شريط الأخبار

دراسة : من الانتفاضة الثانية الى حرب لبنان الثانية الى عملية "الرصاص المصهور"؛ حلقات سلسلة معركة واحدة*

08:03 - 02 تشرين أول / يوليو 2009

بقلم: د. جبريئيل تسيبوني**

        تريد هذه المقالة ان ترى عملية "الرصاص المصهور" جزءا من سلسلة تطور ممتدة من الانتفاضة الثانية الى حرب لبنان الثانية فيما يتعلق بعنصرين رئيسين: يتصل الاول بتطور تصور الرد العسكري على التهديد، والثاني تصور الجمهور لجدوى الرد العسكري. يوجد بين هذين العنصرين صلة وثيقة تكافلية لان رد دولة اسرائيل على التهديد يشتمل على عناصر قتال عسكري الى جانب قدرات ثبات ودفاع مدني. وهي متآلفة بعضها مع بعض لان هدف العدو الاعلى هو المس بمواطني الدولة. وهدفه الثانوي هو المس بالجيش الاسرائيلي لتمكينه من الاستمرار على احراز هدفه الرئيس.

        خرج الجيش الاسرائيلي في عملية "الرصاص المصهور" بعد سنين طويلة تعرض فيها جنوبي البلاد لاطلاق متصل وحشي للصواريخ افضى الى تغيير نسيج الحياة في الجنوب. كانت الفكرة التي وجهت العدو وما تزال هي استنزاف سكان الدولة وجعل الحياة في المنطقة أصعب من ان تحتمل. في هذه السنين عمل الجيش الاسرائيلي في صور مختلفة وبحسب تصورات عملياتية مختلفة. لم تفضي هذه الى تغيير حقيقي لمقدار الاطلاق المائل المسار. ولم تفضي في واقع الامر الى تحسين شكل الحياة غير المحتمل لمواطني الجنوب. نجحت فترة التهدئة في الاشهر الست الاخيرة من سنة 2007 في انشاء نوافذ زمن ما بلا ارهاب، لكن لم تغير الوضع تغييرا جوهريا، وفي اثناء ذلك مكنت العدو من زيارة قوته بلا عائق. كان يمكن من جهة عملياتية – متخصصة ملاحظة ان هذا الوضع لا يمكن ان يستمر وان عملية عسكرية قد اقتربت.

        أتت هذه المقالة لتفحص كيف تغير تهديد دولة اسرائيل وفي اي مسار صيغ الرد على هذا التهديد. تريد المقالة أن تغطي الحاجة الى استيعاب المعاني العميقة للتغيير ليكون من الممكن النظر نظرا صحيحا الى التحديات الامنية التي تواجه الدولة والعمل لانشاء تصور امني ذي صلة حديث لمواجهة هذه التحديات.

        تغيير التهديد وتغيير عناصر الرد

        تغير تهديد دولة اسرائيل تغيرا حادا. فقد غير العدو فكرته الاستراتيجية من مناورة هجومية لاحتلال اجزاء من دولة اسرائيل الى فكرة استراتيجية عن استنزاف طويل الامد لمواطني الدولة. هكذا – قدر العدو – في مدة زمنية طويلة سينجح في استنزاف مواطني الدولة والمس بنسيج الحياة على نحو يجعل الحياة في الدولة غير ممكنة لمواطنيها. ليست ظاهرة الاستنزاف جديدة في ذاتها؛ فمنذ اقامة الدولة استعمل العدو الارهاب بشدة مختلفة موجها الى دولة اسرائيل، من ارهاب الفدائيين الى الارهاب الفلسطيني على اختلافه، والذي كان ضرره محدودا. لم يحتِج الامر الى تغيير جوهري لتصور اسرائيل الامني، والتي اضطرت الى الاستمرار على مواجهة التهديد الرئيس الذي يشتمل على استعمال قوات عسكرية كبيرة لاحتلال مناطق من اسرائيل. حدث تغير التصور الامني بعقب تغيير طريقة عمل العدو. ان مساحة اسرائيل وحقيقة أنها لا تملك عمقا استراتيجيا جعل اعداء اسرائيل يفترضون انهم سينجحون باستعمال النيران المائلة المسار التي تطلق على الجبهة الداخلية الاسرائيلية بمقادير كبيرة واقساط متغيرة، في احراز اهدافهم.

