شريط الأخبار

أبو أحمد: لولا هذه "المعابر الأرضية" لما وجدنا ما يسدّ رمق أطفالنا

09:54 - 25 تموز / مايو 2009

مغامرةٍ حذرة في عالم تسكنُه "الحياة والتهلكة"

في دهاليز "الأنفاق"..."فلسطين" تمشي على "رؤوس أصابعها" لتعايشَ "عَامِليها"

أبو أحمد: لولا هذه "المعابر الأرضية" لما وجدنا ما يسدّ رمق أطفالنا

"علي": بعد الحرب أصبحنا أشبَه بمن يضع روحه على كفه

شرطة الأنفاق:"كانت في السابق "منطقةً صناعية"..والآن "الرايات الحمراء" علامة حذر

رفح / تقرير إيمان عامر:

كانت خطوة مجنونة ساقَتنا "المغامرةُ الصحفية" إليها، حينما قررّنا الذهاب إلى مدينة رفح من أجل اكتشاف عالم الأنفاق المنتشرة على الحدود المصرية الفلسطينية التي أخذنا فيها جولةَ استغرقت منا يوماً كاملاً، وعلى الرغمِ من التحذيرات التي نصَحتنا بعدم خوض التجربة، إلا أن إصرارنا كان أكبر من أي عقبات يمكن أن نواجهها، حيث لم يبالغ أحد العاملين عندما أطلق على النفق مصطلح "القبر"، كيف لا والمرءُ لا يضمنُ الخروج منه حياً.

 

زميلتي "هديل عطاالله" التي رافقتني الجولة تسمّرت في مكانها حينما التفّ حولها ذلك الحبل المتين الموصول بـ "بَكرة" لتنزل ببطءٍ داخل النفق، إلا أن تشجيع رجال الشرطة -الذين نسقّنا معهم- قطعَ التردد علينا، حيث بعدها بلحظاتٍ كنتُ أنا الأخرى داخله، كان شعوراً يختلطُ ما بين الخوف والمتعة عندما لامستُ "تراب النفق" لتكون هذه أول خطانا لاكتشاف العالم المجهول.

 

 "فلسطين" لخّصت لقرّائها جولتها بين أنفاق غزة التي أُوجدت –بشكلٍ اضطراري- نتيجة إغلاق (إسرائيل) المتواصل للمعابر، وحصاره لقطاع غزة منذ ما يقارب الثلاثة أعوام، حيث نستضيف في "عيش وملح" أصحاب الأنفاق ومن اتخذوها من الشباب العاطلين عن العمل مهنةً لكسب الرزق، ولنعرف من خلالهم أوجه الاختلاف التي طرأت على الأنفاق بعد حرب غزة الأخيرة حيث أصبحت سمة "الحذر الفائق" هي الغالبة لكل من أرادَ أن يسير في ظلمات النفق:

 

المُضطر يركب "الصعب"

 

جولتنا بدأت بالالتقاء بـ"محمد الثلاثيني" الذي شرع في العمل في الأنفاق منذ بضعة أشهر، بعد تركه لعمله السابق في "إسرائيل" منذ سنوات، حيث يقول وملابسه ووجهه الشاحب اغبرّ بالتراب :"لا أخفيكم أني أتوقع الموت في كل لحظة عمل أقضيها هنا، ولكنّي مُضطرُ لذلك، بعد ما فقدتُ الأمل في إيجاد فرصة عملٍ أخرى تُقيتُ أطفالي الستة وزوجتي، وأنتم تعرفون أن أعباء الحياة لا ترحم!".

 

طول النفق الذي يعمل فيه محمد –حسب وصفه- يتراوح ما بين 5-17 متراً، ويمتد من150-350 متراً أفقياً، ويستغرق حفره ما يقارب الشهرين، موضحاً أن النفق الذي يعمل به يُدخل الأدوية والمواد الغذائية من خلال تشغيل مولد كهربائي.

 

وقال:"بلا شك أن العمل هنا مثمر ومن الممكن أن أتلقى مقابله مبلغاً مجزياً، إلا أنه يتطلب منّا المخاطرة بحياتنا، فالواحد منّا يتفاجأ بالدخول على نفقٍ آخر من خلال الحفر التي تتداخل مع بعضها، كون عملية الحفر تتم بشكلٍ عشوائي، وتعتمد على التجريب، بعيداً عن تخطيط المهندسين المختصين، ناهيك عن الخطر الداهم وهو ما يعرف بالـ"تسفيق" الذي يعني انهيار النفق".

