شريط الأخبار

جاي افيعاد :ذراع حماس العسكرية في قطاع غزة: التطور وأساليب العمل والتوقع*

07:32 - 01 تشرين أول / يونيو 2009

ذراع حماس العسكرية في قطاع غزة: التطور وأساليب العمل والتوقع*

- ترجمة خاصة

بقلم: جاي افيعاد**

** رئيس قسم التوجيه في قسم التاريخ في الجيش الاسرائيلي ومؤلف كتاب معجم حماس.

        في الرابع والعشرين من كانون الاول 2008 أجاز المجلس الوزاري المصغر بقيادة رئيس الحكومة ايهود اولمرت إعمال خطة الجيش الاسرائيلي المحفوظة لمهاجمة قطاع غزة، وخول القيادة العليا العمل في تغيير الواقع الامني في جنوب البلاد لتحسين حياة السكان في المنطقة. بعد ثلاثة ايام بدأ الجيش الاسرائيلي عملية "الرصاص المصهور". بدأت العملية بضربة جوية لاهداف عسكرية لحركة حماس في القطاع. أبيد بموجتي هجوم شارك فيهما أكثر من ثمانين طائرة، مستودعات لخزن الصواريخ، ومواقع وقواعد تدريب ومراكز حكم. وبهذا أعطيت إشارة البدء لمعركة متصلة دامت نحو من ثلاثة اسابيع، كانت ذروة جديدة اخرى في الصراع المتصل بين الجيش الاسرائيلي وحركة حماس، في مقدار القوة والنار الذي استعمله الطرفان ومقدار الخسائر من الارواح والممتلكات ولا سيما في الجانب الفلسطيني.

        في ثلاثة وعشرين يوم قتال تلقت ذراع حماس العسكرية المعروفة باسم "كتائب عز الدين القسام"، ضربة مركزة لم تعرف لها مثيلا من قبل. قتل بحسب التقديرات مئات من نشطائها وجرح كثير اخرون جروحا متفاوتة، وبمقابلة ذلك كان عدد مصابي الجيش الاسرائيلي اقل كثيرا وناقض التوقعات المتشائمة التي عرضت قبل العملية. مع ذلك فان ذراع حماس العسكرية بعيدة من التلاشي، وظلت تملك قدرات كافية من جهة مقدار التسليح والقوة البشرية المدربة التي تملكها، لكي تعود وتتحدى الجيش الاسرائيلي في المستقبل ايضا. فمن الغير الممتنع أن تكون جولة القتال المقبلة قريبة جدا.

        ترمي هذه المقالة الى الفحص عن خصائص ذراع حماس العسكرية كجهة مقاتلة ذات اطار مؤسسي وأن تلقي الضوء على مبناها والغاية منها، وعلى المنطق الذي يوجه نظريته القتالية وعلى أساليب عملها. من أجل ذلك سنحلل مسارات تطور ذراع حماس العسكرية في القطاع في السنين 2004 – 2008، على خلفية انتقالها من خلايا ارهابية الى جسم تراتبي شبه عسكري، وسيتم الفحص عن اساليب قتالها في عملية "الرصاص المصهور" بناء على الاعدادات التي قامت بها في الفترة المذكورة اعلاه والوقوف في جملة ذلك على انجازاتها بحسب رؤيتها هي.

