شريط الأخبار

دراسة : بين لبنان وغزة – حزب الله في عملية "الرصاص المصهور*

03:01 - 02 حزيران / يوليو 2009

بين لبنان وغزة – حزب الله في عملية "الرصاص المصهور*

بقلم: رونين منليس**

** ضابط استخبارات.

        زعم كثير بعد نهاية حرب لبنان الثانية أن دولة اسرائيل في تنجح في تعزيز ردعها لمنظمة حزب الله. ان الفحص عن رد المنظمة في عملية "الرصاص المصهور" ومقارنته بردها في عملية "السور الواقي" يشهدان بان عمل اسرائيل في حرب لبنان الثانية افضى الى تعزيز الردع تعزيزا ملحوظا.

        بعد نهاية حرب لبنان الثانية سمعت اراء مختلفة عن مبلغ نجاح دولة اسرائيل في اعادة ردعها لمنظمة حزب الله. زعم كثير من الناقدين ان حقيقة ان للمنظمة كانت قدرة على اطلاق النار حتى لحظة نهاية الحرب برهان على عدم نجاح الجيش الاسرائيلي في هذه الحرب. وزعم آخرون ان محاولة العمل في مواجهة نيات العدو بهجوم واسع وقوي ومفاجىء على مواقع حكمه العسكري والمدني ("التأثير غير المباشر") غير ناجعة وانه يجب علينا ان نحصر نشاطاتنا في مواجهة قدراته ("التأثير المباشر").

        عمل الجيش الاسرائيلي في حرب لبنان الثانية بوسائل شتى مواجها مراكز ثقل مختارة لمنظمة حزب الله. فمن جهة عمل الجيش الاسرائيلي في مواجهة قدرات منظمة حزب الله وفي مركزها القدرة على اطلاق الصواريخ المائلة المسار. تم التعبير عن المس بقدرات الاطلاق بهجوم استباقي على نظام صواريخه، و "صيد" قواعد الاطلاق واجراءات المناورة البرية التي وجهت الى مواقع نفذ الاطلاق منها؛ ومن جهة اخرى هاجم الجيش الاسرائيلي مباني كثيرة في ربع الضاحية، الذي هو مركز القيادة المدنية والعسكرية لمنظمة حزب الله. كانت مهاجمة الضاحية مثالا على عملية ترمي الى التأثير في نيات العدو. وان تبين له الثمن الذي سيدفعه لبنان وسكانه في حالة حدوث حرب في المستقبل. حظي هذا الهجوم، مثل الهجوم على قرى وبلدات اخر عملت فيها المنظمة في محيط مدني باسم "تأثير الضاحية".

        يزعم منتقدو مبلغ تأثير العملية في مواجهة نيات العدو ان العدو ربما يسلك سلوكا غير عقلاني ويتخذ قرارا مختلفا تماما عما قصدوا اليه بمهاجمة بناه التحتية ومراكز حكمه واقتصاده. ويقول آخرون انه يجب على الجيش بحسب التصور الاساسي ان يوجه عمله قبل كل شيء الى قدرات العدو والى نياته بعد ذلك فقط. هذا التصور صحيح ويجب الطموح اليه في كل عملية عسكرية.

مع ذلك صورة رد منظمة حزب الله في حوادث متطرفة بعد حرب لبنان الثانية تبرهن على أنه كان تأثير كبير لعملية غير تناسبية في مواجهة نيات العدو، في تعزيز ردع اسرائيل وصورة عمل منظمة حزب الله. يدلنا تحليل قصير لعدد من الحوادث في السنتين ونصف السنة الاخيرة ان مواطني لبنان ورؤساء المنظمة الارهابية استوعبوا بوضوح اصداء الانفجارات من ربع الضاحية.

        لن تتناول هذه المقالة الحادثة الرئيسة للفترة الماضية منذ نهاية حرب لبنان الثانية. لا شك أن هذه الحادثة هي اغتيال عماد مغنية، نائب امين سر المنظمة للشؤون العسكرية، والتي تنسبها المنظمة لاسرائيل. يستطيع من اراد الفحص عن هذا التصور في هذه الحالة ايضا ان يقارن رد المنظمة في الاشهر الاولى بعد اغتيال مغنية برد منظمة حزب الله بعد اغتيال امين سر المنظمة السابق الشيخ عباس موسوي في 1992.

        ستنحصر عناية هذه المقالة في رد المنظمة على عمليات الجيش الاسرائيلي في غزة في عملية "الرصاص المصهور"، التي انتهت في منتصف شهر كانون الثاني 2009. ان مقارنة قصيرة للرد في هذه العملية برد المنظمة في عملية "السور الواقي" تثبت بوضوح ان نشاط اسرائيل غير التناسبي في حرب لبنان الثانية استوعب وفهم. لقد اصبح ردع اسرائيل لمنظمة حزب الله اقوى مما كان دائما.

