شريط الأخبار

تجميد مؤقت..يديعوت

11:34 - 26 تموز / يونيو 2009

بقلم: ناحوم برنيع

في الساعة الرابعة بعد الظهر تماما ينهي العمال الفلسطينيون عملهم في مواقع البناء في معاليه ادوميم 07، الحي الجديد الواقع في الطرف الشمالي الشرقي من معاليه ادوميم. مرهقون من الحر يجلسون على الرصيف في الظل بانتظار السيارة التي تقلهم الى الباصات الصفراء التي تنقل الناس في الخطوط العامة في الضفة، في الخارج من وراء الجدار. هناك أسماء جميلة بمواقع البناء تلك، بعضها يعبق عبق التوراة والبعض الاخر يعبق برائحة الخارج. في الجهة المقابلة تنبسط امامك صحراء يهودا. في هذا الموسم من العام تكون هذه المنطقة عارية حارة لا عشب ولا غطاء، وانما فقط شمس لاهبة وخيام بدوية سوداء مغطاة بالغبار.

أمهات شابات يتوجهن الى رياض الاطفال لاخذ اطفالهن واعادتهم الى البيت حيث الاسطح القرميدية والشقق السكنية الحجرية ذات الشرفات الواسعة السخية التي تندفع نحو الخارج. أنا على قناعة أن أي واحدة من هؤلاء الامهات لا تعتقد أن وجودها في معاليه أدوميم هو تجسيد لمهمة وطنية، ولا تشعر واحدة منهن انها مستوطنة. الانجاز الاكبر للمشروع الاستيطاني هو انه قد تحول في التجمعات السكنية الكبيرة على الاقل الى اجماع وطني وأمر بديهي والى مستوى معيشة يماثل مستوى معيشة الطبقة الوسطى ولحما من لحم الدولة. الفشل الاكبر للمشروع الاستيطاني هو أن الاسرائيليين وحدهم هم الذين يفكرون بهذه الطريقة. أما في أي مكان آخر فهذا المشروع يعتبر عظمة في الحلق.

حركة السلام الآن تعكف الآن بالاساس على جمع معلومات حول البناء في المستوطنات وبثها في الخارج. هذا يبدو مثل الوشاية، قلت لسكرتير الحركة ياريف اوفنهايمر. "انا افضل ان يقولوا عنا اننا الوحيدين الذين نخوض الكفاح في الميدان حتى نكون هناك دولتان لشعبين". رد عليه. اذا انت تعتقد ان من المحظور البناء في معاليه ادوميم ايضا؟ سألته. "عندما تتسع معاليه أدوميم لتصل حتى القمر"، "فنحن نعارض توسيع معاليه ادوميم".

اوفنهايمر لفت نظري الى مؤشرين مثيرين نشرهما مكتب الاحصاء المركزي. في عام 2008 ذلك العام الذي كان فيه ايهود باراك وزيرا للدفاع ازداد حجم البناء في يهودا والسامرة بنسبة 42.7 في المائة. خلال الثلاثة اشهر الاولى من عام 2009 قل بنسبة 48.9 في المائة. هذا المنحنى الهابط عرض من قبل حكومة نتنياهو على الامريكيين الا انهم لم يتأثروا كثيرا.

جهد صغير آخر

في مطلع الاسبوع القادم سيتوجه ايهود باراك في مهمة عاجلة. من المفترض به ان يهبط في نيويورك للالتقاء بالمبعوث الامريكي جورج ميتشيل والعودة الى البلاد. التوقيت والصيغة يشيران الى شعور استعجالي في ديوان رئيس الوزراء. نتنياهو اخطأ عندما قرر الالتقاء بميتشيل في باريس. كان عليه ان يحلق من فوق المفاوضات كرئيس للوزراء وليس في داخلها. وهو اخطأ عندما ارسل المحامي اسحاق مولكو للتحدث مع ميتشيل. بعد ذلك ادعت بعض الاطراف في الحكومة انه مثل نتنياهو كمحام جادل بدل المصالحة وابدى الحذر بدلا من ابداء السخاء.

نتنياهو لم ينجح في تسوية الخلاف في قضية المستوطنات في لقائه مع الرئيس الامريكي وخلال سلسلة اللقاءات التي اجراها اتباعه بما فيهم براك فيما بعد. رحلة باراك اعتبرت محاولة اخيرة للتوصل الى تسوية من قبل ان تتحول الازمة الى صدع.

