شريط الأخبار

نتنياهو في واشنطن: هل يوجـد شريـك إسرائيلي؟ ..أنطـوان شلحـت

02:11 - 17 تموز / مايو 2009

ـ النهار اللبنانية 17/5/2009

يحلـو لكثيرين من الساسة والمحللين السياسيين في إسرائيل الادعاء أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في وسعه أن يتأبط ذريعة "لا يوجد شريك" لإسرائيل في الجانب الفلسطيني يتيح إمكان المضي قدمًا في عملية تسوية الصراع مع الفلسطينيين، وذلك لدى أول زيارة رسمية له يقوم بها إلى واشنطن في 18 أيار الحالي، من أجل لقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما. أو في وسعه أن يتأبط ذريعة أخرى، موازية ومكملة، فحواها أنه حتى في حال وجود "شريك فلسطيني" متجسّد في شخص رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس، فهو بلا حول ولا قوة، وتبعًا لذلك ليس في الإمكان التعويل عليه.

مهما يكن ففي إمكان نتنياهو، في الحالتين، أن يستند، من ضمن قائمة المسوّغات التي قد يتذرّع بها، إلى أقوال سلفه إيهود أولمرت بشأن حصيلة "المفاوضات مع الفلسطينيين"، والتي جاء فيها بالحرف ما يلي: "إن حقيقة عدم توصلنا إلى السلام حتى الآن ناجمة بالدرجة الأولى عن ضعف القيادة الفلسطينية وعن عدم رغبتها وعدم شجاعتها في الإقدام على الاتفاق. وكل ما يتعدى ذلك ما هو إلا حجج ومحاولات لإثارة المفاجآت أو لصرف الأنظار عن جوهر الأمور. لقد كنا مستعدين لتوقيع اتفاق سلام فيما لم تملك القيادة الفلسطينية - للأسف - الشجاعة للإقدام على ذلك" [من أقوال أولمرت في آخر جلسة عادية للحكومة الإسرائيلية السابقة، في يوم 15 آذار 2009].

لكن مـا هي، في واقع الأمر، الحصيلة الحقيقية لـ"المفاوضات الإسرائيلية مع الفلسطينيين"، والتي كانت استؤنفت خلال فترة ولاية أولمرت في رئاسة الحكومة الإسرائيلية [استمرت بين السنوات 2006-2009] بعد انقطاع طويل؟ وإلى ماذا تحيل، مقارنة بمـا سبقها من مفاوضات بين الطرفين؟

تشير الرواية، التي يتداولها الإعلام الإسرائيلي في هذا الشأن، إلى أن "الاتفاق الدائم" في ما يتعلق بالقضايا الجوهرية للصراع [الحدود والقدس واللاجئين]، والذي عرضه أولمرت على عباس خلال هذه المفاوضات عندما شارفت ولاية الأول على الانتهاء، قد تضمن العناصر الرئيسة التالية:

- الانسحاب من نحو 94 في المئة من مساحة الضفة الغربية وإعادتها إلى الفلسطينيين وضمّ المساحة المتبقية [6 في المئة] إلى إسرائيل. وتشمل النسبة الأخيرة ما يسمى "الكتل الاستيطانية" وبينها "كتلة مستوطنة أرييل" التي تمتد على طول عشرين كيلومترًا في أراضي الضفة الغربية وتعرف باسم "إصبـع أريئيل" [وكان أولمرت قد طرح، من خلال برنامجه السياسي على رأس حزب كـاديمـا في الانتخابات العامة سنة 2006، ما عُرف باسم "خطة الانطواء" أو "التجميـع"، والتي نصت على الانسحاب من معظم أجزاء الضفة الغربية، وإخلاء المستوطنات الواقعة شرقي الجدار العازل. وبموجب هذه الخطة تقوم الحكومة الإسرائيلية، بصورة أحادية الجانب، بتجميع المستوطنين اليهود المنتشرين في المستوطنات القائمة في قلب الضفة الغربية بنقلهم للسكنى في المستوطنات القائمة داخل الكتل الاستيطانية المنتشرة على مناطق قريبة أكثر من حدود ما قبل حزيران 1967، وذلك وفقًا لمسار الجدار العازل. وقد جرى الحديث على كتل معاليه أدوميم وأرييل وغوش عتصيون. وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في حينه إلى أن هذا التجميع لن يشمل مستوطنة كريات أربع والبؤرة الاستيطانية في الخليل، على الرغم من كونهما خارج الجدار. وبناء على الخطة تواصل إسرائيل السيطرة على 7 في المئة من أراضي الضفة الغربية. ومن المعروف أن أولمرت أسقطها من جدول الأعمال إثر حرب لبنان الثانية في صيف 2006].

