شريط الأخبار

هيكل في قراءة لخطاب أوباما(1): السعودية رفضت استضافة الخطاب

01:14 - 09 تموز / يونيو 2009

هيكل في قراءة لخطاب أوباما(1): السعودية رفضت استضافة الخطاب

وأوباما اختار إندونيسيا وتم استبعادها لأسباب جغرافية

فلسطين اليوم- الشروق المصرية

تنشر «الشروق» اليوم الجزء الأول من الحوار المهم الذى أجرته مع الأستاذ محمد حسنين هيكل حول خطاب الرئيس أوباما فى جامعة القاهرة، وكانت له أصداؤه القوية فى مصر وخارجها. وكانت «الشروق» قد أوفدت مجموعة من كتابها لإجراء الحوار الذى استغرق ثلاث ساعات، واتفق أن يتم على مرحلتين، فى الأولى يعرض الأستاذ هيكل لملابسات توجيه الخطاب والرسالة التى أراد الرئيس الأمريكى توصيلها إلى سامعيه. وفى الثانية يجيب عن أسئلة مجموعة كتاب «الشروق»، التى ضمت كلا من جميل مطر وهانى شكر الله وفهمى هويدى، وقد انضم إليهم إبراهيم المعلم رئيس مجلس الإدارة.

هذا هو نص الجزء الأول من الحوار الذى جرى فى «برقاش» مقر الأستاذ هيكل شبه الدائم الآن.

هو نجم شديد السطوع، وقصة إنسانية رائعة بأى معيار، وهو شخص رائع. هذا رجل جاء من لا مكان ووصل إلى قمة العالم، وبصرف النظر عن أى شىء آخر، فنحن أمام ظاهرة نجم لا شك فيها، شخصية قادرة على أن تحكى، وعلى أن توجه، وعلى أن تعبر. وأما إذا كان هو القوة الحقيقية فى أمريكا، فتلك قضية أخرى، فأنا أعتقد أن مؤسسة قوية اختارته للتعبير عنها فى لحظة أزمة تواجه أمريكا، أو فى لحظة أزمات تواجه أمريكا، وأنا أعتقد أنه يؤدى دوره بامتياز.

والأزمة التى جاء أوباما ليعبر عن احتياجاتها هى أزمة فى السياسة الأمريكية، ولكن ليس هناك إقرار بين الدوائر الحاكمة فى أمريكا أن هذه السياسة فشلت، ولكن هناك إقرارا بأن التعبير عنها قد فشل، وأن فشل بوش كان فى التعبير، وفى الشعار، الذى اختير للمعركة. فكل قوى عظمى فى اعتقادى تحتاج لشعار تدير به معركتها. اختير شعار الديمقراطية فى لحظة من اللحظات. الاتحاد السوفييتى، على سبيل المثال، اختار شعار المساواة بين الناس. وفى فترة أخرى، اختارت أمريكا شعار مكافحة الشيوعية، حتى جئنا إلى لحظة وجدت أمريكا نفسها بلا عدو، ثم تبدى ذلك للعدو، تبدى فى لحظة تالية باعتبار الإرهاب مقترنا بالإسلام، ثم كان أن وصلت هذه المعركة فى التعبير عن مطالب الإمبراطورية الأمريكية إلى طريق مسدود.

فالحرب على الإرهاب، وإدخال الإسلام فيها، لا يمكن أن تكون معركة حقيقية، لأنها معركة بلا نهاية، ومعركة بتكلفة هائلة، ومعركة بغير ميدان، وبلا شعار ممكن شرحه للناس بطريقة مقنعة. وعلى أى حال فشلوا، وبات واضحا تماما أنهم فى حاجة إلى تعبير جديد. والرجل الذى أتى حاملا للتعبير الجديد، أوباما، هو شخصية إنسانية بديعة، وهو قادر على أن يؤدى المهمة التى جىء به من أجلها. وعندما أقول إن هناك مؤسسة جاءت به فهذا لا يقلل من شأنه. وليس نظرية مؤامرة، فأنت لا تدعو لنظرية مؤامرة حين تؤكد أن الدول والحكومات تعبر عن مصالح حقيقية فى المجتمع، والرأسمالية الأمريكية من حقها شأن أى قوى أخرى أن تأتى بمن يمثل المؤسسة أو أن تساعده على الوصول.

