شريط الأخبار

أمريكا الجديدة .. هآرتس

02:05 - 05 حزيران / يونيو 2009

بقلم: الوف بن

كان هناك رؤساء امريكيون رأوا أنفسهم كرسل للرب على الارض. كان هناك رؤساء عملوا كمقاتلين في ميدان معركة القوى العظمى. كان هناك رؤساء نشأوا في الساحة السياسية وامسكوا بخيوط الكونغرس. اما براك اوباما فهو نجم روك. هو يؤمن بقدرته على الاقناع، فقط اذا ما منحوه منصة، منبر مزدوج وزمن بث. اعطوه فرصة الحديث للجمهور، لاي جمهور وهو بوسعه ان يبيعهم امريكا جديدة، ودية ومراعية. الصعود المذهل لاوباما الى الرئاسة وشعبيته الهائلة منذئذ اثبتا بان هناك شيء ما في هذه الثقة بالنفس لديه.

لاسرائيل كان فقط زعيم واحد صعد الى العظمة وتحكم بقوة الخطاب، وكان هذا مناحيم بيغن. ولكن اوباما ليس بيغن، الذي حمس الجماهير بالكلام الكبير وبالاقوال المنفعلة. اوباما يأسر الجمهور بفضل الهدوء الداخلي الذي يبثه، بفضل قدرته على أن يكون صادقا ومنفتحا حتى في تلاوة خطاب اجتاز عشرات الصيغ وكل جملة فيه وزنت المرة تلو الاخرى تلو الاخرى.

امس وقف اوباما على المنصة في جامعة القاهرة لخطاب هو الاهم له منذ تسلم منصبه. فبعد أربعة اشهر ونصف في البيت الابيض، بدت الشيخوخة المتسارعة ظاهرة عليه: شعره ابيض وتجاعيد الوجه تعمقت ولكن الجمهور يموت عليه، يوقفه بالتصفيق والهتاف. فليس الخلفية البيضاء، النقية التي رافقت خطابه في تركيا قبل نحو شهرين، الخطاب الذي اثار فقط بعض الاهتمام. هذه المرة اعد الرأي العام مسبقا لحدث على مستوى تاريخي، لرسالة ستغير من الاساس علاقات امريكا مع الاسلام.

اوباما نجح في المهمة الخطابية التي اثقلها على نفسه: فهو لم يبدو كمتعال او مزدوج الاخلاق، حين شكر امتنانا الثقافة الاسلامية وانجازاتها ولا كمعتذر او مبرر حين تحدث عن النزاعات الماضية والحاجة الى فتح صفحة جديدة. اخطاء سلفه، جورج بوش، علقها اوباما بصدمة عمليات 11 ايلول.

اسامة بن لادن لم ينتظر اوباما، وحتى قبل خطابه نشر شريطا اتهم فيه الرئيس الجديد "بزرع الكراهية والثأر" كسلفه. اوباما رد له بكلمات قاسية. ولكن الحقيقة هي أن بن لادن انتصر. فقد نجح في  المكان الذي فشلت فيه الدبلوماسية: العمليات في نيويورك وفي واشنطن، والحروب  التي جاءت بعدها في افغانستان وفي العراق، اجبرت امريكا على اجتياز حساب للنفس في علاقاتها مع الاسلام وفهم قيود قوتها. بعد اقل من ثماني سنوات من 11 ايلول وفي البيت الابيض يجلس رئيس تربى وترعرع في دولة اسلامية، ويحاول اقناع المسلمين والعرب بان الولايات المتحدة ليست عدوا بل شريكا شرعيا لمصالحهم وتطلعاتهم. رئيس جاء الى القاهرة كي يضمن ان من الان فصاعدا امريكا ستتصرف على نحو جميل مع الاسلام؛ وان الحملة الصليبية لبوش ومحاولاته الاملاء على العرب كيف يتصرفون وكيف يحكمون، بلغت منتهاها.