        السنتان 2004 – 2005 – مرحلة التحول

        سنة 2004 علامة على بدء مسيرة تحول الذراع العسكرية لحركة حماس في القطاع من ذراع ارهابية الى جسم ذي طرز مؤسسية ونظرية قتالية. العوامل التي افضت الى تحريك هذا التوجه مصحوبة بتغييرات داخل المنظمة في حماس وقرارات اتخذتها اسرائيل تتعلق مباشرة بمستقبل غزة. قوى اغتيال الشيخ احمد ياسين ونائبه عبدالعزيز الرنتيسي في الثلث الاول من 2004 قيادة حماس في "الخارج"، التي تمكث في دمشق، وأفضى الى توثيق علاقات الحركة بايران. بسبب ذلك بدأت الذراع العسكرية في غزة، التي تخضع مباشرة للقيادة في "الخارج"، التمتع بميزانيات كبيرة وتوجيه متخصص من اجهزة ايران الاستخبارية ووفد طهران في لبنان – منظمة حزب الله. كان من التعبير العملي عن ذلك اقامة ميليشيا "المرابطين" واقامة أحمد الجعبري، الذي أصبح بعد ذلك قائد ذراع حماس العسكرية ووريث محمد ضيف على رأسها. كانت الميليشيا ترمي الى ان تصبح قاعدة لجيش شعبي، وجزءا من مرحلة استعداد ضروري لمواجهة عسكرية مع منظمة فتح لصوغ شكل السلطة الفلسطينية. هذه التوجهات التي لاءمت استراتيجية حماس البعيدة المدى، زادت سرعة مع اجازة الكنيست خطة الانفصال في 26 من تشرين الاول 2004 وتخويل حكومة شارون قانونيا تنفيذها.

        ان ادراك حماس أن انسحاب اسرائيل من قطاع غزة قد تشكل وفتح الباب للصراع على السيطرة فيه زاد في سرعة مسيرة بناء القوة والأخذ بأساليب قتال لاءمت روح المقاومة وهوية الحركة الجهادية. في البدء قسم القطاع الى 6 ألوية او 7 مسؤولة عن مناطق محددة. عمل تحت قيادة كل قائد لواء قادة كتائب وقادة سرايا ولّوا خلايا ميدانية ضئيلة العدد، على حي على نحو عام أعدوا فيها تحصينات ونشروا رجالا في مواقف أعدت من قبل. ثاانيا زيدت دورات التجنيد للذراع العسكرية، وفي كل لواء ميداني عمل بين 1.000 الى 1.500 نشيط في المعدل. ثالثا تجاوز استعمال الانفاق غايته الاصلية لتهريب الوسائل القتالية والنشطاء، واصبح طريقة عمل مفضلة في مقاومة مواقع الجيش الاسرائيلي. أصبحت الانفاق الملغومة تهديدا محسوسا ووسيلة ناجعة، تسيطر عليها حماس لتقويض سلطة اسرائيل في القطاع قبل الانفصال وعرض خروجها من غزة على أنه هرب مذعور وانجاز للمقاومة. رابعا أنشىء نظام انتاج جماعي لصواريخ القسام في انحاء القطاع يشتمل على شبكة معامل ومخارط. زيد مدى الصاروخ تدريجا وزيدت قوة اصابته. وأسهم تهريب صواريخ غراد الى داخل القطاع في تحسين نوعي اخر وأدخل في دائرة اطلاق النار مستوطنات كثيرة داخل اسرائيل. وهكذا اصبح اطلاق الصواريخ المائل المسار ذراع كتائب عز الدين القسام الطويلة ووسيلة عقاب اسرائيل لمسها المكرر لرجالها.

        اندمجت موافقة حماس على اقامة تهدئة امنية مع اسرائيل في آذار 2005 اندماجا جيدا في خطط الحركة للمنافسة في انتخابات السلطات المحلية والمجلس التشريعي لحيازة ثروة سياسية. كذلك ادراك ان الكفاح المسلح في هذا الوقت كان قد يفسد تحقيق خطط الانفصال، ساعد في خفض مستوى عنف حماس وقت ما. مع ذلك لم تهدأ ذراعها العسكرية في مواقعها. استغل نشطاؤها الهدوء النسبي لزيادة قوتهم ولبناء قوة بحسب المستويات الاربعة التي ذكرت آنفا. ومع اتمام خروج اسرائيل من القطاع في آب – ايلول 2005 تم التحول من خلايا ارهاب الى منظمة ذات مبنى تراتبي، ونظريات قتال وعلامات عسكرية. اذا أصبحت حماس مستعدة لليوم الذي يتلو انسحاب اسرائيل من القطاع ولصراع عنيف على السيطرة عليه.