ونحن رأينا هذا بأشكال مختلفة.. رأيناه فى وقوف برنارد باروخ، ممثلا للمؤسسة المالية الصناعية بجانب روزفلت. ورأيناه مع كارتر، ممثلا فى اللجنة الثلاثية أو Trilateral Commission، بمشاركة يابانية وأوروبية وأمريكية. لأنه لا يمكن تصور، تحت أى وضع، أن المؤسسات صاحبة المصالح تترك مصالحها للأهواء السياسية، فلابد وأن توجد فى السياسة بشكل أو بآخر، وعندنا فى مصر مثلا المجلس الأمريكى المصرى، ولجنة السياسات. ليس فى الأمر مؤامرة، لكن من الطبيعى تماما أن تعمل المصالح الموجودة فى بلد ما على أن تعبر عن نفسها سياسيا، وأن تضمن مصالحها سياسيا.

دعونا نبدأ من هنا إذن. أنا أتصور أننى أمام المشهد التالى: هناك تغيير فى الرسالة، تغيير فى التعبير، لكن لا تقول لى إن هناك تغييرا فى السياسات. فإذا أريد تغيير فى السياسات ــ أود أن ألفت النظر إلى أنه فى أمريكا ــ إذا أريد تغيير السياسات، فمكان هذا هو الكونجرس وليس جامعة القاهرة. أنا أمام تعبير جديد، يوجه للعالم الإسلامى، بعد نهاية وسقوط خطاب عقائدى معين، فالتعبيرات القديمة فشلت، ولكنه ليس تغييرا فى السياسات، فلا يمكن لتغيير فى السياسات أن يبدأ من القاهرة، أو من جامعة القاهرة. فأنا أمام تغيير فى التعبير، وليس تغييرا فى السياسات.

التعبير الجديد موجه إلى العالم الإسلامى، أو دعوة للعالم الإسلامى، لأن الحرب الإمبراطورية فى عالمنا تحت شعار الحرب ضد الإرهاب وصلت لطريق مسدود. أنت إذن تحاول التراجع عن هذا الطريق المسدود، وبشكل أو بآخر تبحث عن وسيلة لتحقيق هذا، وعن خطاب جيد، وعندك النجم المؤهل والقادر على توجيه ذلك الخطاب.

دعونا ننتقل إذن للحديث فى عدة أشياء متعلقة بهذا الخطاب. أولا، كانت هناك حاجة إلى خطاب جديد، لأن هناك تغييرا فى التعبير، وأن هذا التعبير الجديد يجب أن يعلن عنه من داخل العالم الإسلامى. وأنا أتكلم هنا كمراقب صحفى، فقد قامت مناقشات طويلة جدا فى واشنطن فيما يتعلق بأى العواصم يقع عليها الاختيار لتوجيه الخطاب. وذكرت أربع عواصم هى العاصمة الإندونيسية، جاكرتا، والعاصمة السعودية، كما ذكرت أنقرة، وذكرت القاهرة.

أقول، وأنا متابع مهتم لما جرى، أن نقاشا دار فى واشنطن حول كل هذه العواصم. جاكرتا كانت من اختيار أوباما نفسه، لأنه يعرفها، وعاش فيها عدة سنوات فى طفولته، ولديه خبرة بها، كما أنها كبرى البلاد الإسلامية من حيث عدد السكان، ولكن قيل له وبوضوح إن إندونيسيا بعيدة جدا عن قلب العالم الإسلامى، وبعيدة عن تاريخه، وقد لا تكون هى المكان المناسب. أما السعودية فلم تكن راغبة، ومنذ البداية قالت إنها لا تريد خطابات أو مؤتمرات عندها، وهى موجودة فى خلفية الصورة، تتصرف أو تبدى رأيها. ولم تكن مصادفة أن أهم الصحف السعودية التى تصدر فى لندن عمدت فى تغطيتها لزيارة أوباما إلى الرياض قبل مجيئه للقاهرة، على التأكيد فى عناوينها أن «أوباما فى السعودية لأخذ المشورة قبل مخاطبة العالم الإسلامى من القاهرة».

