شريط الأخبار

عكا في مواجهة الترحيل: 8000 مواطن فوق فوهة بركان

09:53 - 01 تشرين أول / يونيو 2009

فلسطين اليوم : عكا

ليس السؤال إذا ما كانت عكا مرشحة لدورة شبيهة لما حدث "ليلة الغفران" وأعنف أم لا، وإنما: متى ينفجر برميل البارود الذي يجلس فوقه 8000 مواطن، يمارس ضدهم القهر مع مطلع شمس كل يوم ومغيبها؟

ويبدو أن انتفاضة سكان عكا تبدو أقرب مما يتوقعه الذين حولوا البلدة القديمة إلى "جيتو" محاصر من الجهات الأربع، فلا يصل إليه حتى الهواء النظيف.

عكا القديمة - هكذا يحب أهلها تسميتها - ربما كانت المدينة الكاملة الوحيدة في الداخل الفلسطيني التي لا تتلقى الخدمات من سلطتها المحلية مباشرة. فهي ببيوتها وشوارعها وأحيائها وأزقتها وحجارتها تقع تحت سلطة سوط "شركة تطوير عكا" في أغلبها، وتحت لسع كرباج شركة "عميدار". لا علاقة للبلدية إلا بالمواطنين الذين أصبحوا من الدرجة العاشرة، بعد أن كانوا ذات يوم درجة ثانية. والعلاقة هذه هي أحادية الجانب؛ تتمثل بدفع الضرائب دون خدمات...

كانت عكا قبل 1948 في أغلبها وقفا إسلاميا، ويوم أجبر أهلها على تركها تحولت إلى "أملاك غائبين"؛ اللهم سوى وقف جامع الجزار، و"الوقاف الذُري" التي تمكن أصحابها من الحفاظ عليها.

أخليت عكا من أهلها يومها، ولكن عاد إليها عدد من مهجري القرى التابعة للقضاء... ولذلك - كما قال مرافقي - فإن سكان عكا اليوم ليسوا من أهلها الأصليين قبل النكبة، إلا القليل منهم.

وكما حدث مع غيرها، فقد وضعت المؤسسة الإسرائيلية يدها بقوة البطش على كل ما فيها، تحت طائلة قانون "أملاك الغائبين". ثم تم إنشاء شركة "عميدار" الحكومية للسيطرة على بيوتها، وبعد فترة انتقلت المسؤولية إلى شركة التطوير، التي هي في الحقيقة شركة "لتطيير" السكان من مدينتهم، كما يقول أهلها بمرارة.

أرملة في مواجهة "عميدار"

السيدة وفاء شموخ، أرملة تعيل لوحدها خمسة أولاد... ذاقت مرارة القهر على جلدها.

قبل نحو 29 عاما قررت مع زوجها (المرحوم) شراء بيت يؤويهما وأطفالهما. وعثرا على بيت قديم آيل للسقوط، لا يمكنك الوصل إليه إلا بعد هبوط أكثر من 30 درجة، لتجد نفسك في مكان "تحت الأرض" تنبعث من جنباته رائحة الرطوبة.

تقول السيدة وفاء: اشترينا البيت من ساكنه السابق باتفاقية قانونية، وحصلنا على قرض إسكان، من بنك "هعتسمؤوت" (غير موجود اليوم) لنتمكن من دفع ثمن البيت. وكما تعلم فإن البنك لا يمنح قروضا إلا بعد فحص البيت للتأكد من أنه ليس ملكا لأحد آخر، وليس "عليه مشاكل" كما يقولون. وفجأة ظهرت شركة "عميدار" التي ادعت بأننا اقتحمنا البيت بصورة غير قانونية. وعبثا حاولنا إقناع الشركة بأن البيت ملك لنا، وأننا لم نأخذ قرض الإسكان إلا بعد فحص البيت. فقد أصرت الشركة على ملكيتها للبيت. وفي هذه الأثناء توفي زوجي بنوبة قلبية مفاجئة، وأصبحت لوحدي في ساحة المعركة. بدأنا نقصر في دفع الأقساط بسبب ضيق ذات اليد وصعوبة المعيشة. فاشتكانا البنك وطالبنا بالدين. وبعد فترة توصلنا إلى اتفاق مع محامي البنك على تقسيط المبلغ. وسارت الأمور على هذا الحال.

