شريط الأخبار

منطقة صناعية، وليس دولة.. معاريف

11:47 - 21 تشرين ثاني / يونيو 2009


بقلم: درور مشعاني

من الصعب أن نقول ماذا كان اكثر اخافة، الخطاب الذي القاه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يوم الاحد الماضي في بار ايلان ام رد الفعل الجماهيري على ما قاله. ومهما يكن من أمر، فقد كشف الخطاب وردود الفعل عليه كم آخذة في الابتعاد امكانية انهاء الاحتلال والعيش بسلام مع الفلسطينيين، مثلما كتب بأسى الكاتب دافيد غروسمان.

من أجل انهاء نزاع عنيف استمر لعشرات السنين مطلوب ليس فقط "اصرار على حقوقنا" بل بالاساس قدرة على الاعتراف بصوت، معاناة وبحقوق الطرف الاخر. قد تبدو هذه مثل جملة "يسراوية"، ولكن من قالها هو بالذات نتنياهو نفسه، في خطابه هذا بالضبط معنى مطالبته القيادة الفلسطينية الاعتراف بحق اسرائيل في الوجود كدولة يهودية. غير ان ما يطلبه من الفلسطينيين ليس بوسعه ان ينفذه بنفسه. فخطابه كان مظاهرة مفزعة من العمى الطوعي، الرفض لسماع صوت من يسعى ظاهرا الى التصالح معه.

لم يكن في خطاب بار ايلان حتى ولو لحظة واحدة من النظر والاعتراف بالمعاناة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، على يد اسرائيل ويد دول وأنظمة اخرى في المنطقة. فقد قال نتنياهو ان "جذر النزاع كان ولا يزال رفض الاعتراف بحق الشعب اليهودي بدولة خاصة به". اقول ذلك بالكلمات الاكثر بساطة: هذا ليس صحيحا. الحقيقة ان جذر النزاع كان ولا يزال ايضا رفض اسرائيل الاعتراف في أن تحقيق هذا الحق، منذ 1948 وحتى اليوم جاء على حساب الفلسطينيين.

ولكن في عالم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وفي عالم معظم الاسرائيليين لا يوجد على الاطلاق شيء يسمى "حق الشعب الفلسطيني". لليهود يوجد حقوق تاريخية على ارض اسرائيل قال نتنياهو، اما الفلسطينيون ففقط يعيشون هنا (حاليا؟)، دون حقوق – كغزاة او كمتنقلين – وكأنهم علقوا في أرض اسرائيل بالصدفة، بحكم حادثة تاريخية ما.

من المهم التشديد ايضا على أن نتنياهو لم يعرض على الفلسطينيين "دولة فلسطينية"، وعلى الاقل ليس دولة يمكنهم ان يقبلوها، لان التحفظات التي وضعها رئيس الوزراء على عرضه تفرغ مفهوم الدولة من معانيه. فدولة لا تسيطر على حدودها، على مجالها الجوي، وليست ذات سيادة على ادارة العلاقات الدولية واتخاذ قرارات استراتيجية ليست دولة، بل منطقة صناعية.

في واقع الامر، بنيامين نتنياهو اقترح على الفلسطينيين عمل "وكأن لهم دولة"، مثلما في مسرحية الجساس الاعمى. حاولوا ان تفكروا من الجانب الاخر: عرضه يوازي أن يعترف الفلسطينيون باسرائيل كـ "دولة يهودية" بالضبط مثلما طلب، شريطة الا يكون فيها كنس.

رد الفعل الجماهيري الحماسي على الخطاب – التأييد في الاستطلاعات، ثناء المحللين – اوضح كم كان كاذبا. فلا أحد يفكر بأن أقوال نتنياهو قربت المصالحة بين الاسرائيليين والفلسطينيين بل كانت "مناورة لامعة" (وكم لامعة يمكنها ان تكون اذا ما أيدها الجميع؟)، أجبرت الفلسطينيين على أن يقولوا "لا". ولكن اذا كانت هذه الـ "لا" تحدث في اسرائيل رضا كبيرا بهذا القدر، فلعله ينبغي اعادة التفكير بما قاله نتنياهو في بداية خطابه، والتي جاء فيه "السلام كان دوما أمنية روح شعبنا". يتبين أن لا. أمنية روح شعبنا هي ضرب الفلسطينيين دون أن يشعر العالم.

انشر عبر