً عنها، ويكمن السبب أيضاً في غياب وعي جمعي، وطني وقومي، ينمو بسلامة في مناخ صحي، ويعلي شأن الصحيح والسليم من الإنتاج والقول والسلوك والعمل فوق الاعتبارات والانتماءات الضيقة، ويساهم في التذوق السليم، والنقد الموضوعي، والحكم العادل، والحماية والتنمية المستمرتين للإبداع.. وهو ما نفتقده بدرجة مؤسفة ومحزنة، وما يبدو أنه لن ينشأ على نحو فعال في بلداننا ومجتمعاتنا ما دام التعصب الطائفي أو الحزبي أو القطري قائماً، وما دام التورم الأيديولوجي فتاكاً حتى بأصحابه، وما دام الجهل الغارق في الادعاء الفارغ من كل قيمة ومضمون، والمهيمن مع ذلك في مجال عدة للإنتاج بقوة "نواطير الحواكير الأيديولوجية"، هو الذي يهيمن ويسيطر ويحكم، ويعطي الصورة السطحية الغبية التي تعجب مسؤولين لا يقرؤون ولا يملكون حساً فنياً وأدبياً وثقافياً سليماً، ويعتمدون في أحكامهم وقراراتهم على انتهازيين يعيشون على الدسائس، ويصدرون الأحكام بلا معرفة أو ضمير، ويسهل عليهم الترويج المعلَّب لهذا أو ذاك من الأشخاص والأفكار والأعمال حسب التنظيم والمصالح والارتباطات لمريضة.. ولأنهم لا يعرفون ولا يملكون القدرات والمؤهلات، ويدعون المعرفة، وليس لديهم أدوات التقويم التي تمكنهم من إصدار أحكام سليمة، ويسهل عليهم تقديم التقارير والنصائح الموجهة على حساب الوقائع والحقائق والمصالح المشروعة للمواطنين والمصلحة العامة للوطن.

في موقع آخر أو وقفة أخرى.. في موسكو، المدينة العظيمة، ذات الكثافة السكانية العالية، والشوارع الواسعة التي تزخر بالسيارات من كل نوع، والحافلات من كل الأحجام، والغابات الممتدة على مساحة آلاف الأمتار المربعة في كل حي من أحيائها..  يجد الإنسان في الصيف على الخصوص متنفساً أينما ذهب، الخضرة والماء وصفاء الطبيعة الذي يبعث على صفاء النفس.. ويشعر الشخص بإنسانيته فيها الآن، بعد أزمنة من الكآبة والطغيان.. الرصيف على الأقل هو للمارة من البشر وليس لوقوف السيارات الخاصة والعامة.. والخدمات التي يقدمها "مترو" موسكو وحده لا يمكن تصور بديل حيوي له يمكن سكان مدينة بملايين الأنفس من الحركة ذهاباً وإياباً، والوصول إلى أعمالهم وبيوتهم وما يقصدونه من أماكن.. في مواعيد محددة، بيسر ملحوظ. وتجد فيها حيوية بالغة الظهور تجسدها الحركة الدائبة، وتقرؤها في وجوه الناس وسلوكهم وملبسهم ومأكلهم، وفي تلك لمدينة بعض المواقع لا تكاد تنام.

في شوارعها وحدائقها ومقاهيها أو مطاعمها، استعدت صورتين من الذاكرة انتعشتا وفرضتا نفسيهما علي بقوة..

ـ صورة للمدينة ذاتها في سبعينات القرن العشرين وثمانيناته، بدت لي فيها كئيبة نسبياً، تنام في السابعة مساء، لا يوجد فيها سيارات متميزة سوى سيارات المسؤولين، ولا عمارات شاهقة، ولا إعلانات ولا أضواء تجعلها مزدهية وباهرة كعروس.. إنها مدينة العمل فيها أساس وقيمة، وذا شيء حسن.. ولكنها تبدو مخنوقة اجتماعياً.. ودخل سكانها في ذلك الوقت لا يمكِّن إلا قلة منهم من العيش المرفه واللباس المتميز والحضور البهي، ولا تكاد عظمتها تظهر إلا في المناسبات الوطنية والاستعراضات العسكرية، والوقوف في طوابير تحت المطر والثلج في الساحة الحمراء لزيارة الزعماء التاريخيين.