هذا ما سيقوله باراك لميتشيل تقريبا:

جورج انت تعرف مثلي ان هناك مواقف مختلفة حول قضية التجميد تتزاحم في حكومتنا. الرأي السائد في ديوان رئاسة الوزراء هو ان اوباما يخطط لاسقاطنا وانه لن يوافق على اية تسوية وان الطريقة الوحيدة لمعالجته تتم من خلال عدم القيام بأي شيء. خلال أسابيع ستغرق امريكا في مشاكلها في باكستان وافغانستان والعراق وسينسى امر الجدل حول المستوطنات. انا من موقعي اقول لهم انتم مخطئون. ربما كان اوباما يفضل حكومة اخرى لكنه لا يخطط لاسقاط الحكومة الحالية. هو يريد ان ينجح.

الرأي الثاني يقول، تفضلوا واجلبوا التطبيع مع السعودية حتى نعطيكم تجميد البناء. بداية علاقات مع السعودية وزيارات صحفيين واكاديميين ورياضيين ومكاتب مصالح – هذا يعتبر انجازا يمكن بيعه للجمهور في اسرائيل. نتنياهو سيكون جاهزا للسير بعيدا ان اعطيتموه هذا الانجاز.

انا اعرف انه عندما طرح الرئيس قضية التطبيع في لقائه مع الملك عبدالله، هز الملك رأسه من الاعلى للاسفل. هل يدلل ذلك على رد ايجابي؟ هو حرك رأسه ولكنه لم يقل شيئا.

الحكام العرب قلقون الان من ايران اكثر من قلقهم من اسرائيل. مع هذه الرسالة عدت من محادثاتي في القاهرة مع مبارك ومع عمر سليمان ومع وزير الدفاع طنطاوي. لماذا لا نستخدم المسألة الايرانية كرافعة للتسوية في المنطقة؟

انا اقول لرفاقي في الحكومة، من المحظور علينا ان نكون في الجانب غير الصحيح من المبادرة الشمولية التي يطرحها رئيس الولايات المتحدة. العقوبة ستكون افدح من ان نتمكن من تحملها. يتوجب السير بكل قوة نحو التسوية الاقليمية على أساس خريطة الطريق والدولتين. يتوجب السير نحو المرحلة الثانية من خريطة الطريق مرحلة الدولة الفلسطينية ضمن حدود مؤقتة. مراسيم الاعلان عن هذه الدولة ستجري في حديقة البيت الابيض بحضور حكام العالم العربي. هذا هام لنا ولكم. ان كان هذا يستوجب تجميد مؤقتا للبناء فسنعلن عن التجميد ضمن حدود القانون. شمعون بيرس يقول امورا مشابهة.

انت تسأل، هل هذا رأي نتنياهو ايضا؟ انا اقول لك ان أمامه ضرورات سياسية وايديولوجية ولكن هذا سيكون موقفه في اخر المطاف. الازمة مع الولايات المتحدة تقلقه جدا.

الدليل أننا أزلنا حواجز في الضفة بمقاييس لم يكن لها مثيل منذ الثمانينيات خلال الايام العشرة الاخيرة. خضنا مخاطرة بذلك. احد المسؤولين في الادارة قال لي انتم تفتحون حواجز بصورة مفرطة وسرعة مفرطة. بعد عدة اسابيع سينسون عدد الحواجز التي فتحت ويطالب بفتح المزيد.

(باراك لن يحدث ميتشيل عن الجانب الهزلي في ازالة الحواجز: هي اقيمت من اجل ضمان حركة المستوطنين على الطرقات وها هي الحكومة تحدق الخطر بالمستوطنين اليوم من أجل مستوطني الغد).

احدهم قال للرئيس، يضيف باراك، أن من الممكن تجميد البناء. عندما كان رابين رئيسا للوزراء جمد البناء مؤقتا. ما لم يقولوه له أن الحكومة قامت بالبناء بنفسها في عهد رابين. اليوم حيث أصبح كل البناء من القطاع الخاص سيجرنا كل تجميد الى المحاكم. هناك 2500 حتى 3000 وحدة سكنية في الاحتياط وليس بامكاننا ان نوقفها.