عند نقاش واشنطن لمسألة اختيار العاصمة الأنسب لخطاب أوباما، أبدت خمسة اعتراضات أساسية على القاهرة، أولها: أن القاهرة منغمسة فى مشكلات مع أطراف كثيرة جدا فى العالم العربى، فلديها مشكلات مع التيار الإسلامى داخل مصر، ومشكلات مع الإسلام الشيعى فى أنحاء المنطقة، ومشكلات مع دول عربية متعددة، وهى بذلك قد لا تكون من أصلح الأماكن للخطاب. كما أشير إلى أن المؤسسة الدينية التقليدية، لم تعد، بشكل أو بآخر، تتمتع بنفس ما كانت تتمتع به من نفوذ معنوى فى الماضى، ثم طرح ثالثا الاعتراض المتعلق بغياب الديمقراطية فى مصر، وطرح اعتراض رابع متعلق بابتعاد القاهرة عن الكتل الإسلامية الكبرى فى جنوب وشرق آسيا، وإنها ليست مسموعة هناك، وطرح أخيرا أن مصر ـ لظروف عديدة مختلفة ـ ليست مناسبة لخطاب يريد أن يكون شاملا إسلاميا.

واستقر الرأى على تركيا، لعدة أسباب، فهى بلد إسلامى أوروبى، قريبة من الغرب بشكل واضح، كما أنها مقر عاصمة آخر إجماع إسلامى، وآخر خليفة للمسلمين.

وذهب أوباما إلى أنقرة. فنحن إذن أمام خطاب يتكرر للمرة الثالثة. كانت المرة الأولى من تركيا، ثم ذهب أوباما للسعودية، ليقول إنه جاء إلى موطن الحرمين الشريفين، وإلى منبع الإسلام ومهده الأول.

ولكن الرسالة التى انطلقت من أنقرة وصلت إلى العالم الإسلامى فى حدودها، لأن الدولة التركية تعاملت مع الرسالة بطريقة دولة. نلاحظ هنا أمرا مهما جدا، فقد ذهب أوباما إلى تركيا، وتكلم فى مجلس النواب التركى، وليس خارجه، ثم وجه خطابه إلى رموز الدولة التركية، فاستهل خطابه بالتوجه إلى رئيس مجلس النواب، وإلى رئيس الحكومة. فنحن هنا أمام دولة تركية تعاملت مع الخطاب بطريقة دولة، وبالتالى وضعته فى حجمه الطبيعى، وبعدها بشهر أو شهرين اكتشفوا أن الخطاب يحتاج إلى ملحق، وأصبحت هناك ضرورة إلى تكراره على نحو ما، فنحن لسنا إزاء إعلان عن سياسات، فالإعلان عن سياسات لا يحتاج إلى تكرار، ولكنك تكرر الإعلان عن تعبيرات إذا أحسست أنك تريد أن تضغط، تكرر الإعلان عن التعبيرات حتى تصل.

حاولوا مع السعودية، فقالت لا، لا أريد، فجاءوا إلينا، وجاءوا إلينا فى ظل ظروف تستحق التأمل. ولكن هناك تناقضا آخر يجب أن نلفت النظر إليه. هذا الخطاب ـ وأنا أعرف بعض التفاصيل عما جرى ـ اطلع عليه، وأبدى الرأى فيه من 38 إلى 42 خبيرا، وأهمهم هنرى كيسنجر، وطلب من كل واحد فيهم أن يضيف ما يتصور أنه يعجب السامعين، أى إنهم سئلوا: «ماذا ترى أن يقوله الرئيس؟» هذه نقطة تستحق الملاحظة، فلو كنت بصدد تغيير فى السياسة، لكان على الرئيس أن يملى، وعلى معاونيه أن يصوغوا، ولكن أن يطلب من عدد كبير ومتنوع من الناس، من خبراء فى الإسلام إلى خبراء فى السياسة، يقولون لهم ماذا ينبغى للرئيس أن يقوله لكى يرضى سامعيه، فنحن هنا نتحدث بوضوح عن التعبيرات وليس عن السياسات.

دخل على هذا الخطاب، وأضاف إليه ما بين 38 و42 خبيرا، وليس هذا كلاما من عندى، ولكنه نشر فى النيويورك تايمز. وأنا أعلم أن هذا الخطاب عرض على كثيرين جدا، من سياسيين وأكاديميين وحزبيين، وأشخاص عرفوا العالم العربى والإسلامى عن قرب، وأمضوا فيه فترات طويلة. لو كان خطابا سياسيا، لقام الرئيس بوضع خطوطه الرئيسية، ثم أعطاه لمن يصوغه.