ـ صورة مدينة عربية، هي مدينتي أو سوها.. تفتقر للحدائق العامة التي يمكن أن يجد فيها الإنسان متعة الجلوس مع نفسه في حضن الطبيعة.. شوارعها ضيقة مكتظة، السير فيها عشوائي حتى لتعجب كيف تصل بسيارتك أو في السيارة التي تكتريها سالماً إلى بيتك أو مقر عملك.. لا يوجد "مترو" بالمعنى الشامل أو الشافي.. والحافلات زحام فوق زحام وأنام فوق أنام.. لا يوجد فيها رصيف للمارة بل لوقوف السيارات، تسهر ليل نهار وتعيش حالة انبهار، وفيها الكثير من الظهور الحيوي للناس والسيارات واللافتات من كل الأنواع والأجناس.. يشعر الإنسان فيها بأنه مراقب.. أو..

وبعد تلك الاستعادة من الذاكرة غزتني الأسئلة كالعادة: لماذا لا تكون لنا حدائق عامة يلعب فيها لأطفال ويتجول فيها كبار السن بأمان؟ لماذا لا نوفر خدمات تشعر إنساننا بإنسانيته وتطمئن فيها عينه إلى منظر جميل.. خضرة وماء، زهر وعشب .. ولماذا يشعر الإنسان منا بالضيق إذا خرج إلى فسحة الشارع أو فضاء المدينة، فتراه يعود إلى بيته أو يقرر ألا يخرج منه إلا للعمل أو للضرورات؟!

لم أجد أجوبة على أسئلة كثيرة طرحتها على نفسي، ذكرت بعضها ولم أذكر أخرى.. حاولت أن أتلمس الأسباب والأجوبة، قلت كما يقولون بالمسؤوليات الوطنية القومية الكبيرة، والتحديات الأخرى الداخلية  والخارجية.. وأرجعت بعض الأمور للفساد وأسبابه، وإلى قلة جدوى تفكير العباد بالمسؤوليات الجسام الملقاة على عاتق المسؤولين والحكام.. قلت.. وقلت.. وتداخلت الأسئلة والأجوبة، وعدت لأتذكر شيئاً مهماً وهو أن هناك تحديات ملقاة على عاتق المسؤولين والناس في كل البلدان، وهناك فساد من كل الألوان في كل البلدان أيضاً، وهناك.. وهناك.. وهناك.. ولكن لا يوجد على الأقل فساد منظم، ولا إلغاء لسلالم القيم والمعايير النظيفة المتصلة بالشأن العام وجهد الأشخاص والمبدعين، ولا يوجد أناس لا يفكرون براحة الإنسان الآخر، وبأنهم وإياه شركاء في العيش عمراً واحداً فقط لا تتكرر أيامه ولا ثوانيه، ومن المفيد للجميع أن يكون ممتعاً.. ولا يوجد مواطن يشعر بأن الوطن انتزِع منه وأنه على هامش الهامش لأن انتهازياً قفز هنا وهناك، وفاسداً يريد أن يستحوذ على هذا وذاك من الأموال والمواقع والأملاك.. ولا يوجد من يفكر بأمة يستمر تاريخها ما استمرت في الوجود، ويخلدها أبناؤها بأفعالهم وإنجازاتهم وإنتاجهم وإبداعهم ما خلدت فيهم قيم وأهداف كبيرة ومعايير سليمة.

قلت وقلت، تألمت ولم أفقد الأمل.. وبقي في داخلي شيء آثرت السكوت عليه، وأخذت أبحث في نفسي عن مظلة تقيني الحر والقر الداخليين اللذين يرافقانني أينما كنت وأينما ارتحلت.. لأن.. ولأن .. ولأن..

موسكو في 10/7/2009

                                                               

انشر عبر