        قرر رد دولة اسرائيل الامني كما صاغه دافيد بن غوريون ثلاثة مبادىء: اشتمل المبدأ الاول على ادراك ان دولة اسرائيل لا تملك القدرة على تغيير الوضع الاستراتيجي العام بوسائل قوة، ولهذا فان الهدف الاستراتيجي الاساسي لدولة اسرائيل دفاعي. من اجل ذلك هدف الحرب هو استعمال القوة لكسر قدرات العدو العسكرية لانشاء مهلة زمنية طويلة قدر المستطاع حتى المواجهة المقبلة التي تأتي حتما. ويتصل المبدأ الثاني بفكرة الردع. احتاجت اسرائيل الى ردع العدو عن الهجوم، وعندما انهار الردع يجب على الجيش الاسرائيلي ان يعمل بتصميم وسرعة لاحباط التهديد ولانشاء مهلة قصوى لاسرائيل حتى المواجهة المقبلة. وقام في اساس المبدأ الثالث فكرة نقل القتال الى داخل ارض العدو وتقصير امد القتال قدر الاستطاعة.

        ان تطبيق هذا التصور ازاء التهديد التقليدي مكن دولة اسرائيل من احباط عدد من التهديدات مع احداث مهلة لعدة سنين بين مواجهة عنيفة واخرى. نتائج هذه المواجهات التي لم يكن المواطنون طرفا حاضرا فيها احدثت عند الجمهور سقف توقعات عاليا من الجيش الاسرائيلي، برغم التغير الحاسم للتهديد وبرغم ان تصور اسرائيل الامني لم يكن ذا صلة بالتهديدات التي تطورت في السنين الاخيرة.

        بدء فهم التغيير: الانتفاضة الثانية – "دعوا الجيش الاسرائيلي ينتصر"

        جعلت الانتفاضة الثانية الجيش الاسرائيلي يواجه الحاجة الى مواجهة موجات ارهابية فتاكة واوجبت على قادة الجيش الاسرائيلي ان يفحصوا فحصا عميقا مفاهيم اساسية مثل "الحسم" و "النصر". وكما قال شلومو غازيت: "هكذا نشأ واقع سياسي يمكن ويسوغ من سؤال سؤالين صائبين: أ. ما هو النصر والحسم الاسرائيلي في الصراع العنيف بيننا وبين الفلسطينيين. ب. أيمكن احراز حسم كهذا على الانتفاضة الفلسطينية بقوات الجيش الاسرائيلي؟" ولما تبين للجمهور في اسرائيل ان مواجهة الجيش الاسرائيلي لهذا التهديد لا تقدم ردا من الفور وتقيم امامه تحديا مركبا بدأت تسمع صيحة "دعوا الجيش الاسرائيلي ينتصر"، الذي  تم استيعابها برغم مصدرها السياسي على برنامج عام مريح. واجه الجيش الاسرائيلي صعوبة جوهرية في تحديد الرد على تهديد الارهاب، وفي اثناء ذلك كانت اجزاء كبيرة من الجمهور على قناعة من انها تستطيع حل المشكلة بضربة سيف. لم يساعد كلام قائد المنطقة الجنوبية عما يتصل بشعار "دعوا الجيش الاسرائيلي ينتصر":

        "من الحماقة قول شيء كهذا. أنا قائد قوات الجيش الاسرائيلي في قطاع غزة والقيادة الجنوبية واقول لشعب اسرائيل كله، انا كقائد عسكري آخذ ههنا بجميع العمليات التي يأخذ بها قائد عسكري جيد مثلي، ولا اريد اظهار الغرور، فانا اعتقد انني قائد جيد، واذا كان يوجد افضل مني فليتفضلوا بالاتيان. لدي تجربة وانا آخذ بجميع الاجراءات والعمليات التي اعتقد انه يجب الاخذ بها".

        بدأ تعقيد التهديد وقصر يد الرد يتغلغلان الى الخطاب العام، لكنهما لم ينضجا ليصبحا فهما حادا للحاجة الى تغيير مصطلح الخطاب الاستراتيجي في دولة اسرائيل الذي ظل يقوم على مصطلحات غير ذات صلة مثل "النصر" و "الحسم". نجح الجيش الاسرائيلي بين السنتين 2002 – 2005 مع الشاباك، في صوغ تصور قتالي حديث في مواجهة الارهاب، وفي ان يضائل جدا مقداره مضاءلة تدريجية حتى القضاء عليه (في منطقة يهودا  والسامرة) بالفعل في سنة 2005 وابعاده عن جدول العمل العام لدولة اسرائيل.

