شريط الأخبار

حرب الأدمغة في «أرشيف» مقاوم

10:31 - 26 حزيران / مايو 2009

حرب الأدمغة في «أرشيف» مقاوم

«أيام التحرير هي أجمل أيام حياتي 2000»، يقول ضابط في المقاومة الإسلامية في عيد المقاومة والتحرير. لكن المقاوم الذي شهد النصر لا يستطيع في يوم مماثل إلا أن يحكي عن مقاومين حققوا الشهادة «ففي رقابنا دين لهم»

مهى زراقط

«كل عيد وأنت بخير».

يبتسم الحاج جهاد، اسم مستعار لأحد ضباط المقاومة الإسلامية، وهو يسمع هذه التهنئة بيوم أسهم هو ورفاقه في تحويله إلى عيد وطني. يوم كان واثقاً من أنه سيأتي «لأني كنت أرى الهزيمة التي تلحقها المقاومة بجنود الاحتلال وعملائه، وخصوصاً مع تصاعد العمليات النوعية ضدهم».

في تلك المرحلة، كان الحاج جهاد ورفاقه يشعرون بالنصر عند كل ّعملية ناجحة، لكنه شعور بقي حكراً عليهم حتى أيار عام 2000. يومها التحم الأهالي والمقاومون معاً في عملية اقتحام القرى المحتلة وتحريرها «وعشت أجمل أيام حياتي» يقول. لكن ذلك اليوم غاب عنه كثيرون من أبطاله: الشهداء، الذين كانوا يتسللون سراً إلى القرى المحتلة ويزرعون فيها العبوات، والاستشهاديون الذين كانون يسيرون بخطى واثقة نحو أهدافهم. هؤلاء كانوا حاضرين في ذهن الحاج جهاد كلّ أيام التحرير وما تلاها. لذلك، يجد نفسه اليوم، مستعداً للحديث مع الإعلام رغم أنه لا يحب ذلك. وهو عندما يفعل لا يبخل بالمعلومات، وإن بقيت مقنّنة. يسرد تفاصيل عدد من العمليات النوعية التي أسست لتحولات ميدانية على أرض الجنوب، يحكي عن أثرها لدى الإسرائيليين، جاعلاً من أبطال تلك العمليات، ولا سيما الشهداء منهم، محور كلامه.

قبل بدء الحديث عن العمليات، نسأل الحاج جهاد إن كان يعتقد خلال سنوات عمله المقاوم أن التحرير سيتحقق، أم أنه كان مجرد حلم؟

لا داعي للقول إن الانتساب إلى العمل المقاوم هدفه التحرير، أو وفق عقيدة المقاومين: النصر أو الشهادة. لكن الحاج جهاد يعترف بأنه لم يشعر بأن التحرير بات قريباً إلا بعد عام 1995. كانت المقاومة قد بدأت تنفيذ عمليات نوعية، وكان الإسرائيليون قد بدأوا يعترفون علناً بهزائمهم. يتذكر جيداً أنه في ذلك العام بدأ الحديث في الداخل الإسرائيلي عن «حرب الأدمغة»، بعد عملية نوعية للمقاومة نُفذت عند مثلث العديسة ـــــ الطيبة ـــــ رب تلاتين. لا ينسى شيئاً من تفاصيل تلك العملية المميزة. يروي قائلاً: «زرع المقاومون عبوة عند المثلث، هي عبارة عن 29 عبوة بطول 50 متراً، يُفترض أن تستهدف قافلة إسرائيلية مؤلفة من 9 إلى 12 آلية. استطاعت الكلاب المدرّبة اكتشاف العبوة، لكن المقاومة كانت قد أضافت عنصراً جديداً في تركيبتها، ما عرقل تفكيكها من الإسرائيليين وجعلهم يستدعون أحد كبار ضباط الهندسة لمعالجتها. وبعدما وصل الأخير، وضعوا لها أجهزة للتشويش بحيث لا يستطيع المقاومون تفجيرها خلال محاولة فكها، لكننا فجرناها». لا ينسى محدثنا أن يذكر أن «رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين نعى ذاك الضابط شخصياً»، وسنكتشف أنه لن ينسى عند كل عملية سيخبرنا عنها، الحديث عن ردة فعل الإسرائيلي عليها.

من خلال الحديث، نفهم أن عمليات المقاومة لم تكن تكتفي فقط بإيقاع الخسائر في صفوف العدو، بل في إمرار الرسائل، مثل عملية نوعية للمقاومة نُفذت بين بلدتي حولا ومركبا عام 1997. يروي جهاد: «نصبنا كميناً على الطريق الرئيسية أصيب فيه ضابط إسرائيلي وعدد من الجنود المرافقين له. بعد 45 دقيقة جاء قائد وحدة الارتباط إيلي أميتاي للاستطلاع، تركناه يتفقد المكان ووصل إلى موقع العباد الكائن عند الحدود تماماً، وفي طريق عودته من جولته التفقدية فتح الإخوان النار عليه وأصيب معه عدد كبير من الجنود». أهمية هذه العملية أنها كانت عند الحدود مباشرة، واستهدفت القائد الذي كان يفترض به أن يطلب إسناد جنوده في ما سمعه المقاومون يقول: «لا أصدق ما تراه عيناي». كذلك أعلن الصحافي الإسرائيلي آلون بن دافيد أنّ «رصاصات حزب الله أطلقت على الكمين باتجاه الأراضي الفلسطينية»، والأهم «هرب الجنود يومها من الدشم، وكان هذا أكبر دليل بالنسبة إلينا على أن النصر سيتحقق».