        رد حزب الله في عملية "السور الواقي"

        كان شهر اذار 2002 اكثر الشهور دموية في ايام المواجهة العنيفة مع الفلسطينيين التي نشبت في ايلول 2000. ففي هذا الشهر قتل 133 مواطنا وجنديا في 17 عملية انتحارية داخل دولة اسرائيل وبعشرات عمليات اطلاق النار والتغلغل الى بلدات داخل يهودا والسامرة وغزة. كانت العملية الانتحارية في فندق "بارك" في نتانيا (في السابع والعشرين من اذار 2002) والتي قتل فيها 29 مواطنا في عشاء ليل الفصح، كانت في الواقع "القشة" الاخيرة التي جعلت حكومة اسرائيل تقرر الخروج لعملية "السور الواقي".

        بدأت العملية في التاسع والعشرين من اذار بالسيطرة على مكاتب عرفات في رام الله، واستمرت حتى اعلان رئيس الحكومة ارئيل شارون انتهاء العملية في الواحد والعشرين من نيسان. في اثناء العملية سيطر الجيش الاسرائيلي على مدن الضفة (ما عدا اريحا والخليل) وعلى اكثر المنطقة القروية، وعمل لاول مرة منذ سنين في مخيمات اللاجئين في نابلس وجنين. قتل في العملية اربعة وثلاثون جنديا ونحو من مائتي وستين فلسطينيا.

        كان الخروج لعملية "السور الواقي" مصحوبا بموجة احداث معادية لاسرائيل في العالم، وفي ضمنها مظاهرات تأييد للفلسطينيين، وعمليات في اهداف يهودية في العالم، وتصريحات شديدة لزعماء دول الغرب ومؤتمرات طارئة لمجلس الامن. ندد اكثر الدول العربية باسرائيل بشدة وعملت في الانهاء السريع للعملية، لكن منظمة حسن نصرالله فقط عملت على نحو عسكري لمساعدة الفلسطينيين.

        بدأت منظمة حزب الله منذ اول ايام العملية تطلق نار المدافع والصواريخ المضادة للدبابات على مواقع الجيش الاسرائيلي في الحدود الشمالية. كانت هذه الاحداث التي حظيت باسم "السور الواقي الشمالي" محاولة من المنظمة لفتح جبهة قتال اخرى ولتصعب على الجيش الاسرائيلي تركيز نشاطه في منطقة يهودا والسامرة ومنطقة قطاع غزة. ورد في تحمل المسؤولية عن حادثة الاطلاق الاولى في الثلاثين من اذار: "الى جانب الوفاء بواجب تحرير الاراضي اللبنانية تحذر المقاومة العدو الصهيوني من استمرار التصعيد على الشعب الفلسطيني".

        في ايام العملية الاربعة والعشرين اطلقت منظمة حزب الله اكثر من مائة صاروخ مضاد للدبابات واكثر من 500 قذيفة هاون وصاروخ. في الوقت نفسه دخلت المنظمة داخل اسرائيل لزرع شحنات ناسفة ومحاولة الهجوم على موقع "غلاديولا". جرح في هذه الاحداث تسعة جنود (خمسة منهم باصابات متوسطة). الى جانب محاولات المس بجنود الجيش الاسرائيلي نفذت المنظمة اطلاق النار على طائرات الجيش الاسرائيلي التي عملت في لبنان. وسقط جزء من القذائف التي اطلقت داخل اسرائيل وجرح منها عدة مواطنين جروحا طفيفة.

        مع الاحداث التي نفذتها المنظمة على طول الحدود الشمالية سمعت تصريحات كثيرة من مسؤوليها الكبار، الذين ايدوا نضال الفلسطينيين وذكروا ان نشاط المنظمة يرمي الى مساعدتهم في كفاحهم لاسرائيل. قال الامين العام للمنظمة حسن نصرالله في خطبته في الثاني من نيسان 2002: "نحن نعيش في هذه المرحلة اياما مصيرية وتاريخية، ربما كان ما يحدث الان غير بعيد عما حدث في سنة 1948. كل لبناني يقوم بعملية للدفاع عن فلسطين يعمل قبل كل شيء من اجل الدفاع عن لبنان. سنتحمل مسؤوليتنا بلا خوف". وقد دعا بصراحة ووضوح الى فتح جميع الجبهات – السياسية والاقتصادية والعسكرية – لمواجهة اسرائيل. كسبيل وحيد لازالة الحصار عن الشعب الفلسطيني. وكجزء من هذا التصور تحملت المنظمة مسؤولية واضحة عن كل عملية وجهت الى اسرائيل في ايام العملية.