الرئيس يريد أن ينجح. ونحن أيضا. هيا بنا نعيد قضية المستوطنات الى حجمها الطبيعي. انت تعرف ما هو موقف الرئيس سيقول ميتشيل. في نظره المبدأ هام وليس التفاصيل. على حكومة اسرائيل ان تعلن عن التجميد. انت تعرف جيدا ان التطبيع مع السعودية هو أمنية وليس بضاعة مطروحة على الرف. ان اعطيتم التجميد مقابل التطبيع فسيشك الكثيرون ان هذه مجرد ذريعة. بالنسبة لي فأنا أبحث عن صيغة للتسوية. المنازل قيد البناء ستستكمل والمؤسسات العامة وبناء المؤسسات العامة سيتواصل. لن يكون هناك المزيد من البناء السكني حتى ليس في التجمعات الاستيطانية. كل جانب على قناعة أن الجانب الاخر قد صعد الى شجرة عالية. هيا بنا ننزل عن الشجرة.

حمص من دمشق

في شهر شباط 2007 بدأت المفاوضات السرية بين اسرائيل وسورية برعاية الحكومة التركية. بعد ذلك بمدة قصيرة زار دمشق رجل الاعمال الامريكي الشمالي ودعي للقاء طويل مع بشار الاسد. اسم ايهود اولمرت طرح خلال ذلك اللقاء. الامريكي حاول اقناع الاسد ان نوايا اولمرت جدية.

وخلال ذلك بصورة عرضية حدث الاسد عن أن الحمص هو أحد المأكولات التي يشغف بها أولمرت. رجل الاعمال أزمع على مغادرة فندقه في اليوم التالي في التاسعة صباحا. في الساعة التاسعة الا خمس دقائق قرع الباب ضابط سوري وأمسك بيده بجرة مليئة بالحمص السوري. "هذا من أجل رئيس وزراء حكومة اسرائيل قال له".

الرجل سافر من دمشق الى عمان ومن هناك الى اسرائيل. في نفس اليوم ظهرا جلب القدر الى ديوان رئيس الوزراء في القدس. اولمرت أمر بعدم اجراء فحص أمني في ذلك القدر فقد كانت هذه بادرة ثقة. اولمرت ورئيس طاقمه يورام تورفوفيتش ومستشاره السياسي شالوم تروجمان الثلاثة المشاركون في السر جلسوا حول الطاولة وأكلوا الحمص بنهم.

من الممكن القول أن صفقة معتمة قد عقدت هنا: الحمص مقابل الجولان ولكن الصفقة لم تعقد فقد ارسل الاسد الحمص الا انه شيد في السر منشأة نووية في شمالي سوريا. اولمرت بدوره اكل الحمص لكنه امر بالسر بمهاجمة تلك المنشأة والهجوم تم في ايلول.

الان هناك حكومة جديدة في القدس وهي لم تجرب بعد مذاق الحمص الدمشقي. ان كان الاسد يريد استئناف المفاوضات فمن الاجدر ان تدخل حبات الحمص في حالة تأهب واستعداد.

على طريق القماط

"من المحزن أن تكون رئيس بلدية في القدس" كتب الشاعر يهودا عاميحاي. عاميحاي وجه كلماته لرئيس بلدية آخر، الا ان الرئيس الحالي نير بركات يستطيع تبني هذه السطور واستداخلها. وفقا لكل المؤشرات تسير المدينة نحو صيف قائظ، ومشبع باعمال الشغب. الاصوليون يجمعون الاسلحة: قماط مزدوج الاستخدام مرة لبراز الطفل واخرى لقذف رئيس الشرطة وعربات القمامة. هناك عدد كبير من الاطفال في الاحياء الاصولية في القدس والكثير من العربات والكثير من الطاقات المكبوتة التي تبحث عن طريق للخروج.