وتتابع: قبل وفاة زوجي عام 2000 جاء مندوبو "عميدار" لمسح البيت، ولم نكن نعرف شيئا عن الشركة ولا لماذا جاءوا أو ماذا يريدون. ثم طالبونا بإخلاء البيت. وخضنا معركة قضائية ضد الشركة، وكالعادة خسرناها، وألزمتنا المحكمة بدفع مبلغ 500 شيكل شهرية لعميدار. ولم يكن أمامنا أي حل آخر... ودفعنا على مضض، ولكن الشركة واصلت مطالبتها إيانا بالإخلاء بسبب التقصير في الدفع، لكنني تفاهمت معهم على ترتيب جديد يقضي بأن ندفع مبلغ 200 شيكل شهريا. ولأنني مدينة لجهات كثيرة فقد توجهت إلى دائرة الإجراء وطلبت توحيد ملفات الدين، حتى أتمكن من الدفع، وقد شمل التوحيد "الدين" لعميدار، فجن جنون الشركة، وطالبتني بالإخلاء من جديد. ثم جاء أمر المحكمة الأخير بالإخلاء، والذي حدد له يوم 3 6 2009. أي في الأسبوع القادم. توجهت إلى جهات عديدة في المدينة ولكن أحدا لم يساعدني بشيء. وجاءت الشرطة قبل أسبوعين وأبلغتني بضرورة الإخلاء وإلا سيتم إخراجنا بالقوة مع إلزامنا بدفع تكاليف الإخلاء. فتوجهت إلى شركة "عميدار" وحاولت تأخير الإخلاء، وبعد بكاء ونقاش ودموع وجدال "وافقوا" على إمهالي حتى يوم الثلاثاء (وسط هذا الأسبوع) لأدفع مبلغ 4000 شيكل نقدا ومواصلة دفع الأقساط الشهرية (بمبلغ 200 شيكل) وحتى الآن لا أعرف كيف سأتدبر أمري ولا من أين سأحصل على المبلغ.

وتناشد السيدة وفاء شموخ كل من له ضمير حي ان يقف إلى جانبها، لأن القضية ليست قضية شخصية، تنحصر في بيت واحد بل هي قضية وطنية من الدرجة الأولى وتخص جميع سكان عكا، الذين قد يصبحون ذات يوم ليجدوا أنفسهم في العراء. فغالبية بيوتهم إما ملك لشركة التطوير وإما لعميدار.

وفاء شموخ، هي في الأصل ابنة لمهجرين من قرية السميرية (بين عكا والمزرعة).. وهي اليوم مهددة بقصة تهجير جديدة.

كسبنا القضية... ولكن

المواطن محمود عدايسي (52 سنة) أب لأربعة أولاد، لا تفارق الابتسامة شفتيه، لكن المرارة والغضب يتفجران من كل كلمة ينطق بها.

كما وصلنا إلى بيت السيدة وفاء هبوطا تحت الأرض، كان علينا ان نتسلق أكثر من 30 درجة لنصل إلى بيت عدايسي. هكذا هي عكا والحياة فيها. تهبط وتصعد والنتيجة واحدة.

