شريط الأخبار

هل نحن أصحاب قضية؟ ..سليم الحص

01:29 - 20 تشرين ثاني / مايو 2009


ـ السفير 20/5/2009

إن قلنا قضية مركزية فالمقصود قضية فلسطين. وإن قلنا قضايا فالمقصود جملة تحديات تواجه الأمة العربية داخلياً وخارجياً، وبعضها يمرّ في فلسطين على نحو أو آخر.

فلسطين هي قضية العرب المركزية، بمعنى أن العرب، مسلمين ومسيحيين، يواجهون اعتداء صارخاً على مقدساتهم في القدس، حيث الاحتلال “الإسرائيلي” يتمدد بلا هوادة، حيث تتعرض المقدسات للانتهاك والمضايقة، يكابد الأهلون من عزلة عن الجوار العربي فرضت عليهم، بتعرض سكان المدينة لشتى أشكال العنت والتنكيل وحتى القتل. فلسطين قضية شعب مشرد عن أرضه. هناك مئات الألوف منهم هجّروا عن ديارهم عنوة خلال النكبة عام ،1948 ثم خلال حروب متتالية واعتداءات غاشمة، وهم يقيمون في معظمهم، في مخيمات بائسة، في دول الجوار العربي.

وفلسطين قضية شعب كانت ولا تزال مصدر عدم استقرار أمني وسياسي واجتماعي، ولنقل وطني، في مختلف الأقطار العربية، ولا سيما في الأقطار التي كانت هدفاً لاعتداءات “إسرائيلية” متكررة. و”إسرائيل” كانت سبيل قوى دولية، أمريكا وأوروبا، للتدخل في شؤون الأمة العربية تثير القلاقل والمتاعب في بعض أقطارها وتحول دون نهوض العرب عبر تمتين أواصر العلاقة بين شعوبهم وتحبط كل مشاريع التضامن والتكامل حتى لا نقول الاتحاد فيما بينهم. وأدى كل ذلك في المحصلة إلى عجز العرب عن تنمية قدراتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فبقوا في حال من التخلف النسبي في المجتمع الدولي.

والجوار العربي المحيط بفلسطين كانت له قضايا متفرعة من القضية المركزية. كان الجوار العربي يتعرض لاعتداءات مستمرة واشتباكات متكررة على الحدود مع الكيان الصهيوني. كانت لمصر قضية في سيناء وفي السويس، انتهت بتوقيع الشقيقة الكبرى صلحاً مع العدو الصهيوني. وكان للأردن قضية في انكشافها على اعتداءات متواصلة واحتلال أرض كانت في حوزتها، وتبددت القضية بتوقيع صلح مع العدو الصهيوني. وسوريا ما زال لها قضية في مرتفعات الجولان المحتل، ولبنان له قضية في مزارع شبعا وقرية الغجر. هذا ناهيك أن سوريا ما زالت تتعرض لاعتداءات متقطعة عبر غارات جوية تستهدف مواقع معينة. أما لبنان فتعرض ويتعرض لاعتداءات متواصلة عبر غارات “إسرائيلية” واجتياحات لأرضه واختراقات لمياهه الإقليمية وتهجير لشعبه. أما العراق فبات وضعه المأساوي يختصر كل قضايا العرب القطرية.

هكذا يبدو جلياً أننا نحن العرب نواجه قضايا متفرعة من قضية مركزية. ولكن الأدهى أننا لا نتصرف في غالب الأحيان كأصحاب قضية. وقد يكون من أسباب ذلك استهدافنا على هذا المستوى من جانب قوى الغرب المناصرة للكيان الصهيوني. نحن ذوو سيادة شكلية نسبياً في بلادنا. مواردنا، وفي مقدمها النفط والممرات البحرية الدولية والعلاقات الاقتصادية مع سائر أرجاء العالم، كلها تخضع لسيطرة قوة غربية أو أخرى: الولايات المتحدة الأمريكية في أكثر الحالات، أو لفرنسا أو بريطانيا أو غيرهما في حالات أخرى. إن ارتباطات الأنظمة الحاكمة في أقطارنا العربية بالقوى الغربية معروفة لا بل ساطعة. من هنا التشرذم العربي، وضعف الإرادة القومية الجامعة، وبالتالي تحكم دول الاستعمار والهيمنة في مسارنا ومصيرنا.