 

هنا كل يومي

 

طبعاً بما أن التصوير كان ممنوعاً – للأسباب الأمنية- فهذا كان يتطلب منا أن ننقل الصورة بشكلٍ آخر يختلف عن التصوير "الفوتغرافي"، التقينا بعاملٍ آخر في العشرينات من العمر، بدا جسده الهزيل وعيناهُ المتعبتان، كما لو كان "عجوزاً هرماً" بلغ من العمر عتياً، حيث سارعَ بالقول:"العمل هنا لم يكن ضمن حساباتي في يومٍ ما، ولكن ضيق الحال، وعدم وجود البديل اضطرني له، فمن أين سأطعم إخوتي، ووالديّ المريضين؟، وكيف لي الحصول على ما يمكنني من الزواج؟"، وتابع:"ذلك ما دفعني للعمل هنا في البداية، إلا أن الأمر بدا مختلفاً عندما نظرت إلى أبناء شعبي يموتون جوعاً إعياء مع انعدام دخول المواد الغذائية والأدوية  ومتطلبات الحياة الأساسية، وكل هذه الأشياء استطعنا أن نُدخلها عبر هذا النفق، فأصبح عملي بمثابة واجبٍ وطني، ولو توفّر البديل مستقبلاً فلن أتركه".

 

وأضاف محاولاً نفض التراب عنه:"أضحت الأنفاق حياتي، ففيها أعيش وأقضي اليوم كله، وفي المقابل لا أخفي بأن الموت يتربّص بي ويهددني، ولو وجد الجانب المصري "عين النفق" فمعنى ذلك أننا سنتعرض حتماً للخطر".

 

وشاركه الحديث زميله "أبو أحمد" الذي يعمل في نفق مجاور، فقال:"نحن هنا كالجيران يخاف بعضنا على الآخر ونتعاون فيما بيننا، وكثيراً ما نجتمع ونتبادل أطرف الحديث، فكم هي جميلة حياتنا المحفوفة بالمهالك والمخاطر!".

 

 وأردف أبو أحمد والابتسامة لا تفارق وجهه:"يمكنني أن أُطلق على الأنفاق "معابر أرضية" التي لولاها لتضور أطفالنا جوعاً، كما أنها أصبحت بجدارة بديلاً عن المعابر المغلقة من قبَل الاحتلال الذي يحاول إذعاننا بكافة الوسائل، وبها نقول لـ"إسرائيل": "حاولتم قتلنا بإغلاقها، ولكنّا اتخذنا من باطن الأرض حياة جديدة".

 

لعبة الحياة والموت

 

أبو أحمد الذي قد يمضي أسبوعاً كاملاً في عمله في النفق دون أن يتمكن من العودة إلى بيته، وتطرّق خلال شرحه إلى تفاصيل العمل في النفق إلى ارتفاع أسعار البضائع والمواد الغذائية المصرية مما يدفع بالتجار إلى بيعها بأسعار لا تلقى رضا الناس، موضحاً أن ما يعمل على رفعها أيضاً وجود الوسطاء ما بين التجار الفلسطينيين والمصريين ومنهم الشخص المعروف بـ"الأمين" والذي يتقاضى مبلغاً لقاء عمله الذي يتم داخل النفق، حيث تتلخص مهمته في استلام البضاعة عند الطرف الآخر من النفق.

 

وبعفوية لَمستُها في معظم العاملين قدّم لنا "شيبس" و"شكولاتة" من البضاعة التي كان يقوم بإخراجها من النفق:"إحنا بنلعب بحياتنا!"، والناس يتهموا التجار هنا بالغش والتلاعب بالأسعار..فقبل يومين هوَت صخرة كبيرة علينا ونحن نعمل داخله، ولكن المشيئة الإلهية تدخلت فهربنا قبل أن تصيبنا، فلو سقطت علينا لأصبحنا فتاتاً.

 

أما أبو "أبو شادي" الذي كان يجلس أعلى النفق الذي يملكُه مشرفاً على الحركة النشطة للعاملين الذين تتنوع أدوارهم بين الحفر ونقل البضائع...الخ، نافياً القناعة السائدة عند الجميع بأن التجارة بالأنفاق لا تدرّ أرباحاً طائلة رغم أنها باتت منطقة صناعية لتعدد وكثرة البضائع التي تدخل عبرها.

 

ابتسمتُ ابتسامةً –لها معنى- عندما تابع حديثه:"كوني مالكاً لنفق فأنا أقول بأن الأمر له مغزى وطني أكثر مما هو مادي، فما ندخله عبرها لا يقارن مقابل البضائع التي كنا ندخلها من المعابر وما نطاله من ربح وقتها"، لافتاً إلى امتلاكه أكثر من نفق تكلفة الواحد لا تقل عن 80 ألف دولار، وإلى أن البضائع تتنوع من نفق لآخر، بين الأدوات الكهربائية والسولار وغيرها.

