شريط الأخبار

ما لم يقله أوباما .. يديعوت

11:14 - 08 تموز / يونيو 2009

بقلم: يرون لندن

في خطابه في القاهرة اكثر براك اوباما من الاقتباس عن الكتب المقدسة للاديان التوحيدية. هذه مناورة لن تتآكل ابدا. فالخطباء يكثرون من استخدامها ليس بالذات لانهم يؤمنون بالمصدر الالهي لهذه النصوص بل لانهم يذكرون مستمعيهم بتطلعات البشرية منذ بداية الحضارة.

نسخ الايات يعزز صلاحيتها. الاقوال المأثورة، والامثلة والدروس التي تستمد من الادبيات هي كالنبيذ المعتق في أقبية ذائعة الصيت. مكانتها، وان لم تكن دوما نوعيتها، تنطوي على احساس بسمو الروح.

المستمع، الذي يأسره المسرح الاوبامي، يميل الى ان ينسى أن الحاجة الى تكرار آيات قديمة عن السلام والاخوة تدل على أنه على مدى الاف السنين لم يتغير الكثير في العلاقات بين قبائل البشر. فضلا عن ذلك تذكر الاقتباسات أصحاب الذاكرة التاريخية بان الفرائض التي ترد في الكتابات المقدسة لا تمنع من سفك الدماء، بل العكس – تتدفق بانهار من الدماء. لماذا؟ لان عبدة الرب الوحيد لا يميلون الى المساومة حتى عندما يصل الحراب الى رقابهم، بينما عبدة الاصنام يأخذون قدوة من عائلات الاصنام التي يتنازع ابناؤها ويتصالحون ويتزاوجون.

كُتّاب خطاب اوباما لم يحتاجوا الى وقت كبير كي يجدوا في الكتب المقدسة جملا تدعو الى الاخوة بين ابناء البشر. فحتى جملا ذات رسالة معاكسة موجودة فيها بوفرة. لا حاجة الى البحث الكبير للعثور على ترويج لابادة الافراد والشعوب الخطائين بالكفر. حجم العرض ووفرة التناقضات يتيحان لمفسري التوراة والتلمود، القرآن والشريعة، العهد الجديد وكتابات المقدسين المسيحيين، استخلاص كل درس يروق لهم ونشر استنتاجاتهم كفتاوى لا شك فيها.

المفتون المسلمون يقررون بان أرض اسرائيل كلها ارض وقف. لا يحق للمؤمن ان يتنازل عن أي شبر منها، ومفتو الصهيونية الدينية يقنعون السائرون في اعقابهم بان هجر ذرة واحدة من أرض البلاد هي خطيئة لا تغتفر. وبالمقابل، هناك حكماء دين مسلمين يقترحون قراءة تعبير "الجهاد" ككفاح من أجل سمو الانسان، بل ان هناك ايضا حاخامين يعتقدون بان احتلال البلاد ليس فريضة دينية يجب تحقيقها على الفور. النصوص المقدسة القديمة ستفعل نيابة عنا كل ما نسعى الى فعله.

وماذا فعل اوباما؟ استخدم الكتب المقدسة كي يؤكد الرسالة الاساس التي يرغب في ايصالها الى آذان مستمعيه: خط الجبهة في المعركة على طبيعة الحضارة البشرية لا يمر بين الاسلام والمسيحية. هذا الزعم الكاذب طوره الاستعمار واضرم ناره المسلمون المتزمتون. الاقتباسات التي اختارها اوباما تدل على أن الحكماء القدامى عبروا عن ارادة الاخوة، التي تتجاوز الفوارق بين الشعوب والمعتقدات الدينية.

هذه رسالة جميلة. قابلة للاستخدام لاغراض سياسية ولكنها لا تصيب الحقيقة وتصطدم مع قسم الخطيب في أن يقول ما في قلبه صراحة، ان يقول على الملأ ما يقال في الغرف المغلقة. الحقيقة هي أن الصراع على مستقبل الحضارة لا ينبع من الفوارق في رؤية الطبيعة الالهية، وبالتأكيد ليس من الفوارق في صيغة الفرائض الاخلاقية، المتشابهة اساسا في كل الاديان. الصراع هو على الموقف من الحداثة والفهم، الديمقراطية وحقوق الانسان.

هذه المزايا جلبتها للمجتمعات البشرية الثورة العلمانية التي تعود بداياتها الى "عصر التنوير". لا ادري اذا كان ممكنا صياغة الصلة التي بين التزمت الديني في المجتمعات الانسانية وبين مصاعبها في التصدي للحداثة، ولكن حقيقة قاطعة هي ان نحو خمسين دولة فيها أغلبية اسلامية او حجم اسلامي كبير، هي من اكثر الدول ظلاما في العالم. عن هذا لم يرد شيء في خطاب الرئيس الامريكي. جميل الصمت للحكماء.

انشر عبر