شريط الأخبار

الإسلاميون وفلسطين.. هل لا تزال القدس في القلب؟

10:25 - 17 حزيران / مايو 2009

الإسلاميون وفلسطين.. هل لا تزال القدس في القلب؟

خديجة الزغيمي

الانقسام الفلسطيني، حصار غزة، الحرب على غزة، إعادة الإعمار، إدخال المساعدات، المطالبة بفتح المعابر، أصبحت هذه في الآونة الأخيرة محاور الاهتمام فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، سواء على الصعيد الإعلامي أم على صعيد الأنشطة والفعاليات المناصرة للقضية الفلسطينية، في حين تراجع ملف القدس شيئا فشيئا عن الواجهة، الأمر الذي استغله الإسرائيليون جيدا بتسريع وتيرة حملة تهويد القدس من الاعتداء على المقدسات الإسلامية والتوسع في الاستيطان وهدم بيوت الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم.

هذه التطورات تستدعي التساؤل حول موقع ومكانة القدس لدى الحركات الإسلامية، وهل ما تزال القدس هي القضية المركزية لدى الإسلاميين أم أن قضايا أخرى أخذت تقاسمها الاهتمام أو ربما استحوذت على معظم الاهتمام.. طرحنا هذا التساؤل على عدد من القياديين الإسلاميين والمحللين للظاهرة الإسلامية، وقد أكد الإسلاميون أن القدس لاتزال في القلب لدى الحركات الإسلامية وإن اعترفوا بتقصيرهم تجاهها، في حين بدا أن للباحثين رأيا مختلفا.

 

يرى حكمت الرواشدة، عضو المكتب التنفيذي لجبهة العمل الإسلامي بالأردن ومسئول الملف الفلسطيني بها، أن الأقصى يمر حاليا بأخطر مرحلة في تاريخه بينما العالم الإسلامي غير منتبه، إما لتركز الاهتمام فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية على ما يحدث في غزة، وإما لأن العالم الإسلامي غير مهتم أصلا بالقضية الفلسطينية ومنشغل بقضايا أخرى.

 

ويقول الرواشدة إنه خلال الحرب الأخيرة على غزة وكذلك بعدها كان من الطبيعي أن ينصب اهتمام الجميع وتتركز جهودهم على قضايا إيصال المساعدات لغزة وإعادة إعمارها، ولم تشذ جبهة العمل الإسلامي عن هذا الاتجاه، ولكنها لم تلبث أن عادت بعد هدوء الأمور نسبيا إلى اهتمامها المعتاد بالأقصى. ويعدد الرواشدة أمثلة على الأنشطة المتعلقة بالقدس التي تقوم بها الجبهة، ويذكر منها الاعتصامات التي كان آخرها قبل بضعة أسابيع، وكذلك أسابيع فلسطين التي تعقد بشكل مستمر وتتضمن يوما مخصصا للأقصى، بالإضافة إلى المطبوعات والمنشورات التي تهدف إلى التوعية بالأخطار التي تتهدد القدس، والتي تضمنت مؤخرا توزيع أسطوانة عن القدس مع إحدى الجرائد اليومية.

 

الكل مقصر

 

ويعترف الرواشدة بأنه غير راض عن أداء حزبه فيما يتعلق بملف القدس، ويرى أن كل هذه الجهود لا تكفي ولا ترقى إلى المستوى المطلوب لنصرة الأقصى، وأن الجميع يرتكب جرما كبيرا تجاه الأقصى بالسكوت على ما يتعرض له، ويؤكد على "أننا جميعا سنسأل أمام الله على هذا التقصير"، وفي حين يرى الرواشدة أن هناك تقصيرا من الجميع في العالم الإسلامي أفرادا وحكومات وحركات إسلامية فإنه يضع المسئولية الكبرى على الحكومات التي بيدها الأمر في حين أن ما بيد الأفراد والحركات هو الضغط على الحكومات لدفعها للقيام بواجبها.