- إن حجم المساحة، التي سيحصل الفلسطينيون عليها في مقابل الضمّ المذكور، وقد جرى الحديث على نحو خاص عن أراض في منطقة النقب الغربية وفي شمال بيسان، يعادل نسبة تتراوح بين 4- 4.5 في المئة. وكان فحوى الادعـاء الإسرائيلي هو أن الفارق سيغطى بـ "الممر الآمن" الذي سيمتد من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، والذي على الرغم من وزنه الجغرافي الصغير وحقيقة أنه سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية، إلا أن "مساهمته للدولة الفلسطينية جوهرية"، بحسب الادعـاء الإسرائيلي. هذا مع العلم أن كل نسبة مئوية واحدة تعادل مساحة تل أبيب بأكملها.

- بالنسبة الى شرق القدس، يجري تقسيمها وفقًا للمقاييس التي وضعها الرئيس الأميركي الأسبق بيـل كلينتون في سنة 2000، أي يبقى مئتا ألف يهودي وأربعة عشر حيًا يهوديًا بنيت خلف الخط الأخضر تحت السيادة الإسرائيلية، وينتقل مئتان وستون ألف فلسطيني في ثماني وعشرين قرية وحيًا إلى سيادة فلسطين. وبينما بقي الرئيس عباس متمسكًا بخطة كلينتون ومفاوضات طابا ومبادرة جنيف بالنسبة الى تقسيم شبيه للبلدة القديمة، فإن أولمرت سعى إلى تأجيل البحث في منطقة "الحوض التاريخي المقدّس"، التي تتضمن البلدة القديمة وجبل صهيون ومدينة داود وجدول كدرون وجبل الزيتون، لمدة خمسة أعوام. وخلال هذه الفترة تحافظ إسرائيل على سيادتها في الحوض، وتتولى لجنة دولية، باشتراك دول عربية مثل السعودية، إدارته وتبلور اقتراحا بالنسبة لمستقبله في سبيل طرحه على الطرفين.

- في ما يخصّ مسألة اللاجئين، جرى الحديث من جانب إسرائيل على إزاحة مسألة "حق العـودة" المشحونة جانبًا لمصلحة "حلول عملية"، في صلبها استيعاب محدود للاجئين ودفع تعويضات. ورأى أولمرت أن من شأن استيعاب ثلاثين ألف لاجئ على مدى عشرة أعوام أن يشكل حلا يجسر الفجوة في المواقف بين الطرفين.

-  تحددت المطالب الإسرائيلية الأمنية، بالأساس، في الأمور الآتية: تجريد الدولة الفلسطينية من الجيش والسلاح الثقيل؛ مرابطة قوات دولية؛ اعتماد ترتيبات خاصة بالنسبة للمجالين الجوي والإلكترو مغناطيسي وغيرهـا.

