شريط الأخبار

أزمة إيران من الأرصفة إلى الأروقة ..فهمي هويدي

03:31 - 30 حزيران / يونيو 2009

ـ السفير 30/6/2009

صحيح أن الشارع هدأ في طهران، لكن تداعيات الأزمة انتقلت من الأرصفة إلى الأروقة، مخلفة في الفضاء الإيراني، وفي المنطقة بأسرها، أسئلة كثيرة تبحث عن تفسير لما جرى وتقدير لما سيجري.

ـ 1 ـ

هذه الأيام لن تعدم أصواتاً تسمع في شمال طهران عندما يحل الظلام تطلق الهتاف «الله أكبر»، وقد يتجاوب معها آخرون مرددين الهتاف ذاته، وربما أضاف البعض كلمات أخرى تقول (مرك بر خامنئي، أي الموت لخامنئي)، وهو ما يتلقفه المراسلون الأجانب في تقارير قرأتها، لكي يدللوا به على أن جذوة التمرد على النظام والانقلاب عليه لم تهدأ. والخبر صحيح لا ريب، لكن تأويله فيه من التمني بأكثر مما فيه من قراءة الواقع، لأن شمال طهران هو عالم الأثرياء والقادرين الذين ظل أغلبهم معارضين للثورة ونافرين منها ومتصيدين لها منذ قامت قبل ثلاثين عاما. مثل هذه الهتافات لا تسمع في الأحياء الشعبية في جنوب طهران، ولا أثر لها في طهران الكبرى التي تضم عشر مدن ونواحٍ (طهران إسلام شهر ـ دماوند ـ ري ـ فيروزكوه ـ شهريار ـ كرج ـ رباط كريم.. إلخ).

لا أستبعد أن تكون القراءة المغلوطة لما شهدته طهران قد أسهمت في إشعال نار الغضب الذي رأيناه، لأن النخبة تعارفت كما ذكرت قبلا على اعتبار مدينة طهران مرآة المزاج الإيراني وبوصلته، الفائز فيها يحسم الأمر ويصبح فائزا في كل إيران، وهذا ما حدث في الانتخابات الأخيرة، فقد فاز مير حسين موسوي على أحمدي نجاد بثلثي الأصوات في المدينة، لكن الموقف تغير حين فُرزت أصوات طهران الكبرى بمدنها العشر، إذ تفوق الثاني على الأول بمئتي ألف صوت، ولهذا فحين يقول أنصار موسوي إنه فاز بثلثي الأصوات فإنهم يسجلون حقيقة وقعت بالفعل، لكنهم حين يعممون النسبة على بقية مدن الإقليم، أو على بقية الأقاليم الإيرانية الثلاثين فإن ذلك يصبح بداية الخطأ في الحساب، الأمر الذي يضع يدنا على شرارات الغضب الأولى.

لقد كان سكان الأحياء الشعبية والمناطق النائية هم الكتلة التصويتية التي رجحت كفة أحمدي نجاد، وهو ما يدفعني إلى عدم التسليم بدعوى تزوير نتائج الانتخابات، لأن فارق الأصوات بين أحمدي نجاد وموسوي 12 مليون صوت لمصلحة الأول، وتزوير تلك الأصوات في أكثر من 46 ألف لجنة انتخابية، وفي ظل وجود مندوبين للمرشحين أمر ليس سهلا، وهو يحتاج إلى قرار مركزي من المرشد السيد علي خامنئي، وتلك خطوة إذا تمت فإنها تعد مغامرة كبرى من جانبه تهدد نزاهته وعدالته، فضلا عن أن الرجل لم يلجأ إلى هذا الأسلوب طوال العشرين سنة الماضية. هذا لا ينفى بالضرورة احتمال اللعب في الفرز في بعض الدوائر بسبب ضغوط محلية مهما كان مصدرها (كما حدث في حالة بوش وآل غور مثلا)، لكن ذلك اللعب يتعذر له أن يحدث الفرق الكبير بين الرجلين. وفي حدود علمي فإن المنافس الثالث محسن رضائي، سحب طعنه في النتيجة بعدما تم فرز عيّنة عشوائية ضمت عشرة في المئة من الأصوات، واقتنع بصحة النتائج المعلنة، لكن يبدو أن التعبئة الإعلامية الهائلة التي أثارت مسألة التزوير، والتي أسهت فيها أجهزة الإعلام الخارجية بدور كبير ومثير، نجحت في أن تحول الادعاء إلى مسألة مسلّم بها ومفروغ منها.

