شريط الأخبار

زاخي شالوم :هل الجيش الاسرائيلي مستعد بمواجهة الدول العربية في حرب نظامية؟*

10:46 - 02 تموز / يونيو 2009

زاخي شالوم :هل الجيش الاسرائيلي مستعد بمواجهة الدول العربية في حرب نظامية

بقلم: زاخي شالوم**

** باحث رفيع المستوى في معهد ابحاث الامن القومي

 ومحاضر في جامعة بن غوريون في النقب.

ترجمة خاصة بـ فلسطين اليوم

        كان الفرض الاساسي لصاغة السياسة الامنية لدولة اسرائيل منذ اقامتها انه يجب ان يكون الجيش الاسرائيلي مستعدا لمواجهة اي سيناريو تهديد من قبل الدول العربية، مشتملا على حرب لمواجهة الدول العربية قاطبة.

كانت الثقة غير المهتزة من صاغة سياسة الامن بقوة هذا المبدأ العنصر الاهم في صياغة مواقف دولة اسرائيل من القضايا الامنية المختلفة. برهن اداء الجيش الاسرائيلي في عملية كديش، وفي حرب الايام الستة، وفي حرب يوم الغفران ايضا بقدر كبير على قوة هذا المبدأ. ففي جميع هذه الحالات خرج الجيش الاسرائيلي ويده العليا. لم يكن عند احد شك في أن دولة اسرائيل هي المنتصرة. بيد أنه الان – بعد المواجهة الحربية للجيش الاسرائيلي في قطاع غزة (كانون الاول 2008 – كانون الثاني 2009)، مواصلة للمواجهة التي كانت في لبنان (تموز – آب 2006) – يبدو أن قوة هذا المبدأ مشكوك فيها. سأفحص في ما يلي علل هذا الامر. ستكون الحرب في قطاع غزة حالة الفحص. سأعرض دروسا ايضا على خلفية احداث حرب لبنان الثانية.

        بدأت الحرب في قطاع غزة وحرب لبنان ايضا بقدر كبير في ظروف مثلى من وجهة نظر دولة اسرائيل.

        بدأت الحرب بعد سنين طويلة من ضبط اسرائيل نفسها لاطلاق الصواريخ وما اشبهها على نحو لا ينقطع على مدن الجنوب. وجه نقض شديد لضبط النفس هذا – مهما كانت اسبابه – من قبل دوائر كثيرة في البلاد، ولا سيما من قبل سكان المدن التي تحملت الخسائر ومن قبل دوائر سياسية موالية لليمين على نحو عام. مع ذلك تبين منذ بدأت المعركة ان ضبط النفس هذا اسهم اسهاما جليلا في نشوء اجماع واسع جدا على تأييدها في المجتمع الاسرائيلي. كان واضحا عند مستويات كثيرة عند المجتمع الاسرائيلي تشتمل على اولئك الذين يتحفظون دائما من استعمال اسرائيل للقوة في سياستها، ان حكومة اسرائيل لم تبادر الى المعركة وانها فعلت ما تستطيع لمنع المواجهة. يمكن ان نفهم على هذه الخلفية من جملة ما نفهم ان النقد في الداخل لاجراءات اسرائيل الحربية كان منضبطا. فأكثر الذين وجهوا اليها النقد على التصعيد الذي بادرت اليه فعلوا ذلك بنغمة منخفضة ولغة مهادنة.

        أسهم ضبط النفس ايضا في نشوء جو تعاطف في النظام الدولي على اجراءات دولة اسرائيل العسكرية (مثل "فترة الانتظار" التي سبقت حرب الايام الستة). هذا التعاطف الاساسي كان موجودا ايضا بغير صلة بسياسة ضبط النفس، على خلفية حقيقة أن دولا كثيرة في النظام الدولي ترى الاسلام المتطرف الذي تمثله حماس تهديدا لها لا لاسرائيل فقط. مع ذلك يمكن ان نفترض ان سياسة ضبط النفس عظمت بقدر كبير النظرة المتسامحة والموالية جدا التي اظهرتها دول كثيرة ازاء نشاط اسرائيل العسكري الكثيف في قطاع غزة. تم التعبير عن النتيجة العملية لهذا التعاطف بحقيقة ان النظام الدولي بيّن لاسرائيل منذ بدء الحرب انه يمنحها اليد الحرة لمدة ما، لم تحدد مقدما، لكنها مدة تمنح اسرائيل القدرة على هزيمة حماس بوضوح، اذا استطاعت ذلك فقط من جهة عسكرية. كتب احد الباحثين يقول ان "اكثر الدول الاوروبية القت بوضوح المسؤولية عن الوضع في غزة على حماس... ان دولا مثل ايطاليا والمانيا وجمهورية التشيك عبرت عن تفهم لاسرائيل ووصفت عملياتها على أنها دفاع عن النفس. حرصت هذه الدول ايضا على استعمال لغة شديدة مع حماس وطلبت اليها ان تكف من فورها عن اطلاق الصواريخ على اسرائيل. حتى ان ايطاليا والمانيا وجمهورية التشيك بعد بدء العملية البرية ظلت تؤيد اسرائيل وتحدثت عن الحاجة الى احراز اتفاق هدنة لامد بعيد يبين عن مصالح اسرائيل".

