شريط الأخبار

أوباما الثيولوجي... أوباما المؤرخ... وأوباما السياسي ..د. بشير موسى نافع

09:00 - 11 حزيران / يونيو 2009

أوباما الثيولوجي... أوباما المؤرخ... وأوباما السياسي

د. بشير موسى نافع

كانت المصادفة وحدها ما أوصلني إلى القاهرة قبل يومين من وصول الرئيس الامريكي للعاصمة المصرية، وعاصمة العالم العربي، كما كانت تعرف حيناً من الدهر. وقد راقبت، مثل ملايين العرب والمسلمين، استقبال الرئيس الامريكي في القصر الجمهوري وزيارته مسجد السلطان حسن، أحد أبرز المعالم المعمارية المملوكية، في مربع المساجد الكبير في قلب القاهرة القديمة، ومنه إلى قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة. عندما شاع أن أوباما سيلقي خطابه من قاعة محمد عبده في مقر جامعة الأزهر، لم أشعر بالارتياح؛ فالأزهر لا يجب أن يكون منصة لخطابات الرؤساء، حتى تلك الموجهة من رئيس امريكي للعالم الإسلامي. القاعة الكبرى بجامعة القاهرة كانت أكثر مناسبة؛ وهي قاعة ذات تاريخ عريق، على أية حال. بمعمارها الفرعوني - الروماني - الإسلامي الحديث، تحتل القاعة، التي بنيت في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، قلب الحرم الجامعي، وتفرض وجودها على أفق كل من يطل على مشهد الجامعة المصرية والعربية الأولى. هنا مر وتحدث قادة الفكر والثقافة المصرية في القرن العشرين، وهنا اعتاد عبد الناصر أن يخاطب المصريين والعرب كل عام، وهنا، ولا بأس من التذكير أيضاً، أنشدت أم كلثوم وقاد عبد الحليم نويرة فرقة الموسيقى العربية. كنت يوماً طالباً بجامعة القاهرة، وما زلت أذكر هيبة وسحر ووقع المكان، عندما دخلت القاعة للمرة الأولى، في مناسبة اعتصام طلابي سياسي، وليس احتفالاً. والقاعة اليوم تستقبل أول رئيس امريكي يرغب في مخاطبة العالم الإسلامي.

استقبل أوباما استقبالاً حافلاً في السعودية ومصر، ووجدت زيارته للبلدين العربيين ترحاباً واسعاً من الشارع العربي. الاستقبال الرسمي لم يكن مستغرباً؛ فالسعودية ومصر تربطهما بالولايات المتحدة علاقات وثيقة وطويلة، ولو كان الرئيس السابق بوش قد اختار توجيه مثل هذا الخطاب للعالم الإسلامي، لكان استقبل بمثل هذه الحفاوة في الرياض والقاهرة. عندما زار الرئيس الامريكي نيكسون مصر في منتصف السبعينات، قابل استقبالاً أسطورياً، لم يمح من ذاكرته حتى بعد أن أطاحته فضيحة ووترغيت. المهم في زيارة الرئيس الامريكي الجديد لم يكن الاستقبال الرسمي الترحيبي الكبير، بل الاهتمام والتوقعات الشعبية؛ وسواء بفعل التغطية الإعلامية الكثيفة، أو بفعل الأمنيات الكامنة في الضمير الجمعي الإسلامي، كانت التوقعات العربية الشعبية كبيرة، ربما أكبر بكثير من حجم توقعات المسلمين غير العرب. فكيف يمكن إذن تقييم خطاب أوباما؟

هذا رئيس مختلف بلا شك، وهو مختلف في مقاربته للشأن الإسلامي عن سابقه. وربما سيساعد هذا التغيير الإيجابي في الخطاب في انحسار الاستقطاب والهجمة العالمية المسمومة التي تعرض لها العرب والمسلمون خلال السنوات الثماني الماضية. لم تبرز هذه اللغة التصالحية في قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة، بل هي اللغة التي تبناها أوباما منذ بداية حملته الانتخابية. وقد يكون لهذه اللغة جذور أخلاقية، وتقدير عال لقيم العدل والمشترك الإنساني لدى هذا الرئيس ذي الخلفية المدهشة والثقافة الأكاديمية الرفيعة. ولكن الأهم في أصول هذه اللغة هو الشعور المتعاظم بالأزمة لدى الطبقة الامريكية الحاكمة. الولايات المتحدة هي دولة مدينة، دولة تعاني من التراجع النسبي في قدراتها على المنافسة، مقارنة بالقوى الأخرى المرشحة بالصعود إلى مصاف القوى الكبرى، وهو تراجع يعود إلى ما قبل تولي بوش للحكم. ما حاولته إدارة بوش كان الخروج من أزمة التراجع بالحروب، ولكن الإخفاق المتكرر في حروب إدارة بوش فاقم من الأزمة الامريكية؛ ولذا، فقد جاء دور المصالحات، المصالحات مع العرب والمسلمين، ومع العالم ككل.