أعتقد أن ما شاهدناه هنا فى القاهرة كان ممارسة للدبلوماسية العامة، ممارسة بديعة، ولكنه لم يكن ممارسة للدبلوماسية السياسية. أنا أمام حملة علاقات عامة، ويسمونها هذه الأيام دبلوماسية عامة. أنا أعتقد أنها كانت ممارسة جديرة بالإعجاب، ولكن على أن أنتبه، عندما يقول شيخ الأزهر «خطاب أوباما مس وجدانى» فهذا هو ما كان مقصودا من الخطاب، وقد تحقق، وبنجاح كبير. ولكن المسألة هل نريد خطابا يمس الوجدان أم خطابا يمكن أن نناقشه بالعقل؟

مشهد الزيارة أعجبنى جدا، ولفت نظرى فيه، وأعجبنى، تواجد مصر التاريخية فى المشهد. مصر التاريخية كلها شكلت خلفية الخطاب. أعجبنى جدا مشهد دخول أوباما إلى قصر القبة، ولكن يبدو أن الفكرة السلطانية طغت على التحضير، حيث إنه قصر السلطان عباس حلمى الثانى، فكانت الخيول على الجانبين. مشهد القصر أعجبنى جدا، وإن كنت أعترف بأننى لم أكن معجبا بالإضافة السلطانية. الخيالة كان منظرهم جميلا، ولكن ببساطة لم يكن متفقا مع السيارة المصفحة المجهزة إلكترونيا وأمنيا بوسائل أبعد ما تكون عن رشاقة الخيول والخيالة.

خلفية مسجد السلطان حسن كانت بديعة، وكذلك خلفية الأهرامات. أى إن مصر التاريخية هى التى وفرت فى واقع الأمر المسرح الأمثل للزيارة والخطاب. ولكن السؤال ما إذا كانت هذه الخلفية التاريخية المهيبة قابلة للتوظيف على هذا النحو وفى هذه المناسبة.

على أى حال، كان مقصودا أن توفر مصر التاريخية خلفية الصورة، ولم أعرف سياسيا جاء إلى مصر فى العصر الحديث، ومنذ اختراع كاميرا التصوير، إلا وطلب أن يصور أمام الهرم: تيودور روزفلت حتى الأميرة ديانا، وغيرهما كثيرون، سواء ساسة كبار أو نجوم مسرح وسينما، كلهم طلبوا إخلاء منطقة الأهرامات من أى مظهر من مظاهر مصر المعاصرة، ليقف الواحد منهم ووراءه مصر التاريخية، يستدعيها لصورته هو وليس لفعله.

هذا كله رأيته وأعجبت به. جيد، ولكن ليس من حق أحد أن يقول لى إن أوباما ذهب إلى قصر القبة لإجراء محادثات مع الرئيس مبارك تناولت قضايا الشرق الأوسط، فى ثلث الساعة، شملت التحية والسلام والتعارف. لا أعتقد أن مثل هذا الكلام دقيق أو مقنع. وقالوا أيضا إنهم قدموا له «فطير مشلتت وعسل»، وأنا أعلم أن أطباء البيت الأبيض يصرون دائما على ألا يتناول أى رئيس أمريكى أى شىء ـ بما فى ذلك المياه ـ غير ما يأتى به معه على الطائرة. فلم يأكل لا «فطير مشلتت ولا عسل ولا فول» ولم يقترب من أى شىء من هذا القبيل، ومع ذلك يقال إنه أكل، وبشهية.

على أى حال، بعد حكايات الفول والعسل الأسود والفطير المشلتت، يذهب أوباما إلى جامعة القاهرة، ويستهل خطابه بغير توجيهه إلى أحد. كيف يمكن لرئيس دولة زائر أن يبدأ خطابه بقوله: أنا سعيد بأننى فى جامعة القاهرة وفى ضيافة الأزهر؟»، لابد من أن يوجه خطابه إلى أشخاص محددين. من كان مضيفه؟ ونلاحظ أيضا أنه لم يذكر اسم رئيس الدولة المضيفة ولا مرة واحدة فى خطابه.

كل هذا يدل على أننا أمام مسرح تاريخى جرى الحصول عليه وإعداده لتوجيه الخطاب. لم يجىء بنية عمل شىء. جاء لتوصيل رسالة معينة، ثم مشى. ثمانى ساعات زار خلالها القاهرة، ما بين حفل استقبال، وزيارات لمصر التاريخية وخطاب ألقاه. يلفت نظرى أيضا استخدامه للآيات القرآنية. أنا أعلم أنه طلب نصح أشخاص ورأى عدد من المستشرقين، وأنهم نصحوه بزيادة نسبة الآيات القرآنية فى الخطاب. أعرف هذا، ونحن هنا نسمعه يردد الآيات ونصيح: «الله» ونصفق.

