شريط الأخبار

المعارضة وتقديم المشورة ..عزمي بشارة

01:51 - 24 تموز / مايو 2009

ـ الخليج 24/5/2009

يتناول هذا المقال ميل بعض المعارضات العربية إلى انتقاد سياسة الأنظمة بالادعاء أن خط هذه الأنظمة لا يخدم مصلحتها، وكأنها تعرف مصلحة الأنظمة أكثر منها. هذا النوع من الطرح السياسي هو دليل عجز، فليس من واجب المعارضة تقديم النصيحة للأنظمة عن مصلحتها. فالمنطلق هو أن الأنظمة أدرى بمصلحتها من معارضيها. وتحسن المعارضة صنعاً إذا انطلقت في نقدها من مصلحة البلد والشعب، وليس من مصلحة النظام الذي تعارض.لا توجد في السياسة معارضة لذاتها، اللهم إلا نقد يمارسه عدد محدود جداً من المثقفين الذين يجعلون الفحص والنقد المستمرين مهتمهم. ومع أنه يلعب دوراً سياسياً إلا أنه غالباً ليس مسيساً. ولكنه يبقى دوراً ضرورياً مكملاً للحركة السياسية. ولكي يلعب هذا الدور يتوجب على أصحابه تجنب ما يجعله يبدو غير جدي مثل الإصابة المنتشرة بالذاتية والسطحية والنرجسية والاستعراضية النقدية. وهم أعداؤه الرئيسيون. وأقصد بالذاتية هنا الدوافع الذاتية الفردية مثل الوقوع في غرام دور بالضحية، والحب والكره والحسد والمرارات والرغبة الفردية في الانتقام من أفراد بعينهم لأسباب فردية. وبالاستعراضية النقدية أقصد الاهتمام ليس بالنقد وموضوعه وقيمته ووظيفته التي يؤديها، بل بتقديم صورة للناقد عن ذاته تتلخص بأنه متحد دائم وغير مكترث بشيء. في ما عدا ذلك ليست في السياسة معارضة لذاتها. وطبعاً هنالك من يعارض لسبب ذاتي مثل الوصول إلى منصب في الدولة عبر لفت النظر ودفع النظام إلى محاولة احتواء المعارض بإسناد وظيفة. وقد تجد من يعارض لأسباب وصولية متطابقة مع أهداف المعارضة ذاتها. بمعنى أن مصلحة الفرد الذاتية تنطبق مع مصلحة الحركة التي يمثل عبر ازدياد نفوذها أو وصولها إلى الحكم، وغير ذلك. وهذه دوافع فردية تعتبر مشروعة في أي عمل سياسي، حسب درجتها. ولكننا لن نخوض هنا بدوافع الأفراد في إطار الحركة السياسية ذاتها.