        رد منظمة حزب الله في عملية "الرصاص المصهور"

        في ظهيرة يوم السبت 27 كانون الاول 2008، بعد سنين من اطلاق الصواريخ على بلدات غلاف غزة وغربي النقب، خرج الجيش الاسرائيلي لعملية "الرصاص المصهور". بدأت العملية بهجوم جوي واسع مفاجىء على عشرات اهداف الارهاب في قطاع غزة، وانتهت بعد ذلك بثلاثة وعشرين يوما بهدنة من طرف واحد اعلنتها حكومة اسرائيل. عملت قوات الجيش الاسرائيلي في العملية في مواجهة اهداف ارهابية في جميع مناطق قطاع غزة، ونفذت المناورة البرية في الاساس في الجزء الشمالي منه. قتل في العملية عشرة جنود من الجيش الاسرائيلي وثلاثة مواطنين اما الفلسطينيون فأبلغوا عن اكثر من الف ومائتي قتيل.

        سمع طلب الفلسطينيين ان يساعدهم حزب الله بفتح جبهة قتال ثانية شمالي البلاد كل يوم تقريبا، لكن مسؤولي المنظمة الكبار وعلى رأسهم حسن نصرالله، اختاروا الرد بسلسلة دعاوى موجهة الى الدول العربية: "يجب على الدول العربية ألا تمكن هذا العدوان من احراز أي واحد من اهدافه... هنا تلقى المسؤولية على الحكومات في العالم العربي والاسلامي وعلى الشعوب ايضا. الحكومات التي لا تحرك ساكنا يجب على شعوبها جعلها تعمل". خطب الامين العام للمنظمة خطبة للتلفاز من مكان مخبئه كل مساء في ايام العملية. وقد توجه الى شعوب المنظمة للخروج للتظاهر، والقى على مصر المسؤولية عن العملية، واعلن يوم حداد، وأحدث تصريحات تعاطف بل اصبح "محللا" عسكريا لنشاط اسرائيل في قطاع غزة ومبلغ جدواه، لكنه كان حذرا من تهديد اسرائيل.

        فضلا عن ذلك عبر نصرالله عن خوف كبير من استغلال العملية في غزة لتنفيذ عدوان على منظمته: "من الممكن ان يتجه العدو لفعل شيء ما في لبنان، وان يستغل هذه الفرصة... جميع اقوال التهدئة عن ان اسرائيل لن تحارب في جبهتين ليست ذات صلة. فقد حاربت من قبل في أربع جبهات". سمعت هذه الاقوال من الشخص نفسه الذي دعا قبل ذلك بست سنين، في عملية "السور الواقي" الى فتح جبهة اخرى بالقوة لمواجهة اسرائيل، بل انه فتح هذه الجبهة بالفعل.

        في ايام العملية نفذت عملية واحدة من ارض لبنان نحو اسرائيل (في الثامن من كانون الثاني)، اطلق فيها صاروخان سقطا في منطقة نهاريا. وفي حادثة ثانية (في 14 كانون الثاني) نفذت محاولة اخرى للاطلاق على داخل اسرائيل، سقط فيها صاروخان داخل لبنان. ووجدت قوات جيش لبنان والامم المتحدة العاملة في جنوب لبنان، ثلاثة صواريخ اخرى معدة للاطلاق. لم تتحمل منظمة حزب الله مسؤولية عن الاحداث، والتقدير السائد ان الحديث عن اطلاق نفذته منظمات فلسطينية تأييدا لنضال الفلسطينيين في قطاع غزة. حتى لو لم يكن الامر كذلك، وكانت الاحداث نفذت بموافقة منظمة حزب الله او مساعدتها فان مسؤولي المنظمة اختاروا هذه المرة بخلاف ايام السور الواقي اخفاء ذلك بل انكاره بكل قوة. والمثال على ذلك تصريح محمد فنيش، وزير العمل في لبنان من قبل منظمة حزب الله من الفور بعد اطلاق الصواريخ على اصبع الجليل: "نحن (حزب الله) لا نعلم من اطلق هذه الصواريخ. ليست لنا أي صلة بذلك".

        رد الجيش الاسرائيلي على حادثتي اطلاق الصواريخ من لبنان في عملية "الرصاص المصهور" باطلاق نار المدافع على مصادر الاطلاق. ردت المنظمة في الماضي على هذه الاحداث بالنار وعرضتها على أنها اخلال واضح بالسيادة اللبنانية. في عملية "الرصاص المصهور" عبرت المنظمة فضلا عن عدم ردها عن خوفها من أن تستغل اسرائيل الاطلاق لتنفيذ عمل عدواني عليها. وكما قال وزير العمل: "نرفض قبول محاولة العدو استغلال الهجمات لتوجيه عدوانه الى لبنان".