        السنين 2006 – 2008 – مرحلة تثبيت الاركان

        كان بدء سنة 2006 بالنسبة لحماس فترة تحقيق ارباح. ففضلا عن ان الحركة نجحت في نسج قصة نصر، تقول ان المقاومة المسلحة افضت الى انسحاب الجيش الاسرائيلي من غزة مثل خروج الجيش الاسرائيلي من الشريط الامني في جنوب لبنان في أيار 2000، نجحت في أن تترجم ذلك أيضا الى تأييد سياسي ومشايعة الجمهور. في الخامس والعشرين من كانون الثاني 2006 فازت الحركة بنصر كاسح في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وشغلت اربعة وسبعين مقعدا من جملة 132 مقعدا فيه. بعد ذلك بشهرين اقيمت حكومة خالصة لحماس يرأسها اسماعيل هنية وأصبحت الحركة هي الحزب الحاكم. ساعد هذا التطور في استمرار تقوي الذراع العسكرية الدائم الى حد أن اصبحت عنصرا غطى على أجهزة السلطة الفلسطينية الامنية. فضلا عن اقامة ميليشيا جديدة على صورة "القوة التنفيذية" الى جانب كتائب عزالدين القسام، اضيف الى حماس آلاف من المسلحين تحت غطاء شرطة زرقاء، وأصبح من الممكن توسيع ظاهرة التهريب في أنفاق رفح ونظام انتاج الصواريخ بلا عائق تقريبا، ولا سيما وقد تقدم ذلك انسحاب الجيش الاسرائيلي من محور فيلادلفيا ولم تعد توجد رقابة متصلة على طوله.

        لكن عندما أصبحت حماس الجهة السياسية المهيمنة في المجتمع الفلسطيني، لم يعد يقاس قوة الذراع العسكرية بقدرتها على الحفاظ على توتر عسكري مع اسرائيل وتوسيع صفوفها، بل كركيزة اساسية للسلطة ايضا. بالرغم من اداء حكومة هنية اليمين الدستورية، لم تسلم منظمة فتح لفقدان مراكز القوة لمصلحة حماس وسعت الى الدوام لتقويض أسسها. من أجل ذلك أصبحت كتائب عز الدين القسام الحارس لسلطة حماس، في كل ما يتصل بقطاع غزة، وساعدت "القوة التنفيذية" على علاج مظاهر الفوضى وقمع علامات العصيان والدسائس السياسية. وهكذا أصبح بقاء النظام الحاكم بقيادة حماس الداخلية في القطاع متعلقا بجدوى الذراع العسكرية للحركة، التي اطاعت القيادة الخارجية في دمشق وحصلت منها على المال والسلاح والتوجيه.

        عملت الذراع العسكرية لخضوعها لاعضاء مكتب حماس السياسي، الذي هو القيادة العليا للحركة الموجودة خارج المناطق، عملت أكثر مرة بما لا يتفق ومصلحة القيادة الداخلية في غزة، وأظهرت موقفا مستقلا لها وفرضت واقعا سياسيا مختلفا. كان اختطاف الجندي جلعاد شليت في الـ 25 من حزيران 2006 مثالا بارزا واحدا فقط على ذلك. لكن تحرير السجناء رآه المجتمع الفلسطيني على اختلافه اجماعا وحظيت العملية بتشجيع عام. لكن الضربات التي تلقتها حركة حماس في سلسلة عمليات قام بها الجيش الاسرائيلي تحت الاسم الشيفري "مطر الصيف" بين الـ 28 من حزيران الى الـ 26 من تشرين الثاني 2006 جعلت من الصعب على حكومة هنية ان تحكم حكما ذا جدوى وزادت الصراع العنيف في شوارع غزة مع مخلصي أبي مازن ومنظمة فتح. استمرت هذه المواجهات حتى سنة 2007 وبلغت ذروتها في الشهرين آيار وحزيران على خلفية قرار الرئيس أبي مازن على نشر أجهزة الامن الخاضعة له في أنحاء القطاع على نحو لا يتفق مع رأي حماس. حاسبت ذراع حماس العسكرية نفسها، وهزمت باجراء حسن التوقيت أجهزة أمن السلطة التي كانت متفوقة بالعدد والمعدات، باستعمال كثيف للانفاق الملغومة التي حفرت تحت قيادات فتح في القطاع. ان سيطرة كتائب عز الدين القسام في الـ 14 من حزيران على قيادة الامن الوقائي في تل الهوى أنهت حكم السلطة بقيادة أبي مازن للقطاع، وأصبح الانقلاب الذي نفذته حماس حقيقة تامة. ومع القضاء على مركزي قوة عائليين – عائلة حلس (آب 2008) وعائلة دغمش (ايلول 2008) – أصبح حكم حماس في غزة حصينا جدا، واصبحت الذراع العسكرية اقوى جهة في القطاع.