ما يهمنا في هذا المقال هو الحركة المعارضة السياسية، أو الحزب السياسي. وفي الدول الديمقراطية التعددية التي تسمح بتداول السلطة تقدم المعارضة برنامجاً يتعارض مع سياسة الحكومة. وتدعي أنه لا بد من الوصول إلى السلطة لتنفيذه، وذلك إما بالمشاركة في الحكم أو بانتزاعه. أما في حالة حركات الاحتجاج وجماعات الضغط فهي تعارض أو تحاول أن تؤثر لتحصيل مطالب أو للتأثير في النظام الحاكم من دون أن تصل إلى الحكم. فحركة الاحتجاج لا تطرح نفسها بديلاً، بل تعارض سياسته مطالبةً بأن يقوم الحكم القائم بتغييرها وبتنفيذ مطالب حركة الاحتجاج. وتعرف الدول الديمقراطية حركات احتجاج تستخدمها المعارضة السياسية أو تخترقها محاولة تسخيرها كأدوات سياسية بيد المعارضة، وذلك إما لأن الحكم غير قادر على الاستجابة لمطالبها ما يفضح النظام ويعبئ ضده لصالحها، فيتحول الاحتجاج إلى أدوات تغيير، أو لقناعة لديها بأن النظام إذا تجاوب مع المطالب المطروحة فسوف يسجل تراجعاً يضعفه، ويمكن تعميق هذا التراجع ليستمر حتى الهزيمة في الانتخابات المقبلة. وتحاول حركات الاحتجاج أحياناً أن تتجنب تأثير المعارضة السياسية والأحزاب لأنها تخشى رد فعل السلطة التي تدرك الآليات أعلاه. فهدف المعارضة السياسية في الدولة الديمقراطية هو الوصول إلى الحكم و/أو المشاركة فيه، ولا معنى آخر لتأسيس وتنظيم حزب سياسي. ولا شك في أن هنالك أحزاباً سياسية طرفية هامشية في الدول الديمقراطية لا تسعى إلى ذلك، إما لأنها تدعو إلى قلب نظام الحكم برمته، وهذا يعني أنها تسعى إلى الوصول إلى السلطة ولكن من خارج قواعد اللعبة، أو لأنها تسعى فقط إلى نشر فكر مختلف عما هو سائد بين التيارات المتنافسة. ولكنها في هذه الحالة الأخيرة تتحول بالتدريج إلى ما يشبه النادي الفكري أو الجمعية، وحتى الطريقة الدينية في بعض الحالات. حسناً، يصح ما نقوله أعلاه في الدولة الديمقراطية. ونضيف أن الحزب السياسي المعارض لا يرى من وظيفته تقديم المشورة للحكم من أجل مصلحة الحكم القائم، بل يفترض أن الحكم القائم يعرف مصلحته، ولكنه يختلف معه على مصلحة البلد. فالحزب المعارض يدعي أن مصلحة الحكم القائم لا تلتقي مع مصلحة البلد. وهو يفضح ذلك ولا يقدم له النصائح. ونستثني للدقة الحالات المتطرفة جداً، والتي يسود فيها إجماع قومي مثل تعرض البلاد إلى حرب أو كارثة طبيعية أو غيرها. عندها يتشاور الحكم حسب الحكمة التي يتمتع بها مع المعارضة ويتبادلان النصائح في قضايا أمن قومي عليا متفق عليها نتيجة لطبيعة النظام المشترك بينهما والذي يحتضن تنافسهما.

ولكن ماذا بشأن المعارضة في دولة غير ديمقراطية، أليس هدفها الوصول إلى الحكم؟ لا شك في ذلك. فالمعارضة في الدولة غير الديمقراطية الحديثة تنظم نفسها طبعاً في حزب أو أحزاب سرية أو شبه علنية لكي تصل إلى السلطة وذلك لتنفيذ برنامجها، بغض النظر أكان ديمقراطياً أو غير ديمقراطي. وطبعاً، تعرف الأنظمة غير الديمقراطية تغيرات في الحكم من داخله من دون دور مباشر للأحزاب المعارضة، وذلك إما بالإصلاح أو الانقلاب، يقوم به الحزب الحاكم أو الجيش أو الأجهزة وغيرها، وقد تنتهي بإشراك الأحزاب المعارضة، وقد تنتهي أيضاً بزيادة قمعها وحظرها. وليس هذا موضوعنا في هذا المقال. فالحالتان منتشرتان ونتائجهما متفاوتة، ما يهمنا هنا هو حالة الأحزاب المعارضة في الدول غير الديمقراطية، ومنها الدول العربية. حين يطول وجود الأحزاب في المعارضة، ويثبت النظام نفسه بقوة بوساطة توسيع القواعد الاجتماعية المستفيدة منه وإيجاد قطاعات جديدة مرتبطة به، أو بوساطة قمع واستنزاف قوى المعارضة وتفتيتها بنجاعة و/أو بوساطة إنهاك كوادرها في السجون والمعتقلات والمنافي، فإن المعارضة التي تستمر تثبت نفسها. لكن بعضها يميل إلى قبول صفقة مع النظام الحاكم يمكنُه من العمل كحزب معارض على هامش الحياة السياسية، ولكن كمعارضة أبدية تمنع نفسها من التفكير بالوصول إلى الحكم. وكما قلنا، إذا قبل الحزب خانة المعارض الأبدي، وتحول إلى العمل من منطلق الحفاظ على نفسه في وضع شبه قانوني ولكن بشروط النظام وعدم الاعتراض على النظام، فإنه يفقد بالتدريج صفته الحزبية وتسيّسه، فيعيش بقوة الاستمرارية منتظراً فرصاً لن تأتي لأنه تنازل في بنيته وفكره وبرنامجه وعبر شروط اللعبة التي قبلها عن السعي للحكم.