        كان توقيت العملية ايضا مريحا جدا لدولة اسرائيل من جهتين على الاقل: 1. نهاية السنة الميلادية هي فترة تشبه تجميد النشاط في النظام الدبلوماسي الدولي بسبب الاستعدادات للسنة الجديدة، وعلى ذلك كان واضحا انه لن يمكن "صوغ" تسوية ما لهدنة في هذه الفترة. اي ان اسرائيل تملك حرية العمل المؤقتة على الاقل في الصعيد العسكري؛ 2. المدة بين نهاية حكومة الرئيس بوش وتولي ادارة الرئيس المنتخب اوباما منحت اسرائيل ايضا حرية عمل واسعة، بغير ما صلة بحقيقة ان الادارة الامريكية برئاسة الرئيس بوش اظهرت موقفا متعاطفا جدا مع اسرائيل منذ بدء العملية.

        بدأت العملية بمفاجأة تكتيكية لحماس. كان التقدير الذي ساد دوائر حماس ان اسرائيل ستمتنع عن مواجهة شاملة عشية الانتخابات. فاجأ قرار الخروج لعملية واسعة، بخلاف جميع التوقعات، حماس تماما. فمن جهة تكتيكية بدأت المعركة بهجوم جوي كثيف، اصاب اصابة شديدة عشرات كثيرة من رجال الشرطة من حماس والبنى التحتية. في  المراحل الاولى من المواجهة كان بينا ان حماس في صدمة تامة بعقب مبادرة اسرائيل الهجومية. وقد فاجأت المرحلة الثانية من المعركة، اي العملية البرية حماس ايضا. في الحصيلة العامة تم التقدم البري في ايام القتال الاولى بغير عوائق خاصة؛ وفي النهاية تلقت حماس بمفاجأة قرار وقف اطلاق النار من طرف واحد ايضا.

        في اثناء الحرب كلها تمتعت اسرائيل بتفوق تام على العدو ازاءها سواء أكان ذلك في مقدار القوات التي تملكها، او زيادة قوة النار التي استطاعت اظهارها، او في الصعيد التكنولوجي. وفوق كل شيء كان لاسرائيل وما يزال تفوق جوي راسخ غير مهدد. نجحت الذراع الجوية في ان توقع بحماس ضربات شديدة من غير ان تستطيع المس بنشاطها هذا على نحو ما.

        بالرغم من الصورة المثلى لهذا الوضع، اصبح واضحا اليوم ان اسرائيل لم تنجح في احراز حسم واضح في الميدان على نحو يمنع سؤال "من انتصر في الحرب"، كما قال رئيس الاركان اشكنازي. فهذا السؤال يطرح ويطرح. وان يكن ذلك بتشكك اقل كثيرا من ذلك الذي ميز الاسئلة الحائرة التي اثيرت بعد حرب لبنان الثانية. هذا الجزم لا يناقض بالضرورة حقيقة أن اسرائيل كانت لها انجازات كبيرة جدا في الحرب منها:

المس الشديد ببنى حماس التحتية ورجالها. فقد افضى رد اسرائيل غير التناسبي الى دمار واسع في القطاع. بحسب تقرير لوزير الامن الداخلي آفي ديختر، اصيب في المعركة نحو من الفين من رجال حماس، بعضهم قتلى وبعضهم جرحى. لا شك في أن اسرائيل قوت من عامل ردع حماس. نجحت اسرائيل ايضا في احداث تهديد صادق بانها مستعدة لاستعمال قوة نار ضخمة وان تمس ايضا في الواقع بتجمعات سكنية، ومساجد ومدارس، وجامعات ومؤسسات للامم المتحدة وغير ذلك. كل اولئك كان يعد الى الان مناطق خارج مجالات ردها. ينبغي ان نفترض ان هذه النتائج ستردع حماس عن مواصلة اطلاق الصواريخ على بلدات الجنوب بقدر وكثافة يقتضيان من اسرائيل في تقديرهم ان تعمل في القطاع كما عملت في نطاق عملية "الرصاص المصهور".