        خصائص قتال حماس – من النظرية الى التطبيق

        الى جانب عمل الذراع العسكرية لحماس كحارس وحيد لسلطة الحركة في غزة من تهديد الداخل، لم تهمل هدفها الأصلي كجهة محاربة، واستعدت لمواجهة التهديد الخارجي ايضا اي غزو اسرائيل للقطاع. ان انفصال اسرائيل عن غزة، والقدرة على الخروج من القطاع ودخوله بحرية نسبية وتوسيع ظاهرة التهريب الى حد ان اصبحت صناعة حقيقية تحت رعاية حكومة هنية منح مبنى قوة كتائب عز الدين القسام ابعادا جديدة. خرج مئات من النشطاء من حدود القطاع وأجروا تدريبات متقدمة في ايران وسورية ولبنان تشتمل على مهارات جمع معلومات استخبارية، واستخفاء، وتركيب شحنات ناسفة محكمة واستعمال صواريخ مضادة للدبابات من طراز متقدم. فضلا عن ذلك أجرى آلاف المجندين الجدد تدريبات داخل القطاع، اشتملت على اطلاق صواريخ مضادة للدبابات وغيرها مثل الـ آر.بي.جي وياسين (صاروخ من انتاج حماس نفسها) وعلى التلغيم وغير ذلك.

        منحت حرب لبنان الثانية في صيف 2006 ونجاح حزب الله في أن يثبت للجيش الاسرائيلي مدة 34 يوما من القتال اكثر من غيرهما الذراع العسكرية لحماس حقنة منشطة واسهما في تطوير قدراتها. كانت اساليب عمل حزب الله بالنسبة لحماس مثالا يحتذى وقدوة لادارة قتال غير متناسب مع استغلال تضاريس الارض وضعف العدو.

        بناء على الدروس المستخلصة طورت ذراع حماس العسكرية نظرية دفاعية قامت على عدة ركائز. الاولى ادركت حماس مزايا النظام تحت الارض مثل طراز "المحميات الطبيعية" لحزب الله في جنوب لبنان. فضلا عن ان استعمال الانفاق استعمالا ناجعا مكن من ابطال التفوق الجوي لسلاح الجو بقدر ما، كان نظاما ناجعا لزيادة طول نفس الذراع العسكرية كجهة محاربة ووسيلة لبقاء نشطائها في قيد الحياة. خدم تفريق مستودعات الصواريخ في باطن الارض في كل لواء ميداني هذا الهدف.

        ثانيا تغلغل في حماس ادراك ان استنزاف الجبهة الاسرائيلية الداخلية باطلاق الصواريخ من بعيد وابطال الحياة المدنية وقتا طويلا حتى آخر ايام المعركة، كما حدث في حرب لبنان الثانية، يستطيع ان يقلل من الشعور بالانجاز العسكري لاسرائيل وأن يصبح مصدر خيبة أمل وشعور بأن الجيش الاسرائيلي لم يلب التوقعات. وعلى ذلك عملت الذراع العسكرية في إعداد خطة نار منظمة يصحبها انضباط تنفيذي وثيق، سعت الى اطلاق رشقات محدودة لكنها متصلة على داخل اسرائيل، حتى لو احتل عدد من مواقع الاطلاق المعروفة في شمال القطاع، مع استغلال المجال البلدي المكتظ في مدينة غزة ومخيمات اللاجئين في ظاهرها.

