شريط الأخبار

السؤال يتعلق بالموقف من الحق والحياة ..علي عقلة عرسان

12:05 - 12 تشرين أول / يونيو 2009

 

السؤال يتعلق بالموقف من الحق والحياة

علي عقلة عرسان

 

سيلقي نتنياهو خطاباً غداً الأحد 13/6/2009 في جامعة "بارإيلان"،  جنوب فلسطين المحتلة، ينتظَر أن يبلور فيه موقفاً سياسياً لحكومته من مسيرة السلام والتفاوض مع الفلسطينيين، ويقدم رداً على طلب الرئيس الأميركي أوباما الذي أكد من القاهرة تبني إدارته: "حل الدولتين، ووقف البناء في المستوطنات، والعودة إلى خريطة الطريق.". وتنهال على نتنياهو المقترحات من الداخل والخارج ليختار ما يجعله وحكومته بعيداً عن الصدام مع الرئيس الأميركي وإدارته من جهة وعن عزلة عالمية منتظره إذا هو رفض حل الدولتين الذي وافقت ليه حكومات صهيونية سابقة وتوافق عليه معظم دول العالم.

نتنياهو ليس حائراً ولا يعمل الآن ليكتشف طريقه ويعرف ما يريد، فهو وحلفاؤه في الداخل والخارج يعرفون ما يريدون ويعملون من دون هوادة لتحقيق استراتيجياتهم الصهيونية المتشددة حيث تصبح مضامينها وأهدافها وقائع على الأرض، تشكل " حقائق" لا يمكن القفز فوقها، كما أصبح عليه وضع المستوطنات الضخمة حول القدس وتوطين ما يزيد على نصف مليون يهودي في الضفة الغربية والقدس.. نتنياهو مطمئن إلى استمرار مسارات صهيونية حيوية على الأرض في القدس والضفة الغربية على الخصوص، ولكنه يريد أن يقدم خطاباً مقبولاً يفتح باب المناورة والخداع لزمن صهيوني قادم يستثمر فيه اليمين ويربح رهاناته التاريخية، ويريد أن يضيف إلى المطالب الإسرائيلية طلبين رئيسين على الأقل لم يقبلهما العالم بعد، يقدمهما في إطار الشروط الرئيسة للسير في طريق التفاوض الإيهامي مع الفلسطينيين، وهما: يهودية دولة إسرائيل، والقضاء على ما يسميه الخطر النووي الإيراني. وهو مطمئن إلى أن الطلبات الأخرى التي ما زالت في المنطقة الضبابية سوف تُقبل بسهولة لأن حلفاءه الغربيين ومن يواليهم من العرب يقبلون بها ويعملون على إقناع الفلسطينيين والعرب بقبولها، ومنها رفض حق العودة والتعويض للتوطين، وضع " الدولة الفلسطينية" المنتظَرة حيث تكون دولة بلا جيش ولا حدود مباشرة مع الدول العربية، سماؤها مفتوحة للطيران الإسرائيلي، وزمام أمنها بيد المحتل.. وهي سوق "لإسرائيل" تتمدد منها إلى أحشاء الدول العربية المجاورة في إطار ما يسميه نتنياهو السلام الاقتصادي.. إلى آخر تلك الطلبات التي تجعل من تلك الدولة الفلسطينية " المخرَّقة" بالمستوطنات مجرد بلدية كبيرة.

في خطابه لن يستطيع التغاضي عن مطالب معلنة لإدارة أوباما، ولهذا ربما يعلن عن التزامه بخريطة الطريق التي تؤدي كل خطوة فيها إلى الخطوة التالية، وإلى دولة فلسطينية على مراحل، أي دولة بلا حدود في المرحلة الأولى، وهو ما تخطته أنابوليس ولكن ذلك التخطي معطل. وهناك من يحث نتنياهو على تبني هذا الخيار الذي يلائم طبيعته المخادعة من جهة، ويوفر له مجالاً واسعاً للمناورة والتعطيل وكسب الوقت من جهة أخرى.

ففي رسالة مفتوحة وجهها إليه جلعاد شارون ذكره بالتزامات الإدارة الأميركية في عهد الرئيس بوش ومنها بأنه ورد في خريطة الطريق: "يعلن الفلسطينيون وقفا لا لبس فيه للعنف والإرهاب ويلتزمون جهودا جلية في الميدان لوقف وإحباط ومنع أشخاص وجماعات من تنفيذ وتخطيط هجمات عنيفة على إسرائيليين في أي مكان... ويبدأ جهاز الأمن الجديد للسلطة الفلسطينية عمليات متصلة ومركزة وناجعة، ترمي إلى مواجهة كل من يعملون في الإرهاب ونزع قدرة الإرهاب وبنية الإرهاب التحتية. تشتمل هذه الأعمال على مصادرة السلاح غير القانوني وإقامة سلطة أمنية بريئة من الإرهاب والفساد". ولا انتقال إلى المرحلة الآتية حتى يتم الفلسطينيون المرحلة الأولى، فالتقدم مشروط بالتنفيذ. وهناك أربعة عشر نقطة اعتراض سجلها شارون على الخريطة المشار إليها وهي توفر "البضاعة المطلوبة لنتنياهو" لا سيما وأن الرئيس الأميركي طالب الأطراف المعنية بالالتزام بخريطة الطريق.

