شريط الأخبار

مقاتلون خاضوا حرب غزة: عشنا أيام الحرب شهداء أحياء ..كان كلٌ منهم يتوقع الآخر شهيداً..

10:44 - 21 تموز / مايو 2009

مقاتلون خاضوا حرب غزة: عشنا أيام الحرب شهداء أحياء ..كان كلٌ منهم يتوقع الآخر شهيداً..

 

فلسطين اليوم- محمود أبو عواد

هم أشقاء، ومنهم أخوة غير أشقاء، فهم مقاتلون جمعتهم جغرافيا أرض قطاع غزة من جنوبها إلي شمالها ومن غربها إلي شرقها، لكن الحرب فرقتهم علي جغرافيا ذات المكان الضيق، لتجمعهم تلك المنطقة الجغرافية الأصغر في العالم من جديد بعد حربٍ دامية استهدفت البشر والشجر والحجر.

 

"فارس- خالد – أيمن" مقاتلون منظمون في صفوف سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في بلدات جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون شمال قطاع غزة، أخذ الآخر منهم بالأحضان كالأب الذي يحتضن نجله بعد فراق، وهم يذرفون الدموع على وداع أحبائهم "طارق أبو عمشة ومهند الطناني ومحمد الهندي" الذين قضوا نحبهم شهداء خلال الحرب الأخيرة.

 

فهذا الموعد بين هؤلاء المقاتلين كان في الأسبوع الأول بعد انتهاء الحرب الأخيرة التي مضى علي انتهائها ما يقارب الستة أشهر، وكان لهذا الموعد قصصٌ وحكايا طويلة قصها الأخوة غير الأشقاء، فكل ما جمعهم بهذه الدنيا هي حكاية وطن محتل سُلبوا فيه حرية العيش كما يعيشه أي شاب في أي بلد في عالم لم يعرف بعد معنى العدالة والحب في الله.

 

ما قبـل الحــرب البريـــة

وفيما كانت تدق الحرب البرية طبولها بهمجية القصف الجوي العنيف علي غزة، كان كلٌ من "فارس- خالد – أيمن" يُعدون أنفسهم للمواجهات البرية، وانتشروا في صفوف مجموعاتهم العسكرية كلٌ في منطقة سكناه وتحت قيادته العسكرية الخاصة به، تبعدهم المسافات الطويلة عن بعضهم لكن كانت قلوبهم تدق مع سماع قصف هنا أو هناك وجلٌ علي فقد عزيز أو حبيب قد ينال الُمنّى.

 

يقول "خالد" عن تلك اللحظات؛ "عشنا طيلة الحرب شهداء أحياء، وكان كل شخص فينا يعتقد الآخر قد استشهد، فقد كنا نعاني من صعوبة الاتصال بسبب الخلل الذي أصاب آنذاك شبكة شركة جوال، وكانت عملية التحرك بين المناطق غير آمنة لبعد المسافات التي تفصلنا عن بعض، كنا نخاف من حصول أي مكروه لأياً منا، فإننا نخاف علي بعضنا كما وإننا أشقاء من أب وأم يرتابهم الحنان والوجل".

 

ويضيف من جانبه "فارس"؛ "كانت عمليات القصف الجوي العنيف بداية صعبة بسبب عمليات القصف العشوائي المختلف، وربما كان الآخر فينا ينتظر سماع خبر من هنا أو هناك عن إحدانا نُقر به قلوبنا، لكننا لم نفلح أبداً طيلة الحرب بذلك".

 

الحـــرب البريــة

وعن شعورهم خلال الحرب البرية يقول من جانبه "أيمن"؛ "ربما كان الشعور خلال الحرب مختلفاً، حيث إنني كنت متيقناً إنني سأفقد أحداً ما شهيداً وربما أفقد الجميع لخصوصية طبيعة النقاط المتقدمة التي كنا نقاتل بها، وهمجية العدوان الذي أتقن خلاله جنود الاحتلال همجية القتل المتعمد سواء كان ذلك ضد المدنيين من الأطفال والنساء وكبار السن أم المقاتلين علي مختلف انتماءاتهم".

 

 ويتابع "فقليلاً ما كان يصلني من أخبار عن أحبابي وإخواني من مختلف مناطق القطاع، لصعوبة الأوضاع التي كانت تشهدها غزة، وأتفاجأ أحياناً بسماع خبر استشهاد شخص ما من ذات مناطق سكني بعد ساعات طويلة وربما أيام من استشهاده، بالرغم من وجودي داخل المنطقة مرابطاً إلي جانب عدد من المقاتلين مما كان يفقدني الأمل بوجود فارس وخالد على قيد الحياة أو أن يكون قد وقع مكروه لهم ما كإصابتهم".

 

تنفـــس الصعـــداء

ويواصل أيمن "كانت لحظات عصيبة جداً يمر فيها منا الآخر، كنا نفتقد لأبسط الأشياء بالإطمئنان علي بعضنا البعض، وكان يسود قلوبنا قلق دائم علي مصير كلاً منا ونسعى بين الفينة والأخرى للحصول علي معلومات عن مصيرنا من خلال استخدام هواتف أرضية باتصال كلٌ منا علي ذوي الآخر للإطمئنان وفي بعض الأحيان لم نتمكن من الحصول علي معلومات دقيقة حول مصير الآخر فينا لانقطاع الهاتف أو لأسباب أخرى كعدم معرفة الأهل بمصير ابنهم".