في الإطار نفسه، يتذكر محدّثنا، عميرام ليفين الذي تسلم قيادة المنطقة الشمالية من إسحق موردخاي. يتذكره جيداً بسبب الصورة التي رُسمت له بأنه «بطاش»، وهو يعترف بأن ليفين تميّز بنصبه عدداً من الكمائن للمقاومين، كذلك كان ينفذ عمليات ضد المدنيين «رغم هذه الصورة التي قدموها له، هذا الرجل نخّ في مرجعيون بعد انفجار لغم إفرادي وزحف في موقع برعشيت بعدما استهدفه المقاومون»، موضحاً أن «المقاومة كانت تعرف أن ليفين آتٍ إلى موقع برعشيت، ولدى وصوله قُصف بزخّات هاون 120 ملم، وقد أصيب إيلي أميتاي في تلك الحادثة، وعندما وصل إلى رميش قال من هناك: كدت أُقتل».

هنا، تبرز أهمية عملية الاستشهادي صلاح غندور، أو ملاك، الذي يحكي عنه الحاج جهاد بشوق ومحبة واضحين، وخصوصاً أنه رافقه في الأيام الأخيرة قبل انطلاقه لتنفيذ العملية البطولية عند مركز الـ17 في بنت جبيل في 25 نيسان 1995. فهي تأتي بعد ست سنوات من آخر عملية استشهادية نفذها الشهيد أسعد برو، وهي مصوّرة بكاملها، وأديرت بإحكام، وأذهلت كلّ المراقبين. وكان الإسرائيلي يعتقد أننا توقفنا عن تنفيذ عمليات استشهادية، حتى إن إسحق رابين أنّب مسؤول الدراسات الاستراتيجية لأنه توقع عدم وقوع عمليات مماثلة، لأن رجال الدين الشيعة قرروا عدم إعطاء الإذن بتنفيذ هذه العمليات.

يتذكر الحاج جهاد تفاصيل التحضير لهذه العملية التي بدأت قبل ثلاثة أشهر من تنفيذها: «وصلتنا أوامر من القيادة بأننا نحتاج إلى عملية استشهادية. بدأنا رصد الأهداف، وكان الهدف الأهم قافلة إسرائيلية تسير من معبر رميش حتى مدينة بنت جبيل حيث قيادة الـ17. هذه القافلة روتينية، وهي محمّلة جنوداً سيستبدلون بجنود آخرين، ويراوح عدد أفرادها بين 35 إلى 40 جندياً».

أسهم الشهيد صلاح غندور في التأسيس لهذه العملية قبل أن يعرف أنه سيكون بطلها، علماً بأنه كان قد سجّل اسمه بين الراغبين في تنفيذ عمليات استشهادية. وقد تبلّغ قرار اختياره قبل العملية بأسبوعين، ودخل المنطقة المحتلة قبل أيام من تنفيذها حيث استقرّ في أحد بيوت بلدة الطيري. يذكر جهاد أن «البلدة تعرّضت للدهم من الإسرائيليين قبل تنفيذ العملية، وجهز الشباب أنفسهم لاشتباك مع جنود الاحتلال، لكن الإسرائيليين لم يدخلوا البيت الذي كان موجوداً فيه».

في 25 نيسان 1995 إذاً، انطلق ملاك في سيارة محمّلة 50 كيلوغراماً «تي أن تي»، من الطيري حتى مدخل الـ17 في بنت جبيل. الشابان اللذان كانا يرافقانه مباشرة لم يكونا يعرفان أنه هو من سينفذ العملية حتى اللحظة التي رأوه يصعد السيارة.

يختم الحاج جهاد: «رأيت ملاك يوم تبلّغ اختياره لتنفيذ العملية، كان فرحاً كثيراً وقد بقي وجهه مشرقاً حتى اللحظة التي ضغط فيها زر التفجير، بل كان حتى اللحظة الأخيرة يحكي مع رفاقه عبر الجهاز كأنه ذاهب في مشوار عادي وكان آخر ما قاله لهم: الله يوفقكم ونلتقي في الجنة».

 

 

بين انتصارين

 

لا يتردد الحاج جهاد في القول إن الانتصار الذي حققه المقاومون في حرب تموز 2006 كان أسطورياً بكل ما للكلمة من معنى. لكن هذا الانتصار الكبير خلال حرب استمرّت 33 يوماً لم يقلّل ذرة من مشاعر الفرح والعزة التي عاشها في أيار عام 2000.

في هذا الإطار، يميّز الحاج جهاد بين الحدثين: «انتصار عام 2000 هو حصيلة عمل متراكم كان التطور العسكري فيه يحصل على مراحل، وكان الإسرائيلي خلاله محتاطاً إلى حد أنه انتهى في السنوات الأخيرة إلى تسيير جندي واحد في آلية عسكرية. أما خلال حرب تموز فقد كان الانتصار عسكرياً بكلّ ما للكلمة من معنى. ينفذ الشباب عمليتهم، وعوض أن ينسحبوا كما اعتادوا، كانوا يجرون سريعاً عملية إعادة انتشار أو تموضع، لقد عملوا أسطورة في هذا الجانب». مشدداً على «حرب الميركافا» التي أحاطها الإسرائيلي بهالة منذ بدأ تسييرها في الجنوب، «وسجلنا نصراً عسكرياً عليها في كلّ مراحل تطويرها، من ميركافا 1 حتى ميركافا 4».

انشر عبر