        ثالثا سعت ذراع حماس العسكرية الى ان تجبي من الجيش الاسرائيلي ثمنا باهظا من الارواح، بجره الى عمق المنطقة المبنية حيث كان يفترض ان يلقى جنوده فيها ساحات شحنات ناسفة، وآبارا ملغومة، واطلاق نار القناصة، ومخربين منتحرين ومن اشبههم. إن معرفة حماس بحساسية اسرائيل لسقوط الجنود قالت إن عددا كبيرا من القتلى من الجنود قد يقصروا أمد القتال، ويمس بالروح المعنوي ويخلف شعورا قويا باضاعة الفرصة.

        رابعا استعدت ذراع حماس العسكرية لاحداث "مفاجآت" في اثناء القتال لاخراج المجتمع الاسرائيلي عن اتزانه واحداث انجاز تزيد قيمته في الوعي بالضرورة على اهميته العملياتية المباشرة. اضافة الى المصطلحات المنقولة عن حزب الله، كان يوجد في أساس تفكير حماس الرغبة في عرض الجيش الاسرائيلي عاريا، والتلويح باخفاقاته واحداث ضغط عام لوقف المعركة في المستقبل قبل احراز اهدافها. على هذا النحو تستطيع الذراع العسكرية لحماس ان تعرض فوزا بالنقاط يعد في نظرها نصرا حاسما.

        خامسا على خلفية قدرات الجيش الاسرائيلي الاستخبارية ولا سيما الاغتيالات، جعلت ذراع حماس العسكرية هدفها الحاجة الى الذوبان في السكان المحليين وأن تصبح عدوا غير ذي صورة متملصا يصعب تحديد موقعه، صدورا عن الرغبة في الاقلال من عدد مصابيها والحفاظ على بقاء قوتها ولادراكها أنه على خلفية تفوق الجيش الاسرائيلي النوعي ينبغي العمل في أطر صغيرة في مستوى الخلية بأسلوب أضرب واهرب، أي انه ليس حكم القوة الكمية التي استعملت ازاء اعداء في الداخل كحكم الثبات لعدو من الخارج يتمتع بتفوق تقني وفروق قوة. فضلا عن ذلك كان يمكن الذوبان في السكان أن يكون قدرة كامنة على قتل الجيش الاسرائيلي لجماهير غير مشاركة بطريق الخطأ. إن حدثا محددا كهذا، مثل قصف كفر قانا في عملية "عناقيد الغضب" في 1996 وفي حرب لبنان الثانية بعد ذلك بعقد، كان يمكن ان يفضي الى تهدئة او فوق ذلك – الى وقف تام للمعركة. رأت الذراع العسكرية فضلا عن تسويد وجه الجيش الاسرائيلي كجيش اخلاقي، ان الضغط الدولي كان يفرض نتيجة بالضرورة لمصلحة حماس ويجعل انجازات اسرائيل حتى ذلك الوقت قزما.