ـ 2 ـ

من هؤلاء الذين خرجوا في التظاهرات؟ لا مفر من الاعتراف بأن هذه المرة الأولى منذ قيام الثورة التي تخرج فيها تظاهرات بهذا الحجم معبرة عن الغضب والاحتجاج على الحكومة والمرشد. صحيح أن جامعة طهران شهدت تظاهرات قوية في العام 99، أثناء رئاسة السيد محمد خاتمي، هتف فيها الطلاب ضد المرشد وهم يطالبون بمزيد من الحريات، ولكن تلك التظاهرات اقتصرت على الطلاب وتم احتواؤها حينذاك.

من ناحية أخری، فليس دقيقا القول إن التظاهرات كانت كلها احتجاجا على نتائج الانتخابات أو تأييدا للسيد مير حسين موسوي، الذي يحظى بالاحترام في الساحة السياسية، ولكنه ظل خارج المسرح طوال العشرين عاما الماضية، وخلال تلك الفترة فإنه لم يكن ناشطا سياسيا ولا زعيما لحزب، ولكنه ظل فقط شخصية مقدرة، باعتباره جزءاً من ذاكرة ما بعد الثورة، بكلام آخر فإنه يتعذر تصنيف جميع المتظاهرين تحت عنوان واحد، وإن ظل «الغضب» يمثل قاسما مشتركا بينهم، سواء غضبا للبعض من النتيجة التي أسفرت عن خسارة موسوي، أو غضبا من الضغوط السياسية التي تضيق بها صدور الشباب الذين يتطلعون إلى توسيع هامش الحريات العامة، علماً بأن نسبة غير قليلة من أولئك الشبان ولدوا بعد الثورة ولم يعيشوا عهد الشاه، وقيل لي إن منهم من لم يقتنع بأسباب اشتباك بلادهم مع السياسة الأميركية. ثمة آخرون غاضبون من وطأة الغلاء وقسوة أعباء المعيشة أو البطالة.

وهناك مجموعات أخرى ليبرالية تعارض فكرة ولاية الفقيه وتسعى إلى إعادة النظر في الأسس الدستورية للجمهورية. وفيما علمت، فقد تبين في وقت لاحق أن عناصر سنية وعربية وكردية قومية نشطة اشتركت في التظاهرات، بعدما جذبتها وعود السيد موسوي التي ركزت على إعطائهم مزيداً من الحقوق، والذي لا شك فيه أن ضغوط الخارج كان لها دورها في تأجيج الغضب وإشاعته. والخارج الذي أعنيه يتراوح بين المعارضين الإيرانيين وأنصار النظام السابق، الذين سلط عليهم الإعلام الغربي أضواءه القوية، وبين أوساط المخابرات الغربية التي ألقت بثقل كبير في عملية التحريض ومحاولة تفجير الموقف في الداخل، لذلك فإنها لعبت دورا نشطا في تصعيد الحركة الاحتجاجية وتشجيعها، سواء بواسطة دس العملاء أو من خلال حملة التعبئة والتشبيك الواسعة النطاق التي استخدمت أحدث تقنيات الاتصال «تويتر ـ فيس بوك ـ يوتيوب»، وهي الحملة التي توازت مع إطلاق سيل البرامج المقدمة باللغة الفارسية، التي شرعت الإذاعات والفضائيات الغربية في تقديمها في اليوم التالي مباشرة لإجراء الانتخابات، وقبل إعلان نتائج الفرز رسمياً.

هذه الخلفية تسوغ لي أن أقول إن نتائج الانتخابات لم تكن السبب الوحيد لخروج التظاهرات، بل كانت المناسبة التي استدعت هذه الفئات جميعها إلى الشارع، ولذلك يتعذر اعتبار تلك التظاهرات قرينة لا على اتساع نطاق المقتنعين بتزوير الانتخابات، كما يتعذر اعتبارها معيارا لقياس حجم المؤىدين لمير حسين موسوي.