        حرب لبنان الثانية – خيبة أمل مغطاة اعلاميا ازاء انجاز استراتيجي قائم

        اوصلت حرب لبنان الثانية خيبة أمل الجمهور الى ذرى جديدة. فقد خرج الجيش الاسرائيلي لهذه الحرب تحت مطر من الاقوال القتالية والحماسية مع استعمال مصطلحات "النصر" و "كسر حزب الله"، عن اعتقاد ان الجيش الاسرائيلي يملك القدرة على وقف اطلاق الصواريخ المائلة المسار وبغير عمل اي استيضاح جوهري يتصل بمضمون هذه المصطلحات في شأن المواجهة والتهديد الذي اقامه حزب الله. أعطت نهاية القتال اشارة لموجة من خيبة الامل المغطاة اعلاميا جيدا، وزعم كبار المحللين هزيمة اسرائيل في الحرب. يزعم موشيه ارنس انه "لم يكن في تاريخ دولة اسرائيل حرب كهذه، ولم يكن في تاريخ اسرائيل هزيمة كهذه، هزيمة في حرب مع بضعة الاف من محاربي حزب الله". ان عدم فهم جوهر التهديد وسبل مواجهته لم يعق اعضاء لجنة فينوغراد عن الانضمام لهذه الموجة. كتبت اللجنة في تقريرها: "في نهاية اربعة وثلاثين يوم قتال، لم يوجد حسم لصالح الجيش الاسرائيلي ولا حتى بالنقاط. وقف اطلاق حزب الله الصواريخ على الجبهة الاسرائيلية الداخلية بالهدنة فقط. لم تنتصر اسرائيل بوضوح في الحرب".

        وفي الواقع حدد للجيش الاسرائيلي في حرب لبنان الثانية عدد من الاهداف الاستراتيجية، والرئيسة الثلاثة منها احرزت: 1. وقف الارهاب من داخل سيادة لبنان على دولة اسرائيل – فالسنين منذ حرب لبنان الثانية هي من الاكثر هدوءا في الحدود الشمالية منذ حزيران 1982؛ 2. تحقيق مسؤولية لبنان عن السيطرة على جنوبيه – فقد نشر جيش لبنان في الجنوب ودفع حزب الله الى المناطق المدنية، ويصعب عليه العمل في المنطقة المفتوحة، وتضاءلت جدا درجات حرية المنظمة في الجنوب؛ 3. مس حقيقي بحزب الله – تلقت المنظمة ضربة لم يسبق لها مثيل في تاريخها – فقد وجد نحو من الف وخمسمائة مصاب من قواتها، فيهم اكثر من ستمائة قتيل وكذلك اضرار شديد بممتلكاتها في بيروت ومنطقة الجنوب. ولذلك احجمت المنظمة عن العمل في مواجهة اسرائيل علنا.

        ان ادراك تعقيد التهديد الذي احتاج الجيش الاسرائيلي الى مواجهته الى جانب استيعاب انجازات الحرب اتى بعد وقت فقط. وكما قال عمير بيرتس: "كانت لبنان حرب تنبهنا... يجب ان نسأل سؤال لماذا أتى عدد كبير من الاستنتاجات المهمة بعد حرب لبنان الثانية فقط". تشكل في الجيش الاسرائيلي ادراك ان انجازات حرب لبنان الثانية نبعت من تطبيق تصور عملياتي مختلف. يقوم هذا التصور الذي طبق جزئيا في حرب لبنان الثانية على ادراك قدرة الجيش الاسرائيلي المحدودة على شل جميع قدرات الاطلاق المائل المسار عند العدو في جدول زمني مناسب. يشتمل التصور على ثلاثة اسس: الاول – ضربة نيران مدمرة موجهة الى ممتلكات العدو الاساسية؛ والثاني – مناورة سريعة للمس بالعدو واسكان قدرات الاطلاق في مجال المناورة؛ والثالث – قدرة صمود وقدرة دفاع في الجبهة المدنية.