        مع عودة ذراع حماس العسكرية لوعيها بعد ضربة البدء في عملية "الرصاص المصهور" حاول نشطاؤها تطبيق مبادىء العمل الموجودة في أساس خطة دفاعها عن القطاع. على نحو عام خلع محاربو حماس ملابسهم العسكرية، وذابوا في السكان المدنيين، الذين جعلوهم درعا بشرية برغم انوفهم، وامتنعوا عن الاحتكاك المباشر بالجيش الاسرائيلي في المناطق المفتوحة بين محور "هوبريس" وظاهر المنطقة المدنية. اذا استثنينا نار القناصة، نجد ان نار حماس المضادة لقوات الجيش الاسرائيلي استعملت من بعيد واشتملت على استعمال قذائف هاون وشحنات ناسفة معدة للاستعمال في محاور التحرك وبيوت ملغمة، واطلاق صواريخ مضادة للدبابات من نوع آر.بي.جي وياسين. سعى نشطاء ذراع حماس العسكرية الى جر الجيش الاسرائيلي الى عمق المنطقة المدنية حيث كان يمكن الغاء بعض امتيازاته، وحاولوا في الوقت نفسه احداث مفاجآت تكتيكية تستطيع ان تغير الثمن في الارواح، وربما ان تغير بذلك وجه المعركة كله. تنقل محاربو حماس داخل انفاق تحت الارض في محاولة لمهاجمة القوات من الخلف، وكانوا في حالة واحدة على الاقل قريبين من اختطاف جندي بادخاله في شبكة ستائرهم ومن هناك الى مكان آمن. فيما يتصل باطلاق الصواريخ المائل المسار على داخل اسرائيل، اطلق عدد ضئيل من الصواريخ قياسا الى التقديرات السابقة، التي راوحت بين 100 الى 200 اطلاق في اليوم، لكن لا ينبغي ان نرى ذلك انجازا لهجمات سلاح الجو على مستودعات الذخائر ومناطق الاطلاق خاصة، بل شهادة على منطق منظم للجهاز. يبدو أنه في خلال القتال، تشكل في حماس ادراك انه يكفي اطلاق بعض الصواريخ البعيدة المدى على بئر السبع واوفاكيم في الشرق وفي اتجاه اسدود ويفنه في الشمال للتشويش على نظام الحياة في جنوب اسرائيل. ان الحفاظ على هذا الاتجاه التوفيري حتى اخر يوم في القتال شهد بانضباط عملياتي، وبخطة نار مخطط لها جيدا وبرغبة في اطالة مدة القتال مع الحفاظ على قدرة البقاء العملياتية الى جانب تقويض انجازات الجيش الاسرائيلي. ان التقطير الذي لا ينقطع بالصواريخ، برغم وجود الجيش الاسرائيلي شمالي القطاع ومع تطويق مدينة غزة، برهن على ان حماس قد نشرت نشرا محسوبا نظام قوات صواريخ غراد بين الويتها الميدانية وكتائبها. على هذا النحو سلبت اسرائيل القدرة على توجيه ضربة ساحقة الى نظام حماس المدفعي، برغم اصابة شخصيات رئيسة مثل ايمن صيام، رئيس نظام الصواريخ في القطاع، وأمير منسي قائد النظام داخل مدينة غزة، وكان ذلك رسالة ما من حماس تقول انه بغير احتلال القطاع كاملا وهو هدف ارادت اسرائيل الامتناع عنه، الى كونه لا يلائم الساعة الرملية السياسية، لم يكن من الممكن وقف اطلاق الصواريخ.

        في الواقع أحرزت خطة حماس اهدافها جزئيا فقط. لكنها كانت تكفي لمنح ذراعها العسكرية الشعور بالنصر. بالرغم من الذوبان في السكان، قتل مئات من النشطاء العسكريين، لكن مع ذلك كانوا نسبة ضئيلة من جملة القوات المحاربة في حماس، الى ان عشرات القتلى لم يكونوا ينتمون تنظيميا الى الحركة بل الى منظمات اخرى كالجهاد الاسلامي ولجان المقاومة الشعبية. فضلا عن ذلك لم يكد يمس مستوى القيادة العليا للذراع العسكرية، برئاسة احمد الجعبري وقادة الالوية والكتائب تحته، اي ان حماس احتفظت بقوتها العسكرية احتفاظا يمكنها من الاستمرار على حكم القطاع وتجديد المواجهة مع اسرائيل في اي لحظة.

        ان استعمال السكان درعا مدنية سبب قتلى غير المشاركين بنسبة عالية، لكنه لم يمنع اسرائيل الاستمرار في العملية العسكرية. كذلك لم تحرز الحادثة المحدودة للقصف قرب مدرسة "الفاخورة" للانروا في غزة في السادس من كانون الثاني 2009، حينما قتل 42 مواطنا، لم تحرز في نظر حماس تأثير كفر قانا ولم تفضِ الى وقف العملية، لكن استعمال العدد الكبير من المصابين لا ريب في أنه خدم حماس في اليوم التالي في كل ما يتصل بجبهة الوعي والمعركة على الرأي العام العربي والدولي.