أما على صعيد الجوهر، فربما يمكن القول أن كلمة أوباما للعالم الإسلامي احتوت ثلاثة أصناف من الخطاب: كان هناك أوباما الثيولوجي، أوباما المؤرخ، وأوباما السياسي. تحدث أوباما الثيولوجي عن الإسلام وقيمه، تحدث عن رؤية الإسلام لإزهاق النفس وإنقاذها، عن موروث التسامح والتنوع والتعايش، عن القول السديد، واستدعى آيات القرآن الواحدة تلو الأخرى، ليدلل على موضوعاته ويظهر معرفته الحميمة بالنص الإسلامي المؤسس. وربما كان الرئيس الامريكي الذي نشأ في أوساط مسلمة يدرك أن هذا الجانب من خطابه يعزز من علاقته بمستمعيه، ولكنه لم يتوقع مثل هذا التصفيق والحماس لكل أشارة منه إلى الإسلام وكتابه. كانت النخبة المصرية التي امتلأت بها قاعة احتفالات جامعة القاهرة تتوق إلى تعظيم المشترك بينها وبين القوة العالمية الكبرى، بعد سنوات بوش العجاف التي لم تخلف وراءها إلا الدماء والصراع والخوف؛ وتتوق فوق ذلك إلى الاعتراف الامريكي بها، إلى الإقرار بوجودها، ولو كشريك صغير على خارطة العالم. وقد نجح أوباما كما لم ينجح رئيس امريكي سابق في الاستجابة لهذه الرغبة المستبطنة لدى المسلمين، ممثلين بزهاء ثلاثة آلاف من الدوائر الثقافية والسياسية والدينية المصرية، بما في ذلك شيخ أزهرهم العريق.

بيد أن المشكلة لم تكن في أوباما الثيولوجي، بل في أوباما المؤرخ والسياسي. هنا كانت رسالة الرئيس الامريكي مزدوجة أحياناً، وغامضة أحياناً، وفاتنة في أحيان أخرى. الحقيقة أن أوباما المؤرخ تحدث كمستشرق ليبرالي عطوف، وكانت لغته ربما أقرب إلى جب وحوراني، منه إلى لويس وكريمر. تحدث كمعلم، يدعي معرفة المجتمعات الإسلامية أكثر مما تعرف عن نفسها، موحياً لمستمعيه في الآن نفسه أن كل ما يريده هو الخير لهم ولمجتمعاتهم، جامعاً بين براغماتية السياسة وحصافة المؤرخ، لم يكرر أوباما مقولات الديمقراطية الفجة التي تبنتها إدارة بوش، وأكد على قناعته بأن المجتمعات تختلف في أنماط تعبيراتها السياسية. ولكنه عاد إلى ميراث المستشرقين المتراكم في رؤيته للمجتمعات العربية باعتبارها طوائف وجماعات من أقليات وأكثريات منقسمة على نفسها. لا يمكن بالطبع تجاهل ترحيب بعض المسيحيين المصريين واللبنانيين بإشارته حول حقوق الأقباط والمارون، أو ترحيب بعض المسلمين بشجبه للتوتر بين السنة والشيعة، ودعوته إلى أن تحترم الأكثريات المسلمة حقوق الأقليات. ولكن الرئيس الامريكي تجاهل أن ميراث هذه المنطقة من العالم لا يعرف أقليات وأكثريات، وأن العرب على وجه الخصوص قد تعبوا من تعريفاتهم الطائفية والمذهبية. وحتى حديثه عن تسامح الإسلام لم يخل من نزعة استشراقية، فالرئيس المثقف الكبير لم يدرك ربما أن الاجتماع الإسلامي لم يكن يحتاج تطوير قيمة التسامح، لأنه يرتكز إلى فرضية مسبقة بحق الوجود والعيش لما هو غير إسلامي. وإلا، فكيف يمكن فهم هذه الاستمرارية الطويلة لتعددية الملل والطوائف والأعراق في بلاد الإسلام التاريخية.