ـ 3 ـ

لأن المرشحين الثلاثة الذين نافسوا أحمدي نجاد «موسوي ـ كروبي ـ رضائي» من أبناء الثورة الشرعيين، فقد أطلقت شائعة في قم اتهمت أحمدي نجاد الذي هو من جيل لاحق، بأنه من جماعة «المهدويين» الذين يسعون إلى تخريب الثورة، لعدم اقتناعهم بولاية الفقيه، وتمسكهم بانتظار الإمام المهدي الغائب، وهي جماعة نشطت بعد قيام الثورة، ولكنها لوحقت حتى اختفت ولم يعد لها دور يذكر منذ ربع قرن. الذين أشاعوا الحكاية أرادوا في ما يبدو أن يؤلبوا الحوزة العلمية على أحمدي نجاد، ويدفعوا أركانها إلى الانقلاب عليه، وهي الحيلة التي نجحت في خمسينيات القرن الماضي عقب انقلاب رئيس الوزراء محمد مصدق على الشاه، حين اتهمه اثنان من الصحافيين بأنه من أعضاء الحزب الشيوعي، وأدى الترويج للتهمة إلى انقلاب فقهاء قم وعلى رأسهم آية الله كاشاني، المرجع الكبير، على الرجل، وسحب تأييدهم له، مما ترتب عليه سقوطه وعودة الشاه من منفاه خارج البلاد.

يقول البعض في طهران إن انتشار الشائعة كان أحد الأسباب التي شجعت السيد علي خامنئي على أن يلقي خطبة الجمعة يوم 19/6 التي أعلن فيها تأىيده لأحمدي نجاد، وهو ما اعتبر تكذيبا لدعوى انتمائه إلى «المهدويين»، حيث لم يكن معقولا أن يؤيد مرشد الثورة عضواً في جماعة تسعى إلى تخريبها.

ليس معروفا مصدر الشائعة، ولكن دلالتها هي المهمة، ذلك أن الأضواء سلطت منذ إعلان نتائج الانتخابات على المتظاهرين في الشارع الإيراني، لكن التفاعلات الحاصلة في دوائر صناعة القرار، خصوصا المراجع والفقهاء، لم تنل حظها من الاهتمام الكافي، وقد بدأت تلك التفاعلات تطفو على السطح حين هدأت التظاهرات، وبدا واضحا أن كل طرف لا يريد أن يتزحزح عن موقفه (مجلس صيانة الدستور رفض دعاوى التزوير وفكرة إعادة الانتخابات وموسوي وكروبي يتمسكان بطعنهما في النتائج ويطالبان بالإعادة)، وهو ما استدعى تدخل طرف ثالث للبحث عن مخرج من الأزمة، ضاعف من أهمية تدخل الطرف الثالث أن الانقسام وصل إلى صلب المؤسسة الدينية، حيث أصبح بعض المراجع يؤيدون مير موسوي، فيما أيد البعض الآخر أحمدي نجاد، الأمر الذي يعني أن الانقسام انتقل من الشارع إلى النخبة، ومن المجتمع إلى السلطة صاحبة القرار، وهذا وضع لا سابقة له في تاريخ الثورة الإسلامية.

من البداية التزم بعض مراجع قم الصمت إزاء ما جرى، وكان ذلك موقفا غير مألوف، وحين سألت عن السبب في ذلك، قيل لي إن الصامتين هم المعارضون لأحمدي نجاد، ولكنهم فضلوا عدم الإعلان عن مواقفهم، لأنهم لا يريدون أن يظهروا في العلن خلافهم مع المرشد الداعم له. الوحيد الذي جهر بموقفه كان آية الله منتظري المعروف بنقده المستمر للأوضاع القائمة. أما الآخرون من أمثال آيات الله نوري همداني ويوسف صانعي وموسوي اردبيلي وغيرهم فلم يتكلموا بشيء، وحمل سكوتهم على أنه من علامات عدم الرضى.