لا أشك في أن الكلمات الإيجابية شكلياً التي سيلقيها نتنياهو في بار إيلان سوف تحظى بتغطية إعلامية هائلة وبقبول سياسي غربي واسع، وستعطي أثرها ولو إلى حين، فهناك من يتهيأ لجعلها كرماً وتنازلاً واستجابة إسرائيلية قصوى للرئيس الأميركي، تضخَّم إلى الحد الذي يجعل إسرائيل خارج دائرة الضغط أو المطالبة بتقديم أي شيء إضافي، فخريطة الطريق مقرَّة إسرائيلياً وعربياً ودولياً، وقد تعهد الأميركيون بألا يكون لها بديل، ومن ثم فقد توضع المبادرة العربية بجلال قدرها على الرف.. وهي جديرة به وذلك أمر إن تم لا يؤسف عليه في الواقع، فالمبادرة تقدم للكيان الصهيوني ما لم يحلم به من جانب وتدفع تنازلاتها إلى مطالبة العرب بتنازلات أخرى تشمل حق العودة والتوطين، رداً على " تنازل" نتنياهو بقبول خريطة الطريق؟!. وبعد هذه الخطوة " التطور"؟!" سوف نبدأ من النقطة التي تعطل فيها سير خريطة الطريق التي يشترط السطر الأول فيها حرباً أهلية فلسطينية بين المقاومة والسلطة، وهو ما كان يهيئ له وما زال يهيئ له غلوب باشا فلسطين الجنرال الأميركي كيت دايتون، وما تشحن الأجواء به. والعدو الصهيوني سيطالب بالتمسك بتلك الخطوة التي تليها من جانبه خطوة تتعلق بإزالة المستوطنات وهي خطوة مشلولة عملياً بتعهد الرئيس الأميركي بوش لشارون، وهو تعد لم يلغ رسمياً، ولم يتطرق له أوباما في القاهرة، حيث تكلم عن وقف الاستيطان ولم يتكلم عن تفكيك مستوطنات رئيسة.

الوزير الصهيوني بيني بيغن يقول لمحازبيه وباسمهم: " حل الدولتين يعني عدم وجود حل"، لأنه من الفريق الذي يمثل نتنياهو في السر ويزاود عليه في العلن.. فالحكم الذاتي الفلسطيني بإشراف إسرائيلي هو ما يختاره نتنياهو وما يراه المخرج الأمثل لحل قضية فلسطين، وهو ما أشار إليه مراراً وتكراراً قبل أن يؤكد الأميركيون على حل الدولتين الذي قد يزحزحه نحو خريطة الطريق تلبية شكلية لرغبة حليف استراتيجي كبير. ولكن ما الذي سيكون عليه الموقف من يهودية الدولة، بما يعنيه ذلك من مخاطر على حق العودة وعلى فلسطينيي 1948 الذين يهدَّدون بالترحيل من وطنهم ويهدَّدون في جوهر مواطنيتهم في وطنهم الأصلي التاريخي الوحيد فلسطين.. وهو موقف بدأ يحتل موقعاً ثابتاً من الخطاب إسرائيلي ولم ينقضه الرئيس الأميركي الجديد وقال به رئيس أميركي سابق، وكرس على نحو ما في أنابوليس؟ وماذا عن الموقف من إيران؟ نتنياهو يطرح على العرب تحالفاً ضد إيران وخطرها النووي الذي "يهددهم"، ومن تحت الطاولة ربما يطرحون على إيران تحالفاً ضد العرب في إطار الفتنة بين السنة والشيعة التي يعملون على إشعال نارها، وهي استراتيجية صهيونية ما زالت خياراً إسرائيلياً استراتيجياً، ولها في بعض الأوساط الرسمية العربية من ينظر إليها بإيجابية بوصفها مخرجاً من أزمات ومدخلاً للتخلص من أخطار موهومة يبدو في ظلها الخطر الإسرائيلي مقبولاً؟!

