شريط الأخبار

"أولياء الفقيه" العرب ..عبد الباري عطوان

08:46 - 07 تموز / يوليو 2009

من يتابع تصريحات المسؤولين الأمريكيين، والتحركات الاسرائيلية العسكرية المكثفة هذه الأيام يخرج بانطباع مفاده ان خطة عسكرية تتبلور بشكل متسارع لشن حرب ضد ايران، ومن غير المستبعد ان تكون 'ساعة الصفر' قد تحددت في هذا الاطار.

واللافت ان التصعيد الامريكي الاسرائيلي المفاجئ، الذي جاء بعد صمت استمر حوالى الشهرين، يتزامن مع انحسار 'الانتفاضة المخملية' التي تفجرت فور اعلان فوز السيد محمود أحمدي نجاد لفترة رئاسية ثانية في الانتخابات الاخيرة، وهزيمة خصومه 'الاصلاحيين' برئاسة السيد مير حسين موسوي.

من الواضح أن الادارة الامريكية كانت تراهن على هذه 'الانتفاضة' للقيام بعملية تقويض للنظام الايراني من الداخل، مما يوفر عليها أعباء الغزو الخارجي باهظ التكاليف ماديا وبشريا واستراتيجيا، وهذا ما يفسر ممارستها ضغوطا مكثفة على حكومة اليمين الاسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو بالتحلي بضبط النفس، وعدم الاقدام على اي مغامرة عسكرية ضد ايران.

والآن، وبعد أن هدأت الأوضاع، وانحسرت موجة المظاهرات الاحتجاجية الى تجمعات صغيرة أمام مقر مجلس صيانة الدستور، باتت احتــمالات اللجوء الى الخــيار العسكري أقوى من اي وقت مضى.

ويبدو أن السيد علي خامنئي، المرشد الاعلى للثورة الايرانية، يدرك طبيعة التحركات الغربية هذه، ولذلك أصدر تحذيرا قويا يوم أمس قال فيه 'ان على قادة دول الاستكبار الذين يحشرون أنوفهم في شؤون الجمهورية الاسلامية ان يعرفوا انه مهما كانت الخلافات في صفوف الشعب الايراني، عندما تتدخلون أنتم الأعداء فيها، فإن الشعب الايراني يشكل قبضة قوية في وجهكم وسيرد'.

' ' '

هناك عدة مؤشرات بدأت تطل برأسها من وسط ركام 'الانتفاضة المخملية' تؤكد، منفصلة أو مجتمعة، بأن احتمالات شن حرب لتغيير النظام في طهران، على غرار ما حدث في العراق، باتت قوية:

' أولا: تصريحات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي التي أدلى بها أمس في مؤتمر صحافي مع غوردون براون رئيس وزراء بريطانيا وقال فيها 'ان الشعب الايراني يستحق زعامة أفضل'، وهي العبارة نفسها التي ترددت على لسان الرئيس الامريكي السابق جورج بوش، ومسؤولين غربيين آخرين، قبيل غزو العراق واحتلاله. ومن المعروف ان الرئيس الفرنسي من أكثر المحرضين على ضرب ايران في الاتحاد الاوروبي.

' ثانيا: إعطاء جوزيف بايدن نائب الرئيس الامريكي ضوءا أخضر الى القيادة الاسرائيلية بشكل صريح، وبطريقة غير مسبوقة، عندما أكد على حق اسرائيل في أن تفعل ما تراه مناسبا للتعامل مع ايران باعتبارها دولة ذات سيادة.

' ثالثا: التقرير الاخباري الذي نشرته صحيفة الـ'صنداي تايمز' البريطانية واسعة الانتشار والمقربة من دوائر الحكم الامريكية والبريطانية، وقالت فيه ان المملكة العربية السعودية أعطت موافقتها الضمنية للحكومة الاسرائيلية على ان تحلق طائراتها الاسرائيلية فوق أراضيها اذا ما نفذت طلعات جوية لضرب ايران ومعداتها النووية. نفي هذا الخبر جاء، وعلى غير العادة، من قبل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي اولاً، ثم من متحدث باسم الحكومة السعودية. النفي السعودي متوقع، ولكن النفي الاسرائيلي جاء غريباً في سرعته، فليس من عادة رئيس وزراء اسرائيل نفي انباء متعلقة بدولة أخرى.

' رابعا: جون بولتون السفير الامريكي السابق في الأمم المتحدة، والمعروف بكراهيته للعرب والمسلمين، ومواقفه المحرضة على ضرب العراق سابقاً، وايران حالياً، اكد بعد زيارة قام بها لعدد من دول الخليج، في مقال كتبه في صحيفة 'نيويورك تايمز'، ان معظم قادة دول المنطقة الذين التقاهم اثناء هذه الزيارة يؤيدون ضرب ايران، ويقولون في الكواليس 'بأن القضاء على التهديد النووي الايراني سيكون موضع ارتياح لهم'. واضاف 'انه أمر منطقي تماماً للاسرائيليين ان يستخدموا الاجواء السعودية'.

' خامسا: قيام غواصة اسرائيلية نووية من نوع 'دولفين' بالمرور عبر قناة السويس مدعومة بمجموعة من السفن الحربية، وتوجهها الى ميناء ايلات ثم عودتها ثانية الى قاعدتها في ميناء حيفا على البحر المتوسط في اختبار بحري. الغريب في الأمر هو سماح السلطات المصرية لها بالقيام بهذه السابقة،الأمر الذي يعني مباركتها لها، ومشاركتها، بصورة مباشرة او غير مباشرة، في الاستعدادات للحرب المقبلة.

" سادسا: انخراط مجموعة من القاذفات الاسرائيلية من طراز 'اف. 16' في مناورات عسكرية في البحر المتوسط، تجاوزت السواحل الايرانية، ومشاركة اسراب اخرى في مناورات مشتركة في الولايات المتحدة من بين جوانبها التزود بالوقود في الجو.

إننا امام مفترق صعب، والأيام الحالية وما تشهده من تسريبات اعلامية، ومبالغات في القدرات النووية الايرانية، وتضخيم لملفات حقوق الانسان وانتهاكاتها في طهران، كلها تذكرنا بالفترة التي سبقت غزو العراق، والتحضيرات النفسية، والتعبئة الشعبية لتبريره وبالتالي دعمه.

يبدو ان 'الولي الفقيه' العربي السني قرر ان يقف مع الحلفاء الامريكيين في هذه الحرب ضد ايران، مثلما ساندهم في حربهم السابقة ضد العراق، ونتنياهو لم يكن يتحدث من فراغ، عندما اكد في خطابه الذي ألقاه رداً على خطاب اوباما، ان هناك قلقاً اسرائيلياً عربياً مشتركاً من تنامي القدرات النووية الايرانية، وحث 'اصدقاءه' العرب على التعاون معه لتدمير هذه القدرات التي جعلها على قمة اولويات حكومته.

انها ليست 'زلة لسان' عندما نقول بـ'الولي الفقيه' العربي السني. فجميع حكامنا العرب 'اولياء فقيه'، فهناك اكثر من اربعة زعماء عرب يحكمون بلادهم منذ ثلاثين عاماً او اكثر، وهي عمر الثورة الايرانية، والفارق بينهم وبين الولي الفقيه الايراني، غير الحكم بالشريعة، ان الأخير بنى دولة عظمى، وطور قدرات عسكرية هائلة، وكرس قرار بلاده المستقل، وبنى دولة مؤسسات، واحتكم الى صناديق الاقتراع.

فماذا قدم 'اولياء الفقيه' العرب لشعوبهم؟ الاجابة تترك لهذه الشعوب.

انشر عبر