 

ويشير الرواشدة إلى خصوصية الحالة الأردنية والحركة الإسلامية الأردنية من ناحية كون الأردن من "أكناف" بيت المقدس ومن أرض الرباط، وهو ما يضع على إسلاميي الأردن عبئا أكبر مما يقع على نظرائهم في الدول الأخرى، إلا أنه يستدرك أن هذا لا يعني تقاعس الآخرين. ويلفت الرواشدة إلى أن الشعوب العربية والإسلامية تتحرك فقط مع الأحداث الكبرى، وهنا يأتي دور الحركات الإسلامية في العمل على استمرار الاهتمام والتفاعل مع القضية الفلسطينية، إذ لا يكفي التحرك فقط بعد وقوع المصائب، فماذا سنستفيد لو هبت الشعوب العربية والإسلامية وانتفضت بعد وقوع ضرر كبير للمسجد الأقصى؟! ولكن مع ذلك يرى الرواشدة أن هذا التحرك المتأخر يمكن أن تكون له فائدة، إذ إن خوف إسرائيل من هذا التحرك الذي قد يصل لدرجة غير متوقعة يجعلها تتردد في المضي قدما في خططها لهدم المسجد الأقصى.

 

لا غزة ولا القدس

 

بدوره ينفي حسين رحال، مسئول وحدة الإعلام الإلكتروني بحزب الله، فكرة أن تكون أحداث غزة هي السبب في تحويل الأنظار عما يحدث في القدس فيقول: "ماذا قدم الشعب العربي والإسلامي لغزة حتى نقول إنه انشغل بها؟ فغزة لا تزال محاصرة ويمنع دخول المساعدات والأموال لها، فلا قضية غزة ولا القدس نالت الاهتمام الكافي من العالم العربي والإسلامي المشغول في كيفية هضم العلاقة مع إسرائيل، وليس في مواجهة إسرائيل، والمشغول كذلك في معارك مفتعلة داخل الأمة من قبيل المواجهة بين السنة والشيعة وبين العرب والإيرانيين وبين العرب والأتراك، في رؤية عاجزة قاصرة يستفيد منها الصهاينة لإكمال تهويد القدس".

 

 إلا أن رحال يستثني الحركات الإسلامية من الانشغال عن القدس وعن القضية الفلسطينية، فهو يرى أن الحركات الإسلامية على وعي بأبعاد القضية، ولكنها تقع تحت حصار النظام العربي الذي يمنعها من القيام بأنشطة فعلية لنصرة القدس، ويسعى لجرها لصراعات هامشية تحاول هي الهروب منها وتصويب بوصلة المعركة.

 

وفيما يتعلق بحزب الله تحديدا يقول رحال إن قضية القدس تحتل مركزا أساسيا لدى الحزب الذي لديه برامج خاصة بالقدس، سواء على صعيد العمل الإعلامي والتوعية بالقضية أو على أصعدة أخرى ميدانية رفض الخوض في تفاصيلها، ولكنه يرى أن كل هذه الجهود غير كافية، ويقول: "أشعر أننا جميعا مقصرون وأن علينا مضاعفة جهودنا".

 

يؤكد عصام العريان مسئول الملف السياسي بجماعة الإخوان المسلمين بمصر أن التوعية بملف القدس والاهتمام به هو البند الأول في جدول اهتمامات الجماعة، ويتجلى ذلك في تناول مرشد الإخوان باستمرار لقضية القدس في حديثه الأسبوعي وذكرها دائما عند الحديث عن قضية فلسطين، كما أن كل الشخصيات القيادية في الإخوان التي لها حضور إعلامي تتحدث طوال الوقت في وسائل الإعلام عن قضية تهويد القدس، وأن أحداث غزة لم تؤد إلى تراجع هذا الاهتمام، ويذكر العريان أن الإخوان شاركوا في تأسيس العديد من التجمعات الرامية للاهتمام بالقدس ودعمها وأهمها مؤسسة القدس الدولية.

 

ويشير العريان إلى أن جماعة الإخوان تقيم فعاليات مختلفة لدعم القدس؛ كان آخرها تنظيم مؤتمر حاشد أمس في محافظة الغربية حضره أكثر من خمسة آلاف شخص وتوجه لهم المرشد بخطاب، ويذكر العريان أنه كان من المزمع تنظيم يوم غضب أمس في كل مصر إلا أنه أجهض من قبل الأجهزة الأمنية التي ألقت القبض على 13 من القيادات الإخوانية لهذا السبب.

 

ويقول العريان إن الإخوان لا يمكن أن يتراجعوا عن الاهتمام بالقدس الذي بدأ منذ تأسيس الجماعة وقدموا في سبيله عددا كبيرا من الشهداء، كما أن الجماعة دفعت ثمن هذا الاهتمام.. إذ أن استهداف الإخوان مبكرا في معظم الدول العربية كان بسبب موقفهم في حرب فلسطين.