ومن أطرف ما تنتجه هذه الحالة خطابٌ سياسيٌ نقدي للنظام، ولكنه يلف ويقدم كرزمة من النصائح لكي لا تثور ثائرة النظام فيغضب، أو يتهم المعارضة بمناكفة النظام. ولذلك تطرح المعارضة خطابها بالقول مثلاً إن مصلحة النظام هي أن يغير سياسته، فيقف إلى جانب المقاومة، أو أن مصلحة النظام هي في البحث عن المشترك مع الدول العربية الأخرى، ومن مصلحة النظام قطع العلاقات مع “إسرائيل”. وليس لدي شك في أن النظام الحاكم وأقطابه يبتسمون باكتفاء حين يسمعون هذا النوع من النقد. فهو يؤدي خدمة لهم، إذ يسلم هذا الخطاب أن منطلق المعارضة هو مصلحة النظام. فهي تجعله مسلّمة وطنية فوق النقاش. أي أنها تجهض مهمتها السياسية والاجتماعية منذ البداية وتتنازل عنها. فتقديم المشورة أمر خليق بمنطلق مستشار وليس منطلق حزب معارض يرغب في إثبات فساد أو تهافت سياسة الحكم، وعدم قدرة هذا الحكم على تبني سياسة لصالح المجتمع والشعب.

كما تميل القوى السياسية الناقدة غير القادرة على المواجهة إلى التعامل مع الخلاف مع السلطة الحاكمة كأنه خلاف داخل العائلة العربية الواحدة. فهي تميل إلى محاولة التوفيق كأن مهمتها التوحيد بين أنظمة وليس بين الشعوب. ولا بأس بهذا كهدف، فهنالك إيجابيات للتعاون العربي بغض النظر عن طبيعة الأنظمة. لكن تبرز المشكلة حين تتصرف المعارضة، القومية بشكل خاص، بوصاية مفتعلة لا أساس لها، في محاولتها أن تبدو كأنها تأخذ بيد النظام وترشده إلى الطريق الصواب، وكأنه قاصر وهي ناضجة.

وعلينا أن نسلم بأن نظاماً يحكم بلده منذ عقود يعرف مصلحته. والدليل قدرته على الحفاظ على حكمه فترة طويلة بهذا الشكل. أما المعارضة المؤبدة فهي لم تثبت أنها قادرة على الحكم، ناهيك عن منح المشورة لمن يحكم. وربما يعرف النظام كيف يحكم ويحافظ على حكمه. ولكن ما يفترض أن يهم الطرف المعارض هو الإثبات وتعبئة الشعب أن حكمه يتعارض ومصلحة الشعب والبلد، كما يتعارض مع المبادئ التي يقوم عليها الإجماع الوطني أو فهمه لذاته، أو لما يجب أن يكون.

ماذا لو رأى نظام ما أن العلاقة مع “إسرائيل” تقوي علاقته مع الولايات المتحدة، وأنه وضع بلده في ذلك المعسكر استراتيجياً، وهذه مصلحة نظامه؟ هل تدعي المعارضة أنها أدرى منه بمصلحة النظام، أم تدعي أن سياسته هذه ضد مصحلة البلد والشعب؟

فهل يمكن إقناع رئيس السلطة الفلسطينية الحالي بأن مصلحته تتحقق من خلال التعاون مع المقاومة بغض النظر عن هويتها الحزبية؟ وإذا كانت هذه هي حال سلطة ليست ذات سيادة، فعن الدول العربية حدّث ولا حرج، حيث الخبرة في الحفاظ على النظام في سياسته القائمة مستمرة تثبت نفسها منذ عقود.

ربما تبنى مصلحة النظام على غير تصور المعارضة لمصلحة البلد ومكانة البلد وموقعه. وكشف هذا الواقع والسبيل إلى تغييره هو دور النقد السياسي المعارض فعلاً من منطلقات مبدئية. وعليها أن توضح ذلك حتى عندما ليس بوسعها ولا على أجندتها طرح مسألة الحكم. ويبقى المنطلق هو الموقف ومصلحة البلد وفي السعي نحو تغيير السياسة، وهذا لا يمر بتقديم النصائح للنظام الحاكم في كيفية الحفاظ على مصالحه.


انشر عبر