شاهدت بركات في يوم الثلاثاء في القاعة الفاخرة جدا لمجلس المدينة. سقف خشبي وعليه رموز أسباط اسرائيل الاثني عشر يطل علينا من الاعلى. بركات صرح بأنه قد قرر فتح موقف السيارات البلدي في ساحة سفرا في يوم السبت. هو قرأ بيانه من الورقة المكتوبة امامه كلمة بكلمة. سمحوا للصحفيين بطرح اسئلة قليلة. بركات رد عليها بنغمة محبوسة منكمشا على نفسه وعابسا. تيدي كوليك تغلب على مثل هذه المشاكل من خلال العواطف هو كان يصرخ ويتهجم وينقض وعرف الناس أنه يكترث للمدينة أكثر من اكتراثه من السياسيين من حوله. بركات لا يمتلك هذه الميزة هو رئيس بلدية مفتقد للعواطف.

الاجنبي يجد صعوبة في فهم السبب الذي يتنازعون حوله في القدس. هذا النزاع غريب بصورة استثنائية. مصدره الهدوء الامني النسبي السائد في المدينة خلال السنوات الخمس الاخيرة. الهدوء اعاد السياح والمشترين الى البلدة القديمة: الالاف يأتون من كل انحاء البلاد في كل يوم سبت وهم بحاجة لمواقف لسياراتهم. قبالة شارع يافا شيد موقفان ضخمان: موقف كارتا وموقف ماميلا. في يوم السبت تحديدا اليوم المزدحم جدا تكون مواقف السيارات مغلقة. النتيجة انسداد مروري على طراز العالم الثالث: السيارات تتوقف على جوانب الطرقات وفوق الارصفة لتسد الافاق وتمنع حركة الناس وتعيق المرور وتشغل عشرات الشرطيين والشرطيات محدقة الخطر بالمشاة.

بركات العلماني انتخب على خلفية خوف العلمانيين في المدينة والتقليديين والمتدينين – الوطنيين من هيمنة الاصوليين. انتخابه ترافق بحماس شعبي وهتاف مفرط. مثلما حدث مع التباينات مثلا في طهران في هذا الاسبوع، الجوع من اجل التغيير كان اكبر مما يستطيع المرشح تلبيته.

بركات يعتقد ان اجتذاب المزيد من السياح للقدس ممكن سواء من الداخل او من الخارج. الحل الابسط لمشكلة وقوف السيارات يتمثل بفتح موقف كارتا. نائبه الاصولي يتسحاق فندروس من حزب ديغل هتوراه رد بأن هذا غير جيد. موقف كارتا قريب من حائط المبكى وفتحه في يوم السبت سيثير أعمال الفوضى والضجيج.

مثلما هو الحال دائما في القدس الذنب يضرب مؤخرة الكلب: من اللحظة التي نجحوا فيها في اظهار الصراعات وكأنها صراعات حول حرمة السبت اجبروا المؤسسة الاصولية بالسير في اعقابهم هكذا هو حال الاصوليين بمذاهبهم وطرقهم المختلفة. ولكن لهؤلاء الاصوليين مشاكلهم الخاصة: الازمة الاقتصادية في امريكا قلصت من حجم التبرعات التي تأتيهم وهم بحاجة الى صور صعبة من القدس حتى يجتذبوا المتبرعين. كل سياسي في القدس يعرف ان من المحظور الخضوع للطائفة الاصولية وخصوصا ليس في أيام الصيف. بركات يتأرجح بين الأمور الاضطرارية. اندلاع اعمال الشغب في يوم السبت سيفكك ائتلافه البلدي ويبعد عنه المتدينين المعتدلين. اما الخضوع فسيوجه الناخبين العلمانيين ضده. وهؤلاء يسمونه من الآن في لافتات الساحات والكتابات الجدارية على الطرقات "جبان وأرنب".

بركات أغلق موقف السيارات لاسبوعين الا ان ذلك لم يجد نفعا. الان هو يدرك ان الحل يتمثل بفتح موقف كارتا ولكن الموقف موجود تحت صاحب الاملاك المحامي يتسحاق مولكو، محامي نتنياهو. ويأمل بأن تأمر المحكمة مولكو بفتح الموقف. بركات يعرف ان الجميع من اصوليين وعلمانيين وسياسيين يتنافسون فيما بينهم ويرغبون باختباره ويفعلون كل ما بوسعهم حتى يفشل في الامتحان. تاريخ القدس هو تاريخ الخراب والدمار. هناك أسباب كثيرة للصراع والقتال في القدس. ومن كان يصدق أنهم سيخوضون الحرب من أجل موقف سيارات.       

انشر عبر