نجحت اسرائيل كما يبدو (بحسب كلام رئيس الحكومة اولمرت على الاقل) في ان تضمن وجود نظام رقابة انجع مما كان في الماضي على تهريب السلاح الى القطاع تلعب دورا فيه مصر والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي.

في الوقت نفسه لا يمكن ان نقلل من انجازات حماس. فبعد نهاية ثلاثة اسابيع من المواجهة مع دولة تعرف انها "قوة عسكرية اقليمية" مثل اسرائيل، وفي حين ان ظروف بدء المعركة كانت مثلى من وجهة نظر اسرائيل، بقيت حماس في الواقع "واقفة على قدميها". بل ان افرادها حاولوا هنا وهناك ضرب جنود الجيش الاسرائيلي المنسحبين الى الشمال من الخلف. ولم تحجم ايضا عن اطلاق رشقات على اسرائيل، حتى بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ. ومنذ ذلك الحين استمر "تقطير" شبه يومي للصواريخ نحو بلدات الجنوب. علمتنا تجربتنا التاريخية ان الواقع الهادىء نسبيا الذي نشأ بعد نهاية العملية سيثبت مدة محدودة. تستطيع حماس في الصعيد السياسي ان  تستمد التشجيع من دعوات دول كثيرة – منها تعريض ومنها تصريح – في النظام الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة واوروبا، الى زيادة مرونة المواقف المتصلة بالاعتراف بها ومفاوضتها. هذه الدعوات تزيد في شرعيتها في النظام الدولي وهي عنصر آخر في انجازاتها بعد المعركة.

هذا الميزان العام لنتائج المعركة في قطاع غزة مضافة الى نتائج حرب لبنان الثانية (ولا سيما استمرار تسلح حزب الله وتعزيز مكانته وقوته في الساحة اللبنانية الداخلية)، يوجب على دولة اسرائيل امتحانا عميقا لقوة نظريتها الامنية البعيدة المدى وقدرتها على الصمود لتهديدات اشد قد تواجهها. توجد في الخلفية عدة نقاط تستحق الذكر: أ. تشير المعركتان في لبنان وغزة الان بوضوح الى أن تهديد المنظمات الارهابية لدولة اسرائيل تجاوز منذ زمن اطار الامن الجاري وجعل نفسه في اطار التهديدات الاستراتيجية. يتبين أيضا أن احتمال الحفاظ على تهديد كهذا في درجة منخفضة وقتا طويلا ضعيف. في نهاية الامر تتصاعد المواجهة المضايقة في ظاهر الامر في اتجاه مواجهة حربية شاملة.

اظهرت المعركتان، في غزة وفي لبنان قابلية الجبهة الاسرائيلية الداخلية للاصابة. ففي غضون مدة زمنية قصيرة نسبيا نجحت المنظمتان الارهابيتان في الشمال والجنوب في ان تصيبا اصابة شديدة الجبهة الاسرائيلية الداخلية، برغم المنعة التي اظهرها المواطنون في المنطقتين. في فترة المواجهة في الشمال ترك مئات الالاف من المواطنين المنطقة وتوجهوا الى الجنوب. وفي اثناء عملية "الرصاص المصهور" ترك مواطنون من الجنوب المنطقة وتوجهوا شمالا فترات مختلفة لكن بمقدار اقل كثيرا. في المنطقتين تضرر النظامان الاقتصادي والاجتماعي كثيرا وما زالا لم يرمما كاملين. من المعلوم ان الجيش الاسرائيلي ليس له رد حقيقي على تهديد الجبهة الداخلية اذا نشأت مواجهة حربية اخرى مع حزب ا لله او حماس في المستقبل القريب.

احتاج الجيش الاسرائيلي في المعركتين الى استعمال قوة كثيفة من سلاح الجو، والمدرعات والمشاة. وفي الحالتين احتيج الى تجنيد كبير لافراد الاحتياط. في الحقيقة ان الجيش الاسرائيلي لم يستنفد جميع قدراته، لكن المعركتين دارتا من جهات كثيرة في مخطط حرب نظامية من جميع جوانبها. لا في مخطط "حرب ضعيفة"، كما اعتيد تسمية المواجهة بين دولة ومنظمة ارهابية.