        عملية "الرصاص المصهور"

        خرجت دولة اسرائيل لعملية "الرصاص المصهور" بعد سنتين ونصف من حرب لبنان الثانية، تم فيها جهد تطبيق دروسها. اولا في شأن التصور العملياتي: استعمل الجيش الاسرائيلي في هذه العملية عنصرين اساسيين: اشتمل الاول على استعمال نار مدمرة على أملاك حماس الجوهرية والمنظمات الارهابية في قطاع غزة، وكان الثاني استعمال مناورة تالية كان هدفها تعميق الاصابة ووقف اطلاق الصواريخ من منطقة المناورة. استعمل تطبيق عنصر الدفاع المدني هو ايضا على نحو أنجع من استعماله في حرب لبنان الثانية. في أثناء العملية حظي الجيش الاسرائيلي بتأييد وسائل الاعلام؛ وذكرت أكثر البلاغات جوانب القتال الايجابية والتغير لاحسن الذي جرى في الجيش الاسرائيلي، مع ذكر ان قادة الجيش الاسرائيلي يحاربون على رأس القوات.

        المقارنة بحرب لبنان الثانية ملحة. هل أحرزت في عملية "الرصاص المصهور" انجازات لا نظير لها بالقياس الى تلك التي احرزت في حرب لبنان الثانية؟ في حرب لبنان الثانية تم وقف اطلاق النار باتفاق هدنة، اما في عملية "الرصاص المصهور" فأعلنت دولة اسرائيل وقف اطلاق النار من طرف واحد برغم استمرار اطلاق الصواريخ. كان نطاق المناورة في عملية الرصاص المصهور أصغر كثيرا من نطاقها في حرب لبنان الثانية. كان يمكن لفقرات كاملة كتبت في تقرير فينوغراد أن تلائم ملائمة تامة عملية الرصاص المصهور. مثلا جملة: "منظمة شبه عسكرية، فيها آلاف المقاتلين، نجحت في أن تقف اسابيع طويلة أمام اقوى جيش في الشرق الاوسط، يتمتع بتفوق جوي تام ومزايا كبيرة في الحجم والتكنولوجيا. برغم ذلك لم تسمع أصوات تحدثت عن هزيمة في هذه العملية. يمكن ان نقدر ان سبب هذا التغير في الخطاب العام مشتق من عاملين ممكنين: الاول – ارادة احداث تعديل للحماسة الانهزامية التي أتت بعد حرب لبنان الثانية؛ والثاني – متصل بماهية فهم تعقيد التحدي الذي يراد لاسرائيل ان تواجهه.

        توجهات واتجاهات للمستقبل

        ينبغي ان نرى حرب لبنان الثانية وعملية "الرصاص المصهور" سلسلة متصلة في معركة دولة اسرائيل مع حركة المقاومة. يبدو ان دولة اسرائيل ما تزال تنتظرها مواجهات غير سهلة، لكن تسلسلا متراكما من الانجازات من عملية السور الواقي الى حرب لبنان الثانية الى عملية "الرصاص المصهور" الى جانب صوغ تصور استراتيجي عملياتي مناسب وتحقيقه في المواجهات المقبلة، تستطيع ان تهب لسكان الدولة برنامجا امنيا معقولا. ينبغي في هذا السياق ان نؤكد عددا من العناصر:

·   رد قوي على كل حادثة – يجب على دولة اسرائيل والجيش الاسرائيلي ان يصوغا رزم رد غير تناسبي على كل حادثة تحاول الاخلال بأمن سكان الدولة. تحت المبدأ الاساسي أن حكم صاروخ واحد كحكم مئة صاروخ وصدورا عن فهم وتجربة الماضي أن صواريخ اخرى ستأتي دائما بعد صاروخ واحد. يجب على اسرائيل ان تقرر – في الافعال لا بالكلمات – سعرا قويا لكل محاولة من العدو من الشمال او الجنوب المس بمواطني الدولة، حتى لو كان ذلك يعني تدهورا ممكنا الى مواجهة واسعة. يجب على اسرائيل ان ترى مواجهة كهذه اذا فرضت عليها فرصة للرد بقوة ولترك العدو مع ثمن باهظ للاستمرار تحرشه. إن اعدادا منذ البدء فقط لرزم رد كهذه، والتدرب عليها واشراك الجمهور في الفكرة التي تقف في أساسها سيمكن من تطبيق ناجع في الوقت المناسب. لذلك وبسبب التهديد الذي وصف، ينبغي وقف النقاش العقيم المسكت بما يسمى "استراتيجية النهاية" او "مخطط الخروج". لا ينبغي البحث عن أي مخطط خروج منذ البدء، فمحاولة التنبؤ بمسارات كهذه لم تنجح في الماضي ويصعب ان نرى كيف ستنجح في المستقبل. ينبغي تحديد الفرص والمخاطرات زمن حدوثها وعلاجها في أثناء القتال. ان بناء قاعدة المعلومات الاستراتيجية والعملياتية التي تمكن من ادارة هذه المخاطرات يجب ان تتم قبل الحادثة وفي اثناء حدوثها.