        ان الفحص عن عدد القتلى الفلسطينيين في العمليتين يقوي تقدير ان اعتبارات المنظمة تغيرت وانها لا تريد الرد بعنف على دولة اسرائيل. برغم المعطيات التي تشير كما يرى الى الصعوبة التي ثارت عند الفلسطينيين بعقب عملية "الرصاص المصهور" وعبر عنها عدد القتلى، اختارت المنظمة عدم الرد.

 

        الخاتمة

        حلت محل مئات الصواريخ التي اطلقتها منظمة حزب الله في عملية "السور الواقي" سلسلة خطب وتصريحات عامة عن مسؤولي المنظمة الكبار عن الحاجة الى ان يساعد العالم العربي الفلسطينيين في عملية "الرصاص المصهور". ان استقرار رأي رؤساء المنظمة على مساعدة الفلسطينيين بفتح جبهة ثانية واصابة اهداف اسرائيلية كل يوم تقريبا في عملية "السور الواقي" حل محله تصريحات عامة عن وضع الجماعة العربية وانتقاد للدول العربية المعتدلة على سلوكها في عملية "الرصاص المصهور".

        ان الضغط العام الذي لم يوجد له مثيل من قبل للشارع الفلسطيني واللبناني اوجب على المنظمات في لبنان ان ترد ردا ما. كان الرد الاول الصغير في الثامن من كانون الثاني 2009 فقط، بعد مرور نحو اسبوعين من بدء العملية، وبدا مثل رد يرمي الى اسقاط الواجب. القصد من هذه المقالة الاشارة الى الفرق الجوهري بينه وبين الردود في عملية "السور الواقي" عندما ردت المنظمة منذ اليوم الاول للعملية. ان القرار على عدم الرد بعد رد المدافع الاسرائيلية ايضا والامتناع عن تهديد اسرائيل بصراحة يقوي ويعزز هذا الفرق.

        ان قرار منظمة حزب الله على الا ترد على احداث عملية "الرصاص المصهور" والامتناع باي وسيلة ممكنة عن فتح جبهة اخرى يمكن ان يرجع الى اسباب شتى (منها الانتخابات المرتقبة للبرلمان اللبناني). لا شك في ان عددا منها كان لها معنى في تقدير الوضع الذي قام به مسؤولو المنظمة الكبار ايام القتال في غزة. ويوجد تأثير ما ايضا لنتائج الحرب والقرار 1701 ونشر جنود جيش لبنان وقوات اليونيفيل في جنوب لبنان، لكن عدم رد المنظمة، وحصرها عنايتها في الكلام على حساب الافعال وعدم مساعدة حقيقية للفلسطينيين في غزة يشير اكثر من كل شيء الى تأثير حرب لبنان الثانية في قادة المنظمة الكبار.

        ولما كانت المناورة البرية قد تركت ذاكرة ضعيفة نسبيا، واعيد بناء قدرات المنظمة التي تضررت في الحرب سريعا، يمكن ان نعيد هذا السلوك الى رد اسرائيل غير التناسبي. برغم صعوبة اقناع المتشككين هنا في اسرائيل، ما تزال شوارع الضاحية حتى اليوم وبيوت عيتا الشعب ذكرى لهذا الرد، وهي تنجح في اقناع مواطني لبنان ومتخذي القرارات فيه على الاقل. وكما قال سعد الحريري رئيس كتلة "المستقبل" في البرلمان اللبناني في عملية "الرصاص المصهور": انا على ثقة من أن حزب الله لن يعمل على حدود اسرائيل كدرس من حرب لبنان الثانية".

        ان عمل الجيش الاسرائيلي في  غزة في عملية "الرصاص المصهور" هو تذكار ايضا لمنظمة حزب الله بان دولة اسرائيل ما زالت ترد بقوة على الاعمال الموجهة اليها. مع ذلك لا تضمن نتائج التحليل التي عرضت هنا ان يظل الوضع على هذا النحو دائما. فمن الممكن جدا ان تختار المنظمة في ظروف ما، بعقب تقدير للوضع يتم في المنظمة او بعقب تغير الوضع الداخلي في لبنان (بعد الانتخابات الداخلية المرتقبة في ايار 2009 او بعقب نهاية عمل فريق التحقيق في موضوع مقتل الرئيس السابق الحريري) ان تختار تنفيذ عملية موجهة الى دولة اسرائيل في الحدود الشمالية او في الخارج. اذا قررت المنظمة فعل ذلك فسيكون رد الجيش الاسرائيلي هو مفتاح الحفاظ على ردعها.


 

 

انشر عبر