أوباما السياسي كان أكثر إشكالية. في الجانب الإيجابي، يذكر لأوباما أنه حافظ في خطابه السياسي على تعبيرات هادئة، وابتعد عن اللغة المانوية للخير والشر التي صبغت مقاربات إدارة بوش لشؤون المنطقة. لم يتهم حماس أو حزب الله بالإرهاب، وتجنب وصف إيران وسورية بأوصاف محور الشر ودعم الإرهاب. بل أنه أكد على خيار إدارته التفاوضي في التعامل مع الملف النووي الإيراني، معترفاً بوضوح أن مصدر التهديد الذي يمثله هذا الملف لا يتعلق بالخطر على المصالح الامريكية في المنطقة، بل باحتمالات إطلاقه لتسابق تسلح نووي في الشرق الأوسط (وهو ما يهدد التفوق الإسرائيلي النووي، لا المقدرات الامريكية). من جهة أخرى، دعا الرئيس الامريكي إلى تسوية للصراع على فلسطين تستند إلى حل الدولتين. ولكنه لم يشر، لا من قريب أو بعيد، إلى حدود 1967 أو إلى مرجعية القرارات الدولية؛ ما أشار إليه كان خارطة الطريق. وبالرغم من أنه أقر بأن الحرب على العراق كانت حرب خيار لا حرب اضطرار، لم يتقدم ولو بشبه اعتذار للشعب العراق على الدمار والموت والتهجير الذي تعرض له، أو عن انهيار بنية دولته وفرض دولة منقسمة على ذاتها عليه. ما قاله بشأن العراق كان العكس تماماً، مسارعاً إلى تسويغ الحرب بأنها وضعت الشعب العراق في وضع أفضل مما كان عليه قبلها؛ وهو موقف متخلف حتى عن خطابات أوباما الانتخابية. أما بشأن أفغانستان/ باكستان، فقد أكد الرئيس على مواصلة الحرب التي تشنها بلاده على شعبي البلدين، بدون أن يوحي حتى بإمكانية اللجوء في المستقبل القريب إلى التفاوض مع القوى المعارضة للوجود الامريكي. وكما كان متوقعاً، أعلن أوباما تخليه عن سياسة نشر الديمقراطية، منهياً، كما يبدو، آمال القوى الليبرالية العربية التي وضعت رهانها منذ سنوات على الدعم الامريكي. المشكلة، أن أوباما لم يضع بلاده في موضع الحياد في الصراع الدائر على المستقبل السياسي للمجال العربي، بل سبق خطابه بكيل المديح لحكمة ودور حكام عرب أصدقاء للولايات المتحدة، ليست الديمقراطية خصيلة بارزة من خصالهم.

ربما أكون مخطئاً، ولكن حديث أوباما في باريس إلى الصحافيين كان التفسير الأهم لمقاطع خطابه المتعلقة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي. فبخلاف التقاليد الغربية السياسية منذ نهاية العشرينات من القرن الماضي، التي حرصت دائماً على الفصل التفاوضي بين الفلسطينيين ومجالهم العربي، قال الرئيس الامريكي أن العرب (يقصد الأنظمة العربية) لا يمكن أن يتركوا الفلسطينيين وحدهم، أو أن يقولوا أن لا شأن لهم بالخيارات الفلسطينية. العرب، قال أوباما، مسؤولون أيضاً عن عملية السلام. ما تستبطنه هذه الدعوة إلى الانخراط العربي في الشأن الفلسطيني، أن على العرب أن يأخذوا الخطوة الأولى لتشجيع الإسرائيليين على التفاوض؛ أو، باختصار، إعلان العرب سلاماً وتطبيعاً شاملين مع الدولة العبرية، قبل أن يبدأ التفاوض الجاد للتوصل إلى تسوية، لا يعرف أحد ما تبقى من مسوغاتها على الأرض.

 

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

 

انشر عبر