 

من جانبه يرى محمد حمداوي، مسئول العلاقات الخارجية بجماعة العدل والإحسان المغربية وعضو مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية، أن الأمة دخلت بعد حرب غزة في حالة من الارتخاء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهو الأمر الذي استغله العدو الصهيوني في تكثيف عمليات تهويد القدس والحفريات تحت المسجد الأقصى. ولكنه يعود ليؤكد أن الاهتمام بالقدس حاضر دائما لدى الحركة الإسلامية، ولكن كثيرا ما يعوزه التحول إلى تحركات وأفعال على أرض الواقع، في حين أن الظروف الحالية تحتم القيام بهبة كبيرة لمواجهة تهويد القدس يشارك فيها الجميع، وبخاصة علماء الأمة الذين لهم صوت مسموع لدى الشعوب ويقع على عاتقهم بيان البعد الديني والإلزام الشرعي لنصرة القدس، وكذلك الحركات الإسلامية التي يرى حمداوي أنها تتحمل جزءا كبيرا من المسئولية باعتبارها فاعلا أساسيا في العالم الإسلامي، ويوضح الحمداوي أن الدور الأساسي لهذه الهبة الشعبية سيكون الضغط على الحكومات لتقوم باستغلال التغيرات الدولية التي تدفع لتحول في ميزان القوى لتغيير سياساتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

 

القدس لاتزال في القلب

 

 

   

 

ويؤكد حمداوي أن قضية فلسطين وفي مركزها قضية القدس وفي القلب منها المسجد الأقصى هي قضية مركزية لدى جماعة العدل والإحسان التي لها حضور قوي في الأنشطة المتعلقة بها على الصعيد الوطني والعربي والإسلامي باعتبارها حركة جماهيرية واسعة الانتشار، ويذكر في هذا الإطار نشاط "الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة" التابعة للجماعة وإلى عضوية عدد من قيادات الجماعة في مجلس أمناء "مؤسسة القدس الدولية".

 

ويضرب حمداوي أمثلة على ما تقوم به الجماعة تجاه القدس منها الوقفات الرافضة لتهويد القدس وحملات التوعية في المدارس والجمعيات والمنتديات، هذا بالإضافة إلى إطلاق حملة القدس عاصمة للثقافة العربية، ويذكر حمداوي بالاهتمام التاريخي للمغاربة بالقدس وبالآثار التي تركوها هناك، والتي تشهد على جهادهم في سبيلها برغم بعد المسافة.

 

ويتفق حامد خلف، عضو مجلس شورى جمعية الوفاق الوطني بالبحرين، مع حمداوي على أن القدس في قلب كل مسلم، ولا خلاف على هذا، ويوافق حامد على أن التطورات الأخرى على الساحة الفلسطينية، وبخاصة الحرب على غزة وحصارها المستمر حتى الآن، وكذلك الانقسام الفلسطيني، كان من الطبيعي أن تلاقي اهتماما كبيرا في الفترة الأخيرة إلا أنه يستدرك أن القدس هي القضية الأولى.

 

ويضيف حامد أن كل التطورات والأحداث التي تحدث في فلسطين عادة ما تكون عابرة، بينما القدس هي القضية الدائمة والمركزية، ونجد أن التأريخ لأحداث فلسطين يتم غالبا من خلال ما يحدث للقدس، فاحتلال فلسطين يؤرخ باحتلال القدس، وتحرير فلسطين كذلك يؤرخ بتحريرها.

 

ويؤكد حامد خلف أن الجمعية تركز في أنشطتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية التي تقوم بها من خلال لجنة مناصرة القضية الفلسطينية على القدس عبر العديد من الفعاليات كالمسيرات والبيانات والكتيبات التي تهدف إلى التوعية بما تواجهه القدس من مخاطر، وبخاصة في يوم القدس الذي يتم إحياؤه في الجمعة الأخيرة من رمضان.

 

وفي نفس السياق يقول عبد الغفار عزيز، المستشار السياسي للجماعة الإسلامية في باكستان، إن الاهتمام بالقضية الفلسطينية اهتمام شامل ومبدئي، فهو يشمل كل جوانب القضية، والقدس حاضرة في كل ما يتعلق بالقضية، فمثلا الاهتمام بأحداث غزة لم يكن فقط بسبب الظلم والاعتداء الذي يتعرض له أهلها، بل كذلك لأن الظلم وقع على من يرفض التطبيع والتفاوض مع المحتل ويرفض التنازل عن القدس والأقصى.