        ان اقامة نظام الانفاق والملاجيء في قلب المنطقة البلدية لمدينة غزة وضواحيها خدمت حماس في الحاجة الى الاستخفاء. مع ذلك لم يهرب مستوى القيادة السياسية للحركة تماما من تهديد الاغتيالات. نجح الجيش الاسرائيلي في اصابة نزار ريان، عضو القيادة السياسية لحماس وصاحب السلطة الفقهية الكبيرة في الواحد والثلاثين من كانون الاول 2008، وسعيد صيام وزير داخلية حكومة حماس في 15 كانون الثاني 2009. عد كلاهما في الخمسة الرؤساء من قيادة حماس في القطاع، ومع اصابة صلاح ابو شرخ رئيس جهاز الامن الداخلي لحماس ايضا، حظي الجيش الاسرائيلي بانجاز استخباري وعملياتي، لكن حقيقة أن جل قيادة حماس مع انقضاء المعركة ظلوا في قيد الحياة وتمسكها وان سيطرتها على القطاع بقيت على حالها كانت كافية لان تفسر كانتصار وبرهان على أن القدرات الجوية والاستخبارية مهما تكن ناجحة لا تكفي لنقض عرى الحركة.

        لم تنجح ذراع حماس العسكرية في ان تجبي ثمنا باهظا من جنود الجيش الاسرائيلي، وفشلت في قدرتها على احداث "مفاجآت" في الصعيد التكتيكي. على العموم امتنع محاربوها من مواجهة للجيش الاسرائيلي وجها لوجه، ولاذوا بالفرار نحو عمق المنطقة الاهلة مع ترك وسائل قتالية كثيرة وراءهم، لكن حماس ترى ان حقيقة ان  الجيش الاسرائيلي امتنع من دخول مخيمات اللاجئين المكتظة كافية لادراك انها احدثت نوعا ما من الردع.

        كانت قدرة الذراع العسكرية على الحفاظ على معدل اطلاق نار مائل المسار اطلاقا نقيسا متصلا من وجهة نظر حماس احد انجازات المعركة المهمة. ففضلا عن ان نظام الحركة المدفعي لم يسكت برغم استمرار القتال والتفوق الجوي والعملية البرية للجيش الاسرائيلي، فانه حافظ على خطة منظمة، وبين انضباطا عملياتيا عاليا وبرهن على أن تفريق مستودعات التخزين وقواعد الاطلاق بين المناطق ثبت للامتحان. وفوق ذلك كانت تكفي حقيقة أن نحوا من مليون مواطن في اسرائيل ادخلوا في مدى نيران حماس، مع التشويش على الحياة في الجبهة الداخلية، والاضرار الحقيقي باقتصاد منطقة الجنوب وتهديد منشآت استراتيجية مثل ميناء اسدود ومطارات سلاح الجو في المنطقة، ولا سيما بعد ان اطلقت حماس الطلقة الاخيرة لتحظى بنقط استحقاق اخرى.

        الخاتمة

        وجهت عملية "الرصاص المصهور" ضربة شديدة وان لم تكن بالغة الخطر، الى ذراع حماس العسكرية. برغم قوة النيران التي استعملها الجيش الاسرائيلي وبرغم مئات القتلى منها، كان في جولة القتال الاخيرة ما يشهد على المسافة التي قطعتها الذراع العسكرية من خلايا ارهابية ذات مبنى تراتبي ضعيف الى قوة محاربة ذات اطر المؤسسة ونظرية قتالية. ان قدرتها على الحفاظ بقدر ملحوظ على قوتها بعد 23 يوما من القتال المتصل ازاء قوة الجيش الاسرائيلي، وبرغم انها لم تجبِ الثمن من جنوده كما توقعت، اثبت مبلغ التفكير والجهد الذي بذلته حركة حماس مدة سنين في جانب بناء القوة واستعمالها. لا ينبغي إذن الاستهانة بقدرة الذراع العسكرية على استخلاص الدروس للمستقبل من المواجهة الاخيرة، وعلى أن تملأ من جديد صفوفها وتقوى بوسائل تحسن قدراتها. وعلى ذلك يحتاج الى انتباه زائد الى اشارة التحذير التي اضيئت بعد عملية "الرصاص المصهور" اكثر من رؤيتها اعادة بناء لردع اسرائيل، مع فهم ان الجيش الاسرائيلي انتصر بالمعركة لكنه ما يزال بعيدا عن حسم الحرب كلها.

 


 

انشر عبر