شريط الأخبار

رغبة في الشخرة..!! ..بقلم: عدلي صادق

11:32 - 18 حزيران / مايو 2009

في أوائل الخمسينيات، اشتق جمال عبد الناصر من ظروف مصر وقيودها ومعاناتها؛ قاعدة قياس لصواب الوُجهة السياسية. فقد رفض ساخراً، الدعوات الإقليمية والدولية بأن تقف القاهرة ضد ما يسمونه "الخطر الأحمر" وأن تضع يدها في يد القوى المناوئة للاتحاد السوفياتي، وأن تنشغل استراتيجياً بما يقولون إنه خطر شيوعي ماحق. فقد ذهب عبد الناصر، بفطرته الوطنية، الى قياس آخر، مستهجناً محاولات إقناع الشعب المصري بوجود خطر يبعد عنه خمسة آلاف كيلو متر أو أكثر، بينما يرابط على خط السويس في أرض مصر نفسها ثمانون ألف جندي بريطاني. فقد كانت تلك، محاولة لحرف البوصلة ولخلط الأوراق ولتشويه الفطرة ولتشتيت انحياز الشعوب الى قضاياها والى نفسها!

 

*   *   *

 

اليوم يقولون إن البرنامج النووي الإيراني يمثل خطراً على المنطقة، حتى قبل أن يتضح طابعه التفجيري. لكن أسبابنا لرد هذه المنطق الى نحره، هي أكبر بكثير من أسباب جمال عبد الناصر في أوائل الخمسينيات، لأن ما كانوا يسمونه خطراً، في ذلك الوقت، كان يتعلق بثمانين الف جندي تجري المفاوضات مع قيادتهم السياسية لكي يرحلوا، وهم يسلمون بحتمية الرحيل من حيث المبدأ. أما حين يحاول أحد جرنا الى سياسات تنشغل بدرء النووي الإيراني، بينما خطر الصهاينة العنصريين المحتلين القتلة، الذين انتهبوا وطننا دون أن يكتفوا، بل تمادوا في غزوتهم وبات صراعنا معهم يدور حول حظائر بيوتنا ودور عبادتنا، ومقدساتنا، وطرق الوصل بين مدننا وقرانا؛ فإن الأمر يقتضي منا سخرية على شكل موال مع شخرة غزاوية!

 

*   *   *

 

في أوائل الخمسينيات، حاولت الأوساط الإمبريالية خداعنا لكي نقلب الأولويات، ولكي نتعامى عن مصائبنا الماكثة والمشهودة التي نشأت وتفاقمت بفعل أيديهم، لكي نقتنع بخطر لا نراه، وهو من وحي خرائطهم الاستعمارية. ولكي ينجحوا في تسويق بضاعتهم، استأجروا بعض عناصر النخب الفكرية، ومنهم عدد معتبر من الشيوخ المعممين، لكي يتحدثوا عن الدين وعن الإلحاد السوفياتي، وكأن سعيهم كان من منطلق الغيرة على الدين والخوف من الانحراف الإيماني!

 

اليوم يحاولون تسويق مفهوم الخطر الإيراني، ويستأجرون عناصر من النخب، تتحدث عن انحراف مذهبي يرفضه ملتزمون بحذافير ابن حنبل والشافعي والمالكي. والعجيب أن نتنياهو رئيس حكومة الانتهاب وسفك الدماء وابن المشروع الإجرامي، وجامع الذمائم ومقترف كل ما يُغضب الله ويسحق الأبرياء؛ يتوهم بأنه قد أقنع المحيط العربي الضحية، بأن الخطر يكمن في المشروع الأيراني، وأن المنطقة تحلو وتروق، عندما تخلو من أي سلاح، وعندما يمتلىء الشرق الأوسط بإسرائيل المدججة بالسلاح والنافرة والمتغطرسة بكل سفالة. وربما يظن نتنياهو بأن المستقبل الزاهر للمنطقة، يكمن في أن تتعهد إسرائيل بتوزيع حصص الأوكسجين والمياه على شعوب المنطقة بأسرها. إن من يسمع كلام الباعة المتجولين، عن خطر إيراني، فيما العدو المحتل يغرز البلطة في رؤوسنا، يزداد رغبة في أن يعشق إيران، استراتيجياً، وفي أن يتطرف محلياً، وفي أن يشخر غزاوياً!

 

* كاتب فلسطيني من قطاع غزة

انشر عبر