من المؤكد أن قوى المقاومة العربية ومن يقف معها من المسلمين، ودولاً عربية قليلة، وقوى تحرر عالمية كثيرة.. كل أولئك يعون جيداً النهج الصهيوني العنصري، وكيفية صنع القرار في المؤسسات الدولية المسيطر عليها غربياً، والأساليب الغربية الملتوية في التعامل مع الدول والشعوب وحركات التحرر، ويدركون مدى فعالية قوى أميركية وغربية مناصرة للصهيونية ومشروعها الاستعماري، وقوة نفوذها في مؤسسات أميركية وأوربية حاكمة وفي دوائر صنع قرارات الحصار والحرب والسلم، وتأثيرها على الرأي العام.. ويدركون أيضاً موقف الصهاينة والمتطرفين الغربيين من العروبة والإسلام.. فقد شنت حرب أميركية مدمرة على العراق تحت شعار "الحرب الصليبية المقدسة" بشعارات دينية وأهداف عدوانية مقيتة، وهناك حرب مستمرة على أفغانستان يشارك فيها حلف شمال الأطلسي بدوله العديدة وقواه الفتاكة التي لا توفر طفلاً ولا امرأة.. وهناك فتنة في باكستان تكاد تذهب بسببها البلد.. فكيف سيكون موقف القوى المحبة للعدل والسلام، المتعلقة بالحرية والمدافعة عنها، الكارهة للتعصب والعنصرية والتطرف من تلك التوجهات الإمبريالية ـ العنصرية التي ما زالت سائدة، ومن منطق القوة والخداع؟ ومن العدوان وتملص المعتدين من دفع ثمن عدوانهم وجرائمهم؟.. ومن خريطة طريق لا تؤدي إلى أي طريق؟ ومن حق الشعب الفلسطيني بعد أكثر من ستين سنة من المعاناة والإهمال؟ ومن الخداع الصهيوني المستمر منذ عشرات السنين وقد أصبح نهجاً مرْضياً عنه في الغرب ومعتمداً في سياسات معلنة؟ وما هو موقفها من تفريط بالحقوق والحياة يصل إلى حد الإبادة والسكوت على جرائم الحرب، والمعتقلات المفتوحة منذ عقود من الزمن لفلسطينيين متلقين بالحرية؟ ومن هو ردهم على المطالبة بالتنازل عن حقوق أصلية لا تقبل التصرف منها حق عودة الإنسان إلى وطنه الذي طُرد منه، ومن قضايا لا تقبل التأجيل هي قضايا أجيال، ومن توتر يصل بالعالم إلى حدود الأزمات المتجددة وربما إلى تهديد الأمن والسلم العالميين وإشعال الحروب..؟ هل يناصرون نهج القوي المخادع ويتركون الضحية للجلاد.. أم تراهم سيكونون خارج دائرة الحسابات المهيبة لدول وقوى ترسم مصير الدول والشعوب، من دون اكتراث بالحق والحرية والقيم والإنسان؟.. أم سيكون لهم موقف آخر ورؤية أخرى.؟ هناك مواقف إيجابية ظهرت بشائرها ودلائلها في العدوان الصهيوني على غزة.. ولا أظن أن تلك المواقف تبقى من دون تفاعل مع الحدث ومن دون تأثير فيه وموقف منه.؟ إن موقف الكيان الصهيوني سواء أتى من نتنياهو أو من سواه، سيكون في اتجاه ترسيخ الاستعمار الاستيطاني العنصري الإحلالي وتوسيعه وفرض هيمنته، والاعتراف بدولة للكيان الصهيوني في فلسطين وعلى حساب الشعب الفلسطيني وحقه التاريخي في وطنه سيأتي نتيجة تطبيق خريطة الطريق أو المبادرة العربية.. وهو ما سترفضه الأجيال العربية القادمة، حتى لو قبلته حكومات وسلطات وحركات عربية وفلسطينية تدّعي تمثيل الشعب الفلسطيني وتقوم بالوصاية على القضية العادلة قضية فلسطين.. ولكن على المدى القريب، مدى التعامل من الحدث اليومي، يبقى السؤال المتصل بالمعاناة وبالأمل.. ما هو الموقف العربي من خريطة الطريق بعد التجريب والتطريب والتثريب الذي رافقها لسنين وسنين، وأسفر عن دم فلسطيني مراق، وأرض فلسطينية منهوبة، وقدس برسم التهويد، ومقدسات منها المسجد الأقصى برسم الهدم والتدمير؟

  سؤال لا أظن أن هناك إجابة عربية مرضية عليه، أما إجابة من يقول: إذا لم يبق لنا سوى عظْمة ملقاة في الطريق فلنأخذها قبل ألا يبقى لنا حتى تلك العظْمة.. فهي إجابة لا يقبلها الإنسان، أي إنسان يتمتع بالحد الأدنى من الكرامة.. ومن يكتفي في حياته من حقوقه التاريخية بعظْمة ملقاة في الطريق لا يستحق حقوقاً منها الوطن والحرية والكرامة، والانتماء لأمة ذات تاريخ وحضارة وعقيدة، وقد لا يستحق الحياة ذاتها.. فالسؤال يتعلق بالموقف من الحق والحياة.

 

موسكو في 12/6/2009

  

 

 

 

انشر عبر