لفت نظرى أيضا أن الأمن عمل أشياء غريبة جدا، فأغلق الشوارع وسمر 4000 شخصية مصرية فى مقاعدهم لمدة ثلاث ساعات من أجل الخطاب. قبعوا فى مقاعدهم ثلاث ساعات منتظرين.

أمر آخر أجده واضحا أمامى. فبصرف النظر عن الأمور العامة التى تناولها الخطاب، فإذا جئت إلى المسائل الأساسية فلن تجد جديدا. ركز على قضايا الشرق الأوسط، سواء مواجهة إيران أو بقايا المعركة ضد التطرف أو حل القضية الفلسطينية. فمثلا يقولون إنه أول من قال بحل الدولتين. ليس هذا صحيحا على الإطلاق. كانت المرة الأولى لحديث الأمريكيين عن حل الدولتين فى نوفمبر 2001، فى خطاب لكولن باول فى جامعة لويس فيل، فى كنتاكى، وفيه تكلم باول عن حل دولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية، يعيشان جنبا إلى جنب داخل حدود معترف بها. ليس هناك جديد هنا؟ لكن يقال لنا إنها أول مرة يعترف فيها رئيس أمريكى، فهذا ليس صحيحا، وفى كل مرة يقال هذا أول رئيس أمريكى يقول بحل الدولتين.

لم يكن الهدف من الخطاب رسم سياسة، ولكن أن يقول ما يعجب العالم العربى، إلى جانب توصيل رسائل معينة قصد تأكيدها. عدد من الرسائل أولاها «أن صداقتنا بإسرائيل لا تتزحزح»، ثم تكرار الكلام عن الهولوكوست. أنا واحد من المعترفين بحقيقة الهولوكوست، ولكن أن يصر على تكرار رقم الستة ملايين، فهذا أمر آخر. هناك بالفعل جريمة ارتكبت ضد اليهود، وكان هناك تمييز بشع ضدهم فى أوروبا، ولكن لا تفرض علىّ رقم الستة ملايين. فعلى سبيل المثال ضغطوا ضغوطا شديدة على بابا الفاتيكان، وهو يزور إسرائيل، لكى يقر برقم الستة ملايين، ولكنه رفض ذلك بشكل قاطع، واكتفى بعبارة «ملايين».

الرقم يناقش فى أنحاء العالم، ولا يحتاج الأمر إلى فلسفة، فآخر إحصائيات عصبة الأمم قبل الحرب العالمية الثانية تقول إن عدد اليهود فى العالم 11 مليونا، وبعد نهاية الحرب، تصدر الأمم المتحدة عام 1947 تقريرا يقدر عدد اليهود فى العالم فى ذلك العام بـ 12 مليونا. هذه الأرقام أوردها منذ أكثر من أربعين سنة محققون وكتاب معروفون.

من الممكن تماما، فى تقديرى، أن نقول إن مئات الآلاف من اليهود راحوا ضحايا المحرقة، وهذا كف للحديث عن مأساة إنسانية كبرى، ولكن أن تصر على أن تفرض علىّ رقم الستة ملايين فذلك لا لزوم له. لا أريد أن أتوقف عند هذه النقطة كثيرا، ولكن لا أجد داعيا لأن يفرض على هذا الرقم هنا فى القاهرة، وهو لم يتمكن من ذلك مع البابا فى إسرائيل.

ثم إن الخطاب ممتلئ بالتناقضات، وتجد فيه الشىء ونقيضه. شخص واحد صاغه فى النهاية، ولكن 38 أو 40 شخصا شاركوا فى إنتاجه. وعلى سبيل المثال، يقول لى إن الشعب اليهودى عانى من ألمانيا النازية، وأن ألمانيا النازية دفعت ثمن ذلك. صحيح، ضربت ودمرت ودفعت تعويضات. حسنا، ولكن ماذا عن الذين ارتكبوا المحارق ضد الفلسطينيين. تقول لى تعاملوا معهم، لا يعاقبوا ولا يدفعوا شيئا. أليس غريبا أن الذين اضطهدوا اليهود، وهم ألمانيا النازية، تمت معاقبتهم، أما الذين اضطهدوا الفلسطينيين، وتسببوا فى عذابهم، كما جاء فى الخطاب، فتقول لى تعامل معهم، تعامل مع من صنعوا هذا العذاب. حسنا، يمكننى أن أتعامل معهم، ولكن يجب أن توضع قواعد جادة، لا تطلب منى نسيان كل شىء والتنازل عن كل حق.