·   قدرة صمود ودفاع مدني – يجب على اسرائيل ان تعمل في البناء قدرة صمود المواطنين لاوضاع مواجهة طويلة تصاب في اثنائها الجبهة الداخلية بالقذائف الصاروخية والصواريخ. تقتضي قدرة الصمود قبل كل شيء مشاركة الجمهور في جملة عناصر التصور الأمني الذي يتم صوغه. أثبت الجمهور في اسرائيل قدرة صموده في أيام العمليات الانتحارية في أثناء الانتفاضة الثانية ولا شك في قدرته على الثبات للتحديات التي ما زالت تنتظره. فضلا عن ذلك يجب على دولة اسرائيل والجيش الاسرائيلي كما قلنا آنفا ان يعملا في صياغة تصور دفاعي ناجع في الجبهة المدنية، رأينا تباشير صوغه في عملية "الرصاص المصهور". ينبغي الاستمرار على تطويل هذا العنصر في التصور الأمني الذي أخذ في بنائه.

·    وسائل الاعلام وصياغة الرأي العام – لوسائل الاعلام والمحللين المختلفين تأثير كبير في الروح العام في دولة اسرائيل. ان التناقض البارز بين سلوك وسائل الاعلام في حرب لبنان الثانية وسلوكها في عملية "الرصاص المصهور" بالرغم من التشابه بينهما يستوجب الفحص عنه. يحسن بجهات الاعلام والمحللين المختلفين فضلا عن قادة الجيش الاسرائيلي في الماضي أن يدركوا مقدار مسؤوليتهم عن قدرة صمود الجمهور في اسرائيل. ان خطابا بلا مسؤولية من بعضهم قد يضر ضررا مضاعفا: اولا ببناء صورة وضع تشجع العدو الذي يستمد من أقوالهم كمصدر رئيس لفهم الواقع عندنا. وثانيا باضعاف المنعة العامة لمواطني الدولة بزرع الذعر والبلبلة.

إن نظرا واعيا الى القتال الذي فرض على دولة اسرائيل في السنين الاخيرة يقتضي نظرا في الحقائق الاساسية لتصور دولة اسرائيل الامني. يجب تحديث هذا التصور لانشاء برنامج استراتيجي – عملياتي يناسب التحديات التي ما تزال تنتظر دولة اسرائيل. يمكن ان نختبر نصف الكأس الملآن وأن نرى كيف استطاعت اسرائيل النظر بوعي الى تهديد الارهاب الفلسطيني في منطقة يهودا والسامرة وان تصوغ له تصور رد وأساليب عمل مناسبة، وان تزيل بالفعل هذا التهديد عن جدول العمل العام. ان اجراء مشابها فقط ازاء تهديد اطلاق الصواريخ المائلة المسار يستطيع أن يحدث ردا أمنيا مناسبا. تم انجاز انجازات كثيرة بعد سنتين ونصف من حرب لبنان الثانية وبرغم اخفاقات في عمل الجيش الاسرائيلي. يجب ان تقاس ايضا انجازات عملية "الرصاص المصهور" بعد ذلك. ينبغي وقف قياس نجاح العملية اعتمادا على حوادث غابرة. يجب ان يتم هذا التحليل من خلل منظار بعيد المدى مع فهم أنه سيمكن في المستقبل فقط التأكد هل تحسن وضع دولة اسرائيل الاستراتيجي بعقب هذه العملية.

 


** عقيد (احتياط)، رئيس خطة بحث "استعمال القوة العسكرية وبنائها" وباحث رفيع المستوى في معهد ابحاث الامن القومي.

 

انشر عبر