 

ما بعد الحرب..

 

الصورة السابقة للأنفاق بدت تختلف وتتجه من الحياة إلى الاحتضار بعد الاستهداف الصهيوني العشوائي لمنطقة الأنفاق خلال الحرب على غزة في يناير/ كانون الثاني الماضي التي طالت كل شيء، مما آل إلى تدمير بعضها بشكل نهائي، وإلى انهيار أجزاء أخرى، فبين الفينة والأخرى كان يتم إخلاء المنطقة من الشرطة والعاملين خوفاً من قصفها مجدداً، والحركة باتت في تراجع والخوف يتوّجها، فيما يواصل العاملون في الأنفاق أعمالهم بحذر شديد غير مطمئنين، حيث لا يدخلون عبرها سوى البضائع الضرورية.

 

ولتتضح الصورة أكثر كان لابد لنا من الالتقاء بالعاملين في الأنفاق بعد الحرب، وكان ذلك بالتحدث إلى "علي " الذي كان يعمل في نفق استهدف بشكل جزئي، وقال:"الوضع هنا لم يعد كما في السابق قبل الحرب حيث كنا نبيت ليلنا هنا مطمئنين وهادئي البال، ولكننا فقدنا الأمان بعد قصف الأنفاق خلال الحرب وبعدها"، وتابع:" اللي بيروح منطقة الأنفاق في الوقت الحالي بحط روحه على كفّه، وبيجازف بحياته"، لافتاً إلى أنه يبحث حالياً عن عمل بديل قد يضمن عودته إلى أبنائه سالماً.

 

وأعرب عن قلقه وتخوفه من إمكانية التصعيدات الإسرائيلية على الأنفاق في الفترة القادمة، إضافة إلى توجسه من الجانب المصري الذي يسعى جاهداً إلى محاربة الأنفاق والقضاء عليها.    

 

أما "أبو خليل" فقد اختلف مع علي في رأيه بهذا الخصوص، حيث يرى بأن الحال لم يتغير كثيراً بعد الحرب، فحركة البيع والشراء قائمة، والعمّال يعاودون ترميم ما تم هدمه، والحياة تدبّ في الأنفاق، وأضاف:"منذ بداية عملنا هنا أدركنا الخطر الذي يتهدد حياتنا رغم أننا لم نكن نتوقع أنه بهذا الحجم، وهو ما دعانا للتأقلم في مختلف الظروف"، معتبراً أن أجواء العمل فيها لم تختلف عن السابق، وأن آليته هي التي تغيرت، على سبيل المثال نقوم بتغيير مداخل الأنفاق من باب التمويه، وأمور أخرى".     

 

صورة مختلفة

 

أحد العاملين في شرطة الأنفاق – الذي رفض نشر اسمه- حيث سهل لنا "الجولة" ورافقنا خلالها، لفت إلى الضرر الذي لحق بالمنطقة جرّاء استهدافها من الطائرات الإسرائيلية خلال وبعد الحرب، مبيناً أن أغلبية الأنفاق التي تم قصفها هي الموجودة في حي السلام، " حيث إن بعضها انهار بشكلٍ كامل بسبب قوة القذائف ومنها ما تم إصلاحه، وأخرى لا تزال تخضع للإصلاح الذي يتطلب مبالغ مكلفة جداً".

 

وأشار إلى أن التغيّرات التي طرأت على الأنفاق بعد الحرب شكلية، تتعلق باختلاف آلية حفرها، و"تخشيب" الآيلة للسقوط منها، والتخشيب يعني بناءها بالأخشاب، بينما تم الاستغناء عن استخدام بعضها لأنها تضررت بشكل لا يسمح بالرجوع إلى استخدامها، وتغيير مداخل أنفاق أخرى، مؤكداً أن القصف لم يستهدف نفقاً بعينه بل كان عشوائياً، أو في عين النفق، ولكن "إسرائيل" عمدت حالياً إلى قصف النفق ذاته  حتى ينهار تماماً.

 

وتطرق إلى ضعف الحركة التجارية هناك بعد الحرب، قائلاً:"رغم أن الاستهداف أصاب الكثير منها، إلا أن الوضع لم يختلف بشكلٍ جذري، فالعمال ما زالوا متواجدين، والبضائع تدخل عبرها"، موضحاً أن القصف الصهيوني لا يستهدف الأشخاص الموجودين داخلها، ويكون الضرر أقل في حال لو كان الشخص خارج النفق، لأنه قد لا يعلم بالقصف وهو بداخله بسبب عمقه.