الرسالة التى تم توجيهها من تركيا لم تكن كافية، ولذلك لزم أن تلحق بها رسالة أخرى أكثر تحديدا ومن مكان مهيأ أكثر لهذا النوع من الرسائل. فما شاهدناه فى الأيام الأخيرة كان فى الحقيقة هو مهرجان الترويج الثالث للسياسة الأمريكية. كان مهرجان الترويج الأول فى 1974، وجاء نيكسون إلى القاهرة لتغطية أمرين، أولهما هو فضيحة ووترجيت، وثانيهما التحول الجذرى الذى جرى وقتها فى السياسة والتوجهات المصرية.

وجاء المهرجان الثانى فى مؤتمر مدريد، وشاركنا فيه بنشاط بالغ، واعتبرناه هو الحل، وأقنعنا كل المترددين بالذهاب، وضغطنا على الجميع. وكان المقصود من المهرجان التغطية على ما جرى قبله من تدمير للعراق، وإعادته إلى العصر الحجرى، على حد قولهم، والهدف الثانى أن يفتح الباب أمام إعادة انتخاب بوش الأب لولاية ثانية، وهو ما لم ينجح فيه.

المهرجان الثالث هو ما جرى هذه الأيام، ونحن إذا ما عملنا على فرز ما هو متعلق بالتاريخ، وما هو متعلق بالدبلوماسية العامة وبالعلاقات العامة، وتنحيتها جانبا لرأينا أين هو بالضبط التغيير الذى يتحدثون عنه. هناك وعد بالتغيير، ولكن لا يمكنك أن تتحدث عن تغيير دون أن توضح لى ما هى آفاق ذلك التغيير. يقول بدأنا صفحة جديدة فى العلاقات، ولكن صفحة جديدة لا يمكن أن تلغى كل ما فات، تتحدث عن صفحة جديدة فى العلاقات، والقضايا كلها مستمرة، وتطالبنى فى الوقت نفسه بأن أنسى كل ما عانيته، وكل ما اتفق عليه، وأن أبدأ بداية جديدة، بداية لماذا بالضبط؟

يلفت نظرى توقيت الخطاب، وهذا مهم جدا.. ليس هذا خطابا موجها للعالم الإسلامى، وإنما هو فى الحقيقة موجه لجزء من العالم العربى، موجه لتغطية المعتدلين فى العالم العربى، وتحديدا مصر والسعودية والأردن، لكى يتولوا القيام بمهام معينة فى المرحلة القادمة.

توقيت الخطاب مثير للانتباه، فهناك أمامى انتخابات فى لبنان وانتخابات فى إيران، وبداية معركة الجنرال دايتون فى فلسطين. الجنرال دايتون هو الرجل الذى يقوم بتدريب قوات فتح على القتال، وقد بدأت بالفعل معركة الاحتكاك بالمعارضة الفلسطينية بهدف تصفيتها أو تحجيمها. دايتون هو جنرال الحرب الأهلية الفلسطينية، ولاحظ أنه عين مساعدا لجورج ميتشيل، وهذا أمر غريب جدا. ولدايتون تصريح غريب، قال فيه إن قوات فتح التى قام بتدريبها لابد من إيجاد مهمة لها، إن لم تحل القضية الفلسطينية، فقال: نحن بنينا وحوشا مقاتلة، وسوف نراها تقاتل إسرائيل، سوف نراها فى المستعمرات تقاتل الإسرائيليين.

يقولون إن أوباما قال كلاما مهما فى شأن القدس. لم يقل أى شىء جديد فيما يتعلق بالقدس، وإنما كرر ما قيل كثيرا من قبل حول لقاء أبناء إبراهيم. ففيما يتعلق بنا قال شعرا، وفيما يتعلق بإسرائيل تحدث بوضوح عن صداقة دائمة لا تهتز، وعن رقم لا يقبل المناقشة أو الجدل عن 6 ملايين يهودى ضحايا الهولوكوست.

كل هذه أمور جديرة بمجرد التأمل على الأقل.

والآن أضع نفسي تحت تصرفكم.

انشر عبر