يقول: اسكن هذا البيت المتواضع الذي تراه، منذ عام 1986. وقد اشتريته بقرض إسكان، مثل غالبية السكان. وقبل بضع سنوات احترق البيت بسبب تماس كهربائي. وكان البيت يومها تابعا لشركة "عميدار" (اليوم هو تابع لشركة التطوير مثل جميع البيوت في شارع رقم 10). وتعهدت الشركة بإصلاح البيت لأنه مؤمن بحسب قرض الإسكان. وأوجدت لنا بيتا بديلا بالأجرة ألزمت بدفع 100 دولار من أجرته إلى جانب مواصلة دفع قسط الإسكان. وكان إصلاح البيت لا يجب ان يستغرق أكثر من شهرين أو ثلاثة، إلا أن الشركة استغرقت 4 سنوات كاملة في تنفيذه، عانيت خلالها مرارة التنقل بين المؤسسات لأتمكن من العودة إلى بيتي. ولم تصلح الشركة البيت خلال هذه الفترة لأن المسؤولية انتقلت إلى شركة تطوير عكا. واضررت إلى الانتظار 3 سنوات أخرى حتى أصلحت شركة التطوير البيت، وأنا أدفع أقساط قرض الإسكان والأجرة الشهرية للبيت المؤقت. وأثناء عملية الترميم ظهرت فجأة سلطة الآثار وأوقفت العمل بحجة الحفاظ على الطابع العام للبيوت القديمة. وهكذا – كما ترى حيث نجلس الآن – فإن في وسط غرفة الاستقبال مربع من البلاط القديم (الذي لا تزال آثار الحريق ظاهرة عليه) حيث منعتنا سلطة الآثار من تغييرها.

في نهاية الأمر تم ترميم البيت، وسلموه لي. ولكنني فوجئت بعد فترة بشركة التطوير ترسل إلي وتطالبني بدفع نحو 92 ألف شيكل، هي حصتي من عملية الترميم على حد زعمها. وكان هذا الأمر مفاجئا لي، بل صدمني بشدة. فالبيت مؤمن ضمن قرض الإسكان، والترميم يجب ان يكون على حسابهم، كما أن الشركة لم تبلغني منذ البداية بأنني سأتحمل جزء من تكاليف الترميم. ورفضت أن أدفع، وأوكلت الملف إلى محام يهودي كان في السابق موظفا كبيرا في "دائرة الأراضي". أي أنه يعرف أصول اللعبة وتفاصيلها وخفاياها. وبعد سنتين من المداولات في المحاكم كسبت القضية ضد شركة التطوير، التي رفضت المحكمة كل ما جاء في دعواها، وخاصة الأرقام المبالغ فيها حول تكاليف الترميم. وردت المحكمة دعوى الشركة وألزمتها بدفع أتعاب المحامي.

ويختم السيد محمود عدايسي: قدر الله سبحانه وتعالى أنني استطعت توكيل محام يتقاضى أتعابا باهظة. ولكن ماذا يفعل غالبية سكان عكا القديمة الذين بالكاد يستطيعون توفير قوت يومهم؟ لهذا فإنني أناشد المؤسسات الحقوقية، وخاصة مؤسسة "ميزان" لحقوق الإنسان وغيرها أن تقف إلى جانبنا في المسار القضائي. وكذلك أناشد الفعاليات السياسية في الداخل ان تتحرك فورا لمنع إخلاء عكا من سكانها الفلسطينيين. فالهدف واضح.. إنهم لا يريدوننا هنا ويسعون بكل وسيلة للسيطرة على الحجر والشجر بعد طرد البشر.

عكا... التي وقفت أمام أعتى الأمواج... أمواج البحر الهادر، وأمواج الاستعمار... تقف اليوم على مفترق طرق... والمخطط الرسمي مستمر لإفراغها من أهلها وتسليمها إلى الغريب...

عكا تحفة المدائن وجوهرة فلسطين... تبكي مرارة وتصرخ ألما.. داخل الأسوار المحاصرة من جهاتها الأربع...

قبل المغادرة لفت انتباهنا عدد من أفراد إحدى الوحدات العسكرية يحملون الخرائط ويتراكضون بين الأزقة، بحثا عن "علامات" يبدو أنها حددت لهم مسبقا.

قال مرافقي: إنهم يتدربون داخل عكا القديمة ضمن التدريبات العسكرية على حرب الشوارع داخل المدن... ربما في لبنان وربما في غزة وربما في كليهما... وعلى بُعد بضعة أمتار من جامع الجزار أشار مرافقي إلى أساسات بناء جديد، وقال: هنا يقيمون فندقا سياحيا ضخما... على أرض عكا، داخل الأسوار، في أرض الوقف... بينما لا نستطيع ان نقلب حجرا صغيرا، لأنك إذا فعلت ستأتيك عميدار أو شركة التطوير أو سلطة الآثار وتتهمك بتدمير التاريخ...

