شريط الأخبار

أسئلة مهمّة في ضوء أزمة حزب الله والقاهرة ..عصام العريان

01:54 - 16 آب / مايو 2009

ـ الأخبار اللبنانية 15/5/2009

تفرض الأزمة الأخيرة مع حزب الله وخليته في مصر أسئلة مهمّة جداً:

ــ هل كانت مصر تعلم أو صرّحت ضمنيّاً بذلك، ثم تراجعت أخيراً نتيجة الضغوط العالمية الرامية إلى وقف تهريب السلاح إلى غزة وفلسطين؟ وهذا الافتراض يأتي في إطار إدراك مصر أن العدو الحقيقي هو العدو الإسرائيلي، وأن العداء له لن يتوقف ما دام لم ينفّذ الصهاينة التزاماتهم بتحقيق السلام، ولو في حدّه الأدنى الذي قبله العرب بإقامة دولة فلسطينية فى أرض 1967، وإصراره على التمسك بالخيار النووي، وشنّ الحروب رغم معاهدات السلام مع مصر والفلسطينيين والأردنيين؟ علماً أن الاتهامات لم تتوقف ضد مصر بأنها تتغاضى عن تهريب السلاح وغيره إلى الأراضي الفلسطينية ومنها غزة، واعترف بذلك الدكتور عبد المنعم سعيد فى مقال له أخيراً.

ـ هل استدرجت أجهزة الاستخبارات المصرية حزب الله إلى فخ بعدم الاعتراض صراحة على أية أنشطة استخبارية يقوم بها أعضاؤه على الأرض المصرية؟

هذان الاحتمالات قائمان، لسبب بسيط هو أن مصر استقبلت نواباً وقادة من حزب الله خلال السنوات الماضية، وكانت لها علاقات، ولو على مستوى منخفض مع الحزب فى لبنان، ولا يمكن تصور إخفاء أية أنشطة من هذا النوع عن الأمن المصري الذي أعلن بالفعل أنه يتابع تلك الخلية منذ عام 2005. وكان يمكن مصر أن تحذّر حزب الله صراحةً أو تبلغ الدولة اللبنانية التي لمصر علاقة وطيدة بها. ثم إن الرئيس حسني مبارك استقبل شخصياً الرئيس ميشال سليمان وقائد الجيش العماد جان قهوجي، ورئيس الوزراء السيد فؤاد السنيورة، ولا بد أن الحوار تعرّض إلى حزب الله ودوره في لبنان وفى الإقليم، وخاصة مع ما يتردد عن دعم قدمه حزب الله إلى التيار الصدري في العراق، وإلى الشيعة البحرينيّين، رغم أن الحزب نفى بقوة أية تدخلات له في البحرين أو اليمن، ولم ينفِ قصة العراق، لأنها تدخل فى إطار المقاومة ضد الاحتلال لا العمل ضد سلطة وطنية. وهنا أفتح قوساً لأقول إن السيد حسن نصر الله صرّح لأشخاص أعرفهم في لقاء خاص أنه رفض بشدة أي طلب لشيعة البحرين بالذات لدعمهم محلياً.

والسؤال هنا: لمصلحة من استدراج حزب الله إلى ذلك الفخ؟ هل المطلوب تعريب الحزب، بمعنى الضغط عليه لقطع صلته نهائياً بإيران؟ أم المطلوب محاصرته داخل لبنان ليتحول إلى حركة اجتماعية سياسية فقط، وتقليم أظافره العسكرية بحيث يسقط الادعاء بأهمية الاحتفاظ بالسلاح للتصدي للخطر الصهيوني أو الاحتفاظ بالقوة العسكرية من أجل تحرير القدس وفلسطين؟

حزب الله اليوم محاصر باتفاقيات دولية تمنعه من العمل العسكري على الحدود اللبنانية، وقضية مزارع شبعا ليست مقنعة للجمهور اللبناني بأنها تستحق خوض حروب من أجل تحريرها، وخاصة مع النزاع السوري اللبناني بشأنها. وحزب الله لا يستطيع العمل من الأراضي السورية لأن ثمن الدعم السوري هو العمل فقط من خلال الأراضي اللبنانية، ولا أعتقد أن سوريا لديها علم بالتمدّد خارج لبنان، بل قد تقف ضد ذلك لمصالحها الإقليمية، ولم نسمع حتى الآن صوتاً سورياً عن الأزمة الأخيرة، إلّا كلاماً عاماً للرئيس بشار الأسد في حوار صحافي.

إذا كانت مصر تريد أن تبعث رسائل إلى إيران، لا لحزب الله، كما يقول وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، والمصادر التي لا تعلن عن نفسها، فإن ذلك يقتضي حواراً مع إيران لا صداماً مع حزب الله أو تشويهاً لفكرة المقاومة وهدماً لها، أو سباباً وشتماً وسخرية من شخصيات أدت وما زالت دوراً مهمّاً ضد العدو الصهيوني.

من حق مصر بل من واجبها، سلطة ونظاماً وشعباً، أن تدافع وتحافظ على الأمن الوطني المصري والأمن القومي العربي. ومن واجب مصر أيضاً أن تدعم المقاومة ضد العدو الصهيوني وأن تقف ضد التدخلات الخارجية ومحاولات الهيمنة على الأمة العربية... وليس هناك تعارض بين الواجبين، بل تكامل.

وهناك فرق كبير جداً بين جار طبيعي يشترك مع العرب في الكثير من القواسم الدينية والتاريخية والحضارية والهموم المشتركة، رغم صراعات آن لها أن تنتهي، وبين غرس شيطاني وقوة استعمارية لا تريد للجميع أيّ خير.

ولكن فلنعد إلى حزب الله ومسؤوليته، وكيفية الاستفادة من الأزمة.

لقد سارع الحزب إلى محاولة ترميم الصدع في علاقته مع مصر، التي هي أصلاً ضعيفة ومحل شك وعدم ثقة متبادل. ولكن حزب الله أخطأ لأنه لم يقدِم على خطوتين هامتين في الشهور الأخيرة: الأولى، أنه لم يقدّم اعتذاراً واضحاً وصريحاً عن خطاب السيد حسن نصر الله إبّان الحرب على غزة، الذى احتوى تحريضاً صريحاً للشعب والجيش فى مصر ضد النظام، وهو ما لم يقبله حتى أشد المتحمسين