في المعركتين كما قيل آنفا لم ينجح الجيش الاسرائيلي في التوصل الى حسم حقيقي ازاء الاعداء الذين يقلون عنه كثيرا من كل جانب عسكري. يجب على الجيش الاسرائيلي أن يقدر انه ربما تفرض علينا في المستقبل القريب معركة مشابهة مع الاعداء انفسهم، وسيحتاج المجتمع الاسرائيلي مرة اخرى الى تخصيص موارد آخذة في الكبر للدفاع عن نفسها. ينبغي ان نفترض في الواقع ان يصاب في المعركة المقبلة مواطنون في مركز البلاد ايضا، وانه سيصعب على الجيش الاسرائيلي مرة اخرى رد يضمن النصر حتى بمعناه المحدود.

        هذه صورة وضع مقلقة جدا من وجهة نظر دولة اسرائيل، لانه فضلا عن الاخطار التي تعرضها لها المنظمات الارهابية، يجب عليها أن تستعد لتهديدات اشد قد تواجهها في المستقبل. والقصد الى امكان مواجهة مع دول عربية على نحو يشبه ما تعرضت له دولة اسرائيل في حرب الايام الستة وحرب يوم الغفران. ففي الحالتين واجهت اسرائيل دولتين او ثلاثا من الدول العربية. لا يبدو هذا السيناريو الان خطرا حقيقيا، على خلفية حقيقة أن لاسرائيل اتفاقات سلام مستقرة جدا مع مصر والاردن. دولة المواجهة الوحيدة لاسرائيل هي سورية. من شبه المحقق انها ستحجم عن خطوات قد تجعلها تواجه وحدها اسرائيل مواجهة شاملة.

        مع ذلك برهن التاريخ على أن الشرق الاوسط مليء بالمفاجآت والسيناريوات غير المتوقعة، وعلى ذلك يجب على دولة اسرائيل أن تفكر في خطر مواجهة حربية مع دول عربية في حين تكون بمقابلة ذلك في مواجهة عنيفة مع منظمات ارهابية تساعدها، وان ترى هذا امكانا قد يتحقق في مرحلة ما في المستقبل. في هذه الحالية ستواجه الجيش الاسرائيلي جيوش نظامية فيها مئات الالاف من الجنود، تصحبهم قوات مدرعة، ومشاة وقوات جوية بمقادير عظيمة. واكثر من كل ذلك ان هذه الدول تملك قدرة كبيرة على ابطال تفوق اسرائيل الجوي بقدر كبير كما برزت في حرب لبنان وفي المعركة في قطاع غزة بوساطة عنصرين اساسيين: أ. احداث ميزان رعب، اي اطلاق صواريخ بعيدة المدى على مدن اسرائيل الرئيسة ردا على نشاط سلاح الجو؛ ب. استعمال نظم متقدمة للدفاع الجوي لاصابة طائرات سلاح الجو. ويعني ذلك أن الذراع الاستراتيجية الرئيسة لاسرائيل لن تستطيع العمل بحرية كما عملت في المواجهات الاخيرة.

        وامكان اخطر هو حرب تبادر اليها الدول العربية والمنظمات الارهابية على اسرائيل، تبدأ باطلاق كثيف للصواريخ وقصف المدافع لدولة اسرائيل – المدن، والتجمعات السكنية، والقواعد العسكرية وطرق النقل والمصانع المختلفة وما اشبه. تقول التقارير ان حزب الله يملك اليوم عشرات الالاف من مثل هذه الصواريخ تغطي مساحات واسعة داخل اسرائيل. وتملك سوريا كمية اكبر واشد كثافة من الصواريخ. يجب على اسرائيل أن تفكر في امكان ان يتم اطلاق كهذا بمفاجأة تامة. ساد اسرائيل حتى الان فرض أن اذرع اسرائيل الاستخبارية سيمكنها التحذير من اجراء حربي تخطط له جهة عربية. لم يعد يوجد يقين من ذلك. ان اطلاقا كثيفا كهذا قد يسبب شللا، ولو جزئيا، للنشاط الذي يشتمل عليه الاستعداد للهجوم المضاد.

        اخذ ينشأ ازاءنا واقع امني صعب شديد، يشك في ان تملك دولة اسرائيل ردا مناسبا عليه – على اساس استعدادها الامني الحالي. توجد علامة سؤال اثقل فوق احتمال ان تخرج اسرائيل من مواجهة كهذه منتصرة. صورة الوضع هذه توجب على دولة اسرائيل ان تفحص نظريتها الامنية فحصا جديدا عميقا.  

 

انشر عبر