 

ويستمر "وبعد انتهاء الحرب بساعات والإعلان عن وقف إطلاق النار من قبل الاحتلال تنفسنا الصعداء وأسرعت أنا لشحن جوالي وبعد وقت قمت بالاتصال علي عدد من الشباب فقام "فارس وخالد وياسر وعبد الرحمن" بالرد عليا واطمئنّنا علي بعضنا البعض، وكانت جوالات شباب آخرين مثل "طارق أبو عمشة ومهند الطناني ومحمد الهندي" مغلقة، لنصعق بعد ساعات بسماع خبر استشهادهم رغم مرور أيام طويلة آنذاك علي استشهادهم".

 

ويواصل "وفي ذات الليلة عاودت الاتصال بفارس وخالد لنلتقي منزل أياً منا، واجتمعنا بذلك اليوم عند أخونا الحبيب "ياسر" وهو مقاتل من يعمل في صفوف لجان المقاومة الشعبية، ولدي وصول كلٌ منا المنزل علي حدة كان يأخذ الآخر بالأحضان والدموع تذرف بقوة في مشهد كان رهيب أبكي الحضور من الشباب، ثم أخذنا بأنفسنا وقمنا بزيارة عدد من إخواننا الأحباب وكذلك بزيارة ذوي الشهداء من أحبابنا الذين فقدناهم".

 

أشقـاء فـي القسـام خاضـوا الحـرب علـي جبهـات مختلفـة

وفيما كان الأخوة الغير أشقاء "أيمن وخالد وفارس" يزورون أحبائهم من الأحياء ويعانقونهم عناق الأم لطفلها بشوق وحنان، ويستذكرون أحبابهم من الشهداء؛ كان موقف عظيم آخر يسطره ثلاثة أشقاء يعملون في كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس.

 

مخيم جباليا شمال قطاع غزة، كان يشهد أسطورة هؤلاء الإخوة الذين يعملون في وحدات عسكرية مختلفة تحت قيادة كتائب القسام، وكانوا يقاتلون علي جبهات مختلفة خلال الحربة الأخيرة علي غزة، وكان لكلٌ منهما مهامه الخاصة الموكلة.

 

"محمود – فادي – موسي" هي أسماء وهمية لثلاثة من الأشقاء الحقيقيين تم تنظيمهم في كتائب القسام آواخر عام 2003، حيث يعمل أولهم بوحدة المدفعية ويعمل الآخر في صفوف العمل الميداني فيما يعمل الثالث ضمن صفوف وحدة التصنيع العسكرية بالكتائب.

 

بدايــة عصيبــة

يقول "محمود" والذي يعمل بوحدة المدفعية، "بعد انتهاء التهدئة التي كانت معلنة في غزة قبيل الحرب، نفذ العدو الصهيوني عدة عمليات قصف واستهداف للمدنيين على حدود القطاع وخلال تلك الأيام جاءت أوامر بالاستنفار في صفوف عناصر وحدتنا لقصف الأهداف الصهيونية القريبة من غزة وهو ما تم حيث كان الاستهداف من قبل العدو متواصلاً وكانت المقاومة بمختلف فصائلها تستهدف مواقع العدو وكنا بوحدة المدفعية نقصف في جميع المناطق المحاذية للحدود"

 

ويتابع "واستمرت الأمور علي ذات المنوال إلي حين أن اندلعت الحرب ضد أهالينا في 27-12 بقصف مراكز الشرطة الفلسطينية بغزة وكذلك المواقع الحكومية، حيث استطعنا امتصاص حالة الارتباك التي سادت جميع الفلسطينيين بالرغم من قسوة تلك الضربة وبدأنا بإعداد أنفسنا وبدأنا بعد ساعات مباشرة من قصف جميع المواقع العسكرية المحاذية لشمال قطاع غزة وذلك بنشر جميع أفراد وحدات المدفعية في مختلف المناطق، واستمرت مهامنا حتى آخر أيام الحرب".

 

البعُــد عــن الأهـــل

فيما يقول من جانبه "فادي" والذي يعمل في صفوف العمل الميداني "لقد كانت مهام العمل الميداني هي الأصعب فقد كان أفراد وحدات العمل الميداني يرابطون وينفذون مهامهم دون أن يكّلوا أو يمّلوا، حتى أفتقدنا الوقت للراحة أو الوصول لمنازل ذوينا".

 

ويتابع "كنت أطمئن عبر أشقائي من خلال التواصل عبر الأجهزة اللاسلكية مع بعض الأخوة المرابطين في نقاط قريبة منهم أو من يمكنهم التواصل معهم بحكم ترابط عملهم، ولكننا فقدت الاتصال طيلة الحرب البرية مع ذوي ولكنني تمكنت من الحصول في اليوم الحادي عشر من الحرب على معلومات عن أنهم خارج المنزل بمنطقة آمنة مما طمئن قلبي ونفسيتي قليلاً".