غادرنا الأسوار... وكان صوت الأمواج هادئا.. فهل سيبقى الصوت هادئا إلى الأبد؟

الشيخ محمد ماضي: المؤامرة على أهل الداخل يبدأ من الحلقة الأضعف

الشيخ محمد ماضي، مسؤول الحركة الإسلامية في عكا يقرأ الوضع في المدينة أفضل مما يقرأ باطن كفه. فهو يتابع ما يحدث ضد المدينة التاريخية وأهلها منذ سنوات، ويؤكد بأن المخطط أكبر وأخطر مما يتصوره الكثيرون، وربما يفاجئ من اعتقدوا من أهلنا ومن بينهم مسؤولون وأعضاء في البلدية بأن شركة عميدار أو شركة التطوير تريد خيرا بأهل عكا العرب.

يقول الشيخ ماضي إن مشكلة السكن هي قديمة جدا والهدف الذي وضعته المؤسسة الإسرائيلية نصب عينيها إخلاء المدينة من أهلها، وإحدى هذه الوسائل شركة عميدار وشركة التطوير. فهناك اليوم نحو 200 بيت تابعة بحكم قانون "أملاك الغائبين" للشركتين. ولطالما نبهنا إلى الأسلوب الخبيث الذي يتبعونه لإخلاء هذه البيوت.

فعميدار أعلنت مؤخرا بأنها تريد بيع البيوت لساكنيها على ان يدفعوا حصة عميدار فيها (والتي تساوي أكثر من ثلث ثمنه)، ولكن الشركة ما أقدمت على هذه الخطوة إلا وهي تعلم بأن الغالبية العظمى لن يتمكنوا من الشراء، لأن أوضاع السكان ضعيفة اقتصاديا، وفي نفس الوقت لا يمكنهم الحصول على قروض إسكان لأن البنوك أعلنت قبل نحو 5 سنوات أنها لن تمنح قروضا لسكان عكا القديمة. وهكذا احكم الطوق حولها. وفي هذه الظروف تقول عميدار بأنها مصرة على البيع وأنها ستعرض البيوت في المزاد العلني، لتأتي جمعيات يهودية ورؤوس أموال يهود وأجانب للشراء، حيث شهدت السنة الأخيرة هجمة غير مسبوقة. من جهة أخرى هناك من السكان من تراكمت عليهم الديون عن الأجرة الشهرية، فتاتي الشركة وتطالب بهذه الديون وهي تعلم أن الساكنين لن يتمكنوا من دفع عشرات آلاف الشواقل فتستصدر أوامر إخلاء. وبالأمس فقط (يوم الأحد) تلقيت اتصالات عدة من سكان مهددين بالإخلاء خلال الفترة القريبة. والهدف هو تهويد المدينة وطمس معالمها العربية والإسلامية. فهم حتى أسماء الشوارع غيروها، لتصبح إما صليبية وإما يهودية.

ويضيف الشيخ ماضي: لقد استغلت المؤسسة الوضع الاقتصادي وانقضت على عكا والتي هي الحلقة الأضعف بين المدن المختلطة ضمن مشروع تفريغ هذه المدن أولا، ثم الانتقال إلى المثلث فالنقب. إنهم يسعون لإخلاء البلاد من أهلها الفلسطينيين. وإذا لم يكن هناك موقف وتحرك عملي جدي على مستوى الوسط العربي كله فإن وضعنا في خطر. وأنا أقول لمن قالوا قبل أسبوعين بأن "من يراهن على أموال الخليج فهو رهان خاسر"! أقول: إننا ندعو ليس فقط دول الخليج، بل كل الدول العربية والإسلامية لتقدم الدعم لتثبيت أهلنا في أرضهم ووطنهم.

انشر عبر