 

ويشير عزيز إلى أن القدس حاضرة لدى الشعب الباكستاني كله، وليس الجماعة الإسلامية فقط، وفي أي فعالية للتضامن مع قضية فلسطين ترفع صور الأقصى وقبة الصخرة، ويقول عزيز إن هذا راجع إلى أن القدس ثالث الحرمين الشريفين يمثل رمزا من رموز العقيدة ويحمل ذكريات عطرة ومباركة لإسراء الرسول صلى الله عليه وسلم ومعراجه.

 

ويلفت عزيز إلى أنه بالرغم من القضايا العديدة التي تعاني منها الأمة مثل قضية أفغانستان والعراق وكشمير، فإن القدس تظل هي القضية الأم في معظم أنشطة وفعاليات الجماعة الإسلامية، ويستشهد في هذا الصدد بإصدار مجلس شورى الجماعة في اجتماعه الذي عقد الثلاثاء الماضي بيانا شاملا عن القضية الفلسطينية ركز على المحاولات الصهيونية لتهويد القدس، وذلك على الرغم من المأساة البشرية التي تعاني منها باكستان جراء ما يحدث في وادي سوات.

 

تفاعل موسمي ومؤقت

 

من جانبه يرى بشير نافع، المؤرخ والأكاديمي الفلسطيني، أن معظم الحراك العربي والإسلامي المتعلق بالقضية الفلسطينية موسمي ومؤقت ومتعلق بالأزمات، وليس له قنوات ووسائل تعبير ثابتة، وهو الأمر الذي يمثل مشكلة مستعصية.

 

ويلفت نافع إلى أن الوضع لم يكن على هذا الشكل في السبعينيات على سبيل المثال، إذ كان هناك حراك قوي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولجان مخصصة لهذا الغرض في العالم العربي، وحراك قوي على المستوى الشعبي، الأمر الذي تراجع بشكل كبير في الأعوام العشرين الأخيرة، حيث لم تعد توجد مؤسسات ثابتة لمتابعة تطورات القضية الفلسطينية بشكل دائم.

 

وينفي نافع أن يكون هذا التراجع يعني تراجع التعاطف الشعبي مع القضية، فهناك تعاطف شعبي كبير، ولكنه بحاجة إلى توظيفه من قبل القوى السياسية التي لابد أن تضطلع بمسئولياتها في هذا الشأن، وهو أمر صعب نظرا لتزايد هيمنة الدولة في العالم العربي وتوسع قوتها على حساب أدوار القوى الشعبية.

 

ويذهب مازن النجار أبعد مما ذهب إليه نافع بخصوص تراجع الحراك المتعلق بفلسطين بالقول إن الحركات الإسلامية تمثل "عبئا" على القضية الفلسطينية، وإنها "عالة" على فلسطين والقدس تستفيد منهما أكثر مما تفيدهما. ويرى النجار أن الحركات الإسلامية تستخدم قضية فلسطين وغيرها من قضايا الأمة لتعزيز دورها في المجتمع، وأنها تحتاج لقصة نجاح "لتعيش" عليها، حيث كانت قصة النجاح الأولى هي الجهاد الأفغاني الذي اتضح بعد ذلك -كما يقول النجار- أنه كان شيئا آخر، ثم الجهاد في سوريا، ثم الانتفاضة الأولى التي يرى النجار أن الحركات الإسلامية استفادت منها في التمويل وجمع التبرعات في حين أنها في النهاية لم تقم بدور فعلي ولم تحدث أي تغيرات كيفية على صعيد القضية الفلسطينية، فالذي يقدم الجهد الحقيقي هم المقاومون والاستشهاديون الذين يقدمون التضحيات بصمت دون أن يتمكنوا من استثمارها إعلاميا، في حين أن الحركات الإسلامية بما لها من قدرات تنظيمية تقوم باستثمار تضحيات الآخرين.

 

ويؤكد النجار أن الحركة الإسلامية لم تطور خطابا متعلقا بالقدس ولم تؤصل معنى حضاريا حول القدس ورمزيتها، ولا تملك رؤية تاريخية لسياق القضية الفلسطينية ضمن إطار التجربة الإسلامية العالمية، وأن التأصيل الوحيد الذي خرجت به الحركة الإسلامية هو أن فلسطين بأكملها أرض وقف لا يمكن التفريط فيها، وأنها أرض حقوق لابد أن ترجع لأصحابها، ويشير النجار إلى أنه حتى هذا التأصيل بات مهددا نتيجة لنزوع حركة حماس إلى القبول بالحلول المرحلية وبإقامة دولة فلسطينية على حدود 67 فقط.

 

 

 

انشر عبر