من ناحية اسرائيل، "خطاب القاهرة" لاوباما يعبر عن تحول استراتيجي، بقدر لا يقل. في عهد بوش اسرائيل كانت الشريك الودي في الحرب ضد الارهاب، وتمتعت بحرية عمل عسكرية ضد الفلسطينيين، حزب الله وسوريا ، مقابل اخلاء المستوطنات من غزة. لدى اوباما، ينبغي لاسرائيل أن تجتاز اعادة تربية وعليها أن تقف من جديد في اختبار الولاء للمصالح الامريكية في الشرق الاوسط. حتى يوم امس، تطرق اوباما للنزاع الاسرائيلي – العربي بتعابير المصلحة وامتنع عن الحديث عن القيم والاخلاق. في القاهرة تبنى اوباما ذخر الكلام والرواية لليسار الليبرالي في امريكا، والذي نبت هو من صفوفه. فقد تحدث دون أن يتلعثم عن "الاحتلال"، وعن "التطلع الفلسطيني للكرامة، للفرص وللدولة المستقلة"، ووعد بالا تدير امريكا ظهرها للفلسطينيين. ودعا حماس الى "ابداء المسؤولية"، والاعتراف بحق وجود اسرائيل، ولم يصفها بانها منظمة ارهابية، بل حركة تتمتع بدعم شعبي.

في توجهه الى الفلسطينيين اقترح اوباما عليهم أن يديروا كفاحهم دون عنف، وشبهه بكفاح العبيد السود في الولايات المتحدة للتحرر من عصا الابيض، وكفاح السود في جنوب افريقيا وشعوب اخرى في جنوب اسيا وفي شرق اوروبا. وهذا تشبيه ليس سهلا على الاذان الاسرائيلية: في نظر اوباما، الفلسطينيون يديرون كفاحا عادلا للتحرر الوطني، يذكره بالانعتاق من الاستعمار والطغيان السوفييتي. وبذات النفس، دعا العرب للاعتراف بتاريخ ملاحقة اليهود والكارثة، والفهم بان اللا سامية العربية تشدد فقط صدمة الاسرائيليين – بالضبط مثلما يشدد سلوك اسرائيل صدمة الاقتلاع لدى الفلسطينيين.

اوباما يعرف ما هو الحل: اقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل. وهو غير مستعد لان يسمع افكارا اخرى وهو يطالب اسرائيل بان تكف عن توسيع المستوطنات: الولايات المتحدة لن تقبل بشرعية استمرار المستوطنات"، التي وصفها كخرق للاتفاقات وتآمر ضد جهود السلام. بعد اقوال كهذه، اوباما لن يكون بوسعه أن يوافق على "زيادة طبيعية" ومناورات اخرى لتوسيع البناء في المستوطنات. الان باتت هذه مصداقيته، كلمته حيال العناد الاسرائيلي على البناء. وهذا يعني انه اذا ما اظهر اوباما التسامح الذي وعد به بمعالجة النزاع، فان اسرائيل ستعلق في أزمة سياسية وشرخ داخلي خطير.

بنيامين نتنياهو في الجانب غير الصحيح من خطاب اوباما، مع رفضه الدولة الفلسطينية واصراره على "الزيادة الطبيعية" في المستوطنات. يحتمل أنه كان بوسعه ان يخفف قليلا الضرر لو انه اقام ائتلافا مع تسبي لفني على اساس "حل الدولتين" او ربما ابلغ البيت الابيض بتبني "خريطة الطريق". ولكن هذا لم يعد مهما. يتعين على نتنياهو أن يلقي قريبا خطاب الرد على اوباما والاعلان عن انعطافة تاريخية في ايديولوجيته وفي سياسته. وحتى ذلك الحين سيواصل التعلق بامل المعجزة التي تشطب "خطاب القاهرة" من جدول الاعمال وتغرقه في الرمال المتحركة للدبلوماسية الشرق اوسطية.

انشر عبر