هكذا نحن نواجه قضايا حيوية في الاتحاد وفي التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي تحرير الأرض المحتلة، وبالتالي في تبوؤ المكانة اللائقة في العالم، إلا أننا مع ذلك عاجزون عن التصرف كأصحاب قضية قومية، فنحن منشغلون بمشاكلنا القطرية عن شؤوننا القومية، لا بل نجدنا عاجزين عن تحقيق القدر الأدنى من الممارسة الديمقراطية فإذا بنا محرومون حتى من تغليب إرادة شعوبنا على إدارة شؤوننا الوطنية والقومية. وفي ظل هذا الواقع المرير تزداد الفرقة بين العرب رسوخاً بترسّخ أنظمة الحكم التي لها مصلحة في استمرار حال الشرذمة التي تضمن استمرارها في السلطة. وتترسخ مع هذا الواقع مصالح قطرية على حساب القضية المركزية وسائر القضايا وتعمق الهوّة فيما بين الشعوب العربية، بما يصبّ في خدمة الكيان الصهيوني وتحصين منعته.

إننا نواجه بما يشبه الحلقة المفرغة. قضيتنا، ناجمة على وجه أو آخر عن اغتصاب أرض عربية في فلسطين، ونحن لا نستطيع أن نتوصل إلى حل ناجع للقضية في ظل مناصرة القوى الغربية الفاعلة للكيان الصهيوني، كما بفعل تنامي القضايا القطرية على حساب القضية القومية المركزية وتفاقم واقع الشرذمة العربية. فأين المخرج؟ متى وأين تكون بداية الحل؟

البداية تكون بتسلم الشعوب العربية زمام أمورها أي بتنمية الحياة الديمقراطية. فلا يترك الأمر لطبقات حاكمة متوارثة ليس لها مصلحة في إصلاح شأن الأمة. هناك تقدم يسجل في عدد من الأقطار العربية على هذا الصعيد وإنما ببطء شديد. فتحركات التغيير الجذري على هذا المستوى تحتاج إلى قيادة تاريخية تتصدرها. وفرص نشوء هذه القيادات، أو القيادات، تبقى نادرة في ظل أنظمة تطوق الحريات ولا تجد لها مصلحة حقيقية في إطلاق ممارسة ديمقراطية فاعلة. كانت هناك تجارب اختصرت طريق التغيير باستيلاد قيادات استثنائية عبر تحولات انقلابية. كان من ذلك انقلابات عسكرية في مصر وسوريا والعراق وليبيا وبعض الدول الأخرى. هذه التحولات لم تسفر عن التغيير المطلوب على صعيد تنمية الممارسة الديمقراطية. ونبقى في انتظار تمكن الشعوب العربية مع الزمن من فرض إرادتها على حكامها، ولو تدريجياً، فتمسك بزمام مصيرها بيدها وتسير بالأمة إلى حلم الاتحاد، وإلى فرض حل عادل لقضية فلسطين باستعادة وحدتها وضمان حق العودة كاملاً للاجئين، هكذا يبدو أن طريق فلسطين إنما تمرّ بالاتحاد.

ومن يستكثر على العرب هذا الحلم، نذكّره بأن العرب أولى بالاتحاد من أوروبا. تاريخهم العريق ومعطياتهم القومية تؤهلهم لذلك. أما أوروبا فتاريخها حافل بحروب واقتتال، ومعطياتها مشوبة بكثير من التباين لا بل التنافر. فكيف يجوز لأوروبا والحال هذه ما لا يجوز للعرب؟ علينا أن نعي حقيقة قضيتنا وأبعادها كي نغدو حقاً أصحاب قضية.

 
انشر عبر