المعلومات المتوافرة تشير إلى أمرين، أولهما أن العلماء والشخصيات من ذوي العلاقة الحسنة بالطرفين يواصلون السعي بين الجانبين للتوصل إلى مخرج سياسي يهدئ من الأوضاع ويحتوي الانقسام الراهن. ويؤدي الشيخ هاشمي رفسخاني دورا محوريا في هذه الاتصالات، ذلك أنه محسوب حقا على مجموعة مير موسوي، إلا أنه على تفاهم جيد مع السيد خامنئي. وفي هذا السياق يذكر أىضا أن رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى، الدبلوماسي السابق علاء البروجردي يبذل جهدا موازيا في الوساطة، أما الأمر الثاني فهو أن الكلام كله يدور في حدود ضرورة الالتزام بالقانون والعمل من خلال مؤسسات الدولة، في أي محاولة لتجاوز الأزمة، «رفسنجاني تدخل علنا لأول مرة، وأصدر بيانا بهذا المعنى يوم السبت الماضي (27/6) باسم مجمع تشخيص المصلحة».

ـ 4 ـ

لا أحد يستطع أن ينكر أن ما حدث أثر على صورة النظام في الخارج، وربما دفع الدول المشتبكة مع إيران إلى المراهنة على أوضاع وقوى في الداخل يمكن استثمار موقفها في ممارسة الضغوط على السلطة. بالمثل فإن أحدا لا ينكر أن التعبئة الواسعة النطاق التي حدثت والإشارات التي أرسلت إلى المتظاهرين موحية لهم بأن الخارج يقف معهم ويؤازرهم. هذه التعبئة سلحت العناصر المحركة للتظاهرات بمزيد من الجرأة على النظام وعلى الولي الفقيه، بالقدر ذاته فإن الشرخ الذي حدث في صف النخبة ـ والعلماء بوجه أخص ـ أصبح يحتاج إلى حكمة شديدة ووقت طويل لعلاجه وإعادة لحمته.

على صعيد آخر، ثمة أوضاع داخلية عدة باتت بحاجة إلى إعادة نظر، فقد أبرزت الأزمة الحاجة الملحة إلى تقنين الأحزاب السياسية، لأن الأوراق اختلطت وتداخلت بحيث لم يعد يعرف من هم الإصلاحيون ومن هم المحافظون، علما بأن كل فريق يضم ما بين 10 و15 مجموعة، وكان واضحا أثناء الانتخابات أن الناس يصوتون لأشخاص لا لأحزاب وبرامج سياسية. موسوي ليس له حزب، وكروبي استعان بجماعة رفسنجاني «كوادر البناء» لكي يقوموا بحملته، رغم أن له تجمعا صغيرا باسم «اعتماد ملي» (إرادة الأمة). من ناحية أخرى فإن أسباب الغضب الذي تستشعره بعض الفئات ـ خصوصا قطاع الشباب ـ تحتاج إلى علاج.

أكرر أننا نتحدث عن الشأن الداخلي الإيراني، فنفتح ملفات ونخوض في أمور لا نستطيع أن نتطرق إليها في ما يخص أقطارا عربية أخرى، ومنها ما لا يجرؤ مواطنو الدولة أنفسهم على الحديث فيها، لكن أهمية التجربة الإيرانية ومواقفها الشجاعة في مواجهة الهيمنة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي، جعلت الشأن الإيراني برمته شاغلا للجميع.

استوقفني في السياق الذي نحن بصدده مقال كتبه باتريك سيل الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط قال فيه إنه لا يسع أحداً الآن أن يصدق أن ذلك المجتمع الناضج والحي والشفاف الذي يناضل من أجل العدالة والديموقراطية يرغب في أن يسيطر على الشرق الأوسط.. وعوضا عن أن تكون إيران مصدر خوف، قد تصبح مصدر وحي للشعوب في الشرق الأوسط التي تعيش معظمها في ظل أنظمة سياسية مستبدة ومتحجرة (الحياة اللندنية ـ 264/6) ـ ما رأيكم دام فضلكم؟

انشر عبر