من الواضح أن المشكلة الأكبر هنا، علاوة على تبعات موضوع "حق العودة" المشحون، تكمن في ما يلي:

أولاً- حاول أولمرت، على غرار ما فعل رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود باراك خلال محادثات كمب ديفيد مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في سنة 2000، أن يحطم الصيغة التي جرى اعتمادها في اتفاقيتي السلام بين إسرائيل من جهة، وبين كل من مصر والأردن، من جهة أخرى، وهي صيغة "كل الأراضي في مقابل السلام". وكان هدفه من وراء ذلك هو الوصول إلى تبادل للأراضي لا على أساس نسبة مئة في المئة. غير أن الرئيس عباس، بحسب ما تؤكد الرواية الإسرائيلية، بقي مصرًا على تبادل للأراضي بنسبة مئة بالمئة، والذي من شأنه أن يحافظ على حجم إسرائيل في حدود حزيران 1967. أما الممر الآمن فرأى فيه مرونة إسرائيلية واجبة في مقابل المرونة التي يبديها هو.

ثانيًا- لم تكن هناك أي صلة بين المحادثات، التي أجراها أولمرت مع عباس بشأن القضايا الجوهرية، وبين المفاوضات الملزمة. فالاثنان اتفقا سلفا على أن تجري المفاوضات الرسمية عبر الطاقمين الإسرائيلي برئاسة تسيبي ليفني والفلسطيني برئاسة أحمد قريع. وقد تمت كل اللقاءات بين القائدين على انفراد ولم يجرِ تدوينها. كما أن وزيرة الخارجية [ليفني] ووزير الدفاع [إيهود باراك] لم يعلما بأمر المباحثات التي أجراها رئيس حكومتهما، حتى أن الخريطة التي طرحها أولمرت على عباس [وشملت نسبة الانسحاب الإسرائيلي والمستوطنات المنوي ضمها ونسبة الأراضي التي سيتم تبادلها] أعدت من قبل طرف خارجي غير حكومي. وقد أكد كثيرون، عقب ذلك، أن أولمرت ما كان سيحظى بتأييد ليفني وباراك في حال بلورة اتفاق بالمواصفات المذكورة. وأشار آخرون إلى أن استعداده لاستيعاب ثلاثين ألف لاجئ ما كان سيجتاز عتبة بوابة قيادة حزبه [كاديما]، وخاصة في ظل رئاسة ليفني، التي تخوض حربًا لا هوادة فيها على "حق العودة".

لقد توقع بعض الإسرائيليين، الذين يتحلـون بقدر معقول من المنطق، أن يكون أولمرت قد أدرك، بعد أن أمضى أكثر من ثلاثة أعوام في القيادة عقدت فيها سلسلة طويلة من اللقاءات الثنائية الإسرائيلية- الفلسطينية، أنه لا يوجد ولن يوجد أي شريك فلسطيني للتسوية التي لا تشمل الضفة الغربية كلها "مع تعديلات حدودية متبادلة"، علمًا بأن مسألة أن تشمل التسوية نفسها قطاع غزة كله باتت أشبه بتحصيل حاصل، وذلك ترتبًا على انسحاب إسرائيل منه منذ سنة 2005 في نطاق "خطة الانفصال" الأحادية الجانب.

وارتأى بعض آخر، يتحلى بقدر أكبر من المنطق والرؤية السليمة، أن يعيد إلى الأذهـان أن الفلسطينيين قدموا آخر تنازل لهم قبل عشرين عاما، وذلك عندما قرر المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر أن يعلن تأييده صيغة الدولتين للشعبين في حدود حزيران 1967. وتجدر الإشارة إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية حظيت في ذلك الوقت، في مقابل هذا القرار، باعتراف أميركي بمطلب حق تقرير المصير.

وهكذا في الإمكان القول، من دون أي مبالغة، إن قرار المجلس الوطني الفلسطيني هذا استطاع أن يحافظ على بقائه، على الرغم من تبدّل سبعة رؤساء حكومة في إسرائيل، وعلى الرغم من اندلاع عدد لا يحصى من الأزمات القاسية منذ اتخاذه في سنة 1988. وبناء عليه فإن السؤال بعد أولمرت وقبل نتنياهو ومعه كان ولا يزال هو: هل يوجد شريك إسرائيلي لهذا القرار؟


انشر عبر