 

ومن جهةٍ أخرى أكد أن العاملين في الأنفاق والشرطة المتواجدة هناك يأخذون الحيطة تحسباً من القصف الصهيوني، وقال:"ويعلمون بذلك لأنه قبل القصف بفترة بسيطة، يرفع الجانب المصري في الجانب الآخر الرايات الحمراء ويرجعون للوراء بعدما يتم إبلاغهم من قبل قوات الاحتلال حتى لا تصل شظايا الصواريخ والقذائف إليهم.

 

من ضحايا الأنفاق

 

وجود الأنفاق أدخل شيئاً من الارتياح إلى نفوس أهل غزة إلا أنه طعن قلوباً أخرى، ورسم ملامح الحزن والألم على من فقدوا أبناءهم وأقاربهم جرّاء عملهم أو دخولهم في الأنفاق.

 

 محمد أبو دان شقيق "محمود" الذي راح ضحية الأنفاق عصر العاشر من يوليو الفائت تحدّث لناعن تفاصيل وفاة محمود قائلاً:"اختنقت مجموعة من جيراننا الذين يعملون في خط أنفاق بفعل ضربة من قِِبل المصريين بقنبلة غاز، فعلم بما حدث لهم، فهرولَ مسرعاً من منزله في مدينة خان يونس لإنقاذهم، وكانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة ظهراً، فلقي حتفه على الفور، وأصيب صديقه "محمد عبد العاطي" الذي كان على مسافة بعيدة منه ونجا من الموت رغم أنهم أخرجوه بعد محمد بما يقارب الساعة، وبمعجزة إلهية نجا جيرانه الذي ذهب لإنقاذهم".

 

وأبدى أسفه على وفاة شقيقه الذي كان يتمنى أن يلقى ربه شهيداً في مواجهة العدو الإسرائيلي.

 

شر البليّة ما يضحك!

 

قساوة العمل في الأنفاق وخطورته كان لابد من شىءٍ يخففها.. وبما أن حياة الفلسطينيين تتزاحم فيها الطرائف و"النهفَات" المغمّسة بالشقاء، استحضرنا بعض المواقف المتعلقة بالأنفاق، ففي حادثة أصرّت إحدى العائلات على إحضار كل ما يلزم لمراسيم حفل زفاف ابنهم، من إعداد طعام الغداء للمدعوّين، بذبح العجول وطهيها، والتي انقطعت من غزة، فلجأ والد العريس والذي يملك أحد الأنفاق في رفح إلى شراء العجول من مصر وذبحها وتقطيعها هناك، وكذلك الأمر بالنسبة للمشروبات، وفي قصةٍ مشابهة أهدى أحد أصحاب الأنفاق مجموعة من صناديق العصائر إلى صديقه في يوم زفافه لانقطاعه من مصانع غزة.

 

 "خالد" لم يتمالك نفسه من الضحك وهو يروي:"أثناء تحديدي لفتحات الأنفاق، التي من المفترض أن تكون إحداها في رفح، والأخرى في الجانب المصري، حيث سرتُ مسافةً طويلة، لأكتشف وبعد الخسائر التي تكبّدتها والجهد الذي بذلته اكتشفت أن فتحتي النفق في الأراضي الفلسطينية!.

 

في نهاية جولتنا التي كانت "لا تُنسى" بما تحويه الكلمة من معنى، مررنا على مجموعةٍ من النسوة اللاتي كن يتسامرن في "الشارع"، حيث تقطن هؤلاء على بعد أمتارٍ قليلة من هذه الأنفاق...كان السؤال الأخير الذي ألقينا عبره تحيةَ المساء عليهن:"ألا تخشين من استمرار عمل أبنائكن في هذه "القبور" النابضة بالحياة"؟!...لتتبرع إحداهن بالإجابة بالنيابة عن صويحباتها بقولها:"كنا في البداية نرتعب خوفاً عليهم، وننهرهم بكل ما أوتينا من "حنان الأم" وحرصها على ابنها، ولكن الآن وصلنا إلى قناعةٍ بأن عملهم مصدر رزق لعائلاتنا، و"العمر واحد والرب واحد"، ولكن أنتِ لا ترين مشهد أي واحدةٍٍ فينا عندما يصلنا خبر وفاة "شابٍ مجهول الهوية" في الأنفاق....عندها فقط هذه "الشمعة" الموجودة في آخر النفق- كما يقولون...تنطفىء!!. 

 

 

 

انشر عبر