 

نهايــة الحـــرب

يقول "موسي" والذي كان ذو المهام الأكثر صعوبة في عمل التصنيع العسكري، "لقد كانت أيام عصيبة وتجربة أكسبتنا كمقاتلين خبرات التعامل مع مثل هذه الحرب الهمجية، وبالرغم من صعوبة الأوضاع إلا إننا كعملنا في الوحدة الأكثر ضغطاً وعملاً من حيث توفير المواد اللازمة للعمليات وكذلك الصواريخ بمختلف أنواعها، إلا أننا تمكنا من اجتياز تلك المرحلة بنجاح".

 

ويتابع "لقد كنت أكثر أشقائي الثلاثة تواصلاً مع أهلي بحكم أن عملي بعيد عن العمل الميداني، بقدر مدى ارتباط نجاح العمل الميداني بنجاح عملنا، وتمكنت من زيارة أهلي عدة مرات"

 

ويختم "بعد انتهاء الحرب وعودتنا جميعاً للمنزل أخذ منا الآخر بالأحضان وسط بكاء أمي وأبي الذين عجزنا أمام بكائهم إلا أن نقبل أيديهم وأقدامهم بأن مّن الله علينا بلقيانا أحياء بالرغم من همجية العدوان".

 

كنــت أتمنــى الشهــادة قبـل أن أراهـم شهــداء

"أم أحمد" أم الأشقاء الثلاثة قالت ودموعها تذرف "كنت يا ابني أتمنى الشهادة قبل أن أشوفهم شهداء وتنزل دمعتي عليهم، وحسراتي على أبنائهم وزوجاتهم، لقد كان يخايلني دوماً أن أراهم مسجيين أمامي وهم ملفوفين بعلم فلسطين ومدفقين بدمائهم، وكان كل ما يراودني ذلك أدعوا الله أن يقبلني شهيدة قبل أن أري ذاك المنظر".

 

وتتابع "كنت كل وقت أخشي سماع خبر استشهادهم، وأبكي كثيراً علي ما كنت أسمعه في المذياع، وأبكي أكثر كلما كان يتصل موسي ويقول عن أشقائه أنهم بخير وهم لا يتصلون، مما يذيقني أكثر عذاباً وبكاءً عليهم خوفاً عليهم"

 

وتختم "لن أندم يوماً ما علي شهادتهم لكنني لا أريد أن أبقي بحسرتي علي أبنائهم وزوجاتهم، هم اختاروا هذه الطريقة وأنا بادعيلهم كل ما يطلعوا من البيت بالرضا والحفظ من الشيطان وأعدائه"

 

حيــاة المقاتــل بحاجــة لـروح الأخــوة

هذه الحالات جزء بسيط من حالات مماثلة، ولكل حالة قصة وحكاية مليئة بالأحداث الروائية الحزينة، فكثيراً ما تجد خفايا منبعثة بين هؤلاء المقاتلين إن كانوا أشقاء أو أخوة جمعهم حب الله والوطن علي قلب رجل واحد.

 

يقول "أبو سيف الدين" أحد أبرز قيادات كتائب شهداء الأقصى مجموعات الشهيد أيمن جودة عن تلك الخفايا "لا بد ولكل إنسان أن يكون قلبه عامر بالمحبة والصداقة لإخوانه وخصوصاً المقاتل منا لأنه معّرض للشهادة في أي وقت وهو بحاجة لروح الأخوة".

 

ويتابع "ومن خفايا هذه الحاجة الماسة للمقاتل الكثير من الشواهد كالشهداء الأبطال "حسن المدهون" قائد كتائب الأقصى وحدات الشهيد نبيل مسعود والقائد "فوزي أبو القرع" أحد أبرز قادة كتائب القسام شمال القطاع والذين استشهدوا معاً وما تلبث في كل وقت إلا تراهم معاً، وكذلك كثيراً ما كنا نشاهد إخوة من قيادات سرايا القدس وكتائب الأقصى وكتائب القسام معاً كأمثال الشهيد القائد خالد الدحدوح وماجد الحرازين وحسن المدهون وفوزي أبو القرع ووائل نصار وبشير الدبش ومقلد حميد وقادة لا زال منهم أحياء تربطهم أخوة المحبة والقلوب الصادقة الطاهرة التي تعمر بالإيمان".

 

ويؤكد في نهاية حديثه "المقاتل منا يرقى بحياته للخير من أجل محبة الجميع كالقائد الشهيد "جمال أبو سمهدانة" الذي زرع روح تلك المحبة بين الأخوة المقاتلين من كافة الفصائل إلى جانب قيادات أخرى كالقائد "عمر أبو شريعة" قائد كتائب المجاهدين وكذلك الاستشهاديين الذين كانوا ينفذون عمليات مشتركة من فصائل مختلفة خلال أيام فقط من لقائهم يفتحون الآفق أمام قلوبهم لتجمعهم صفوة الدين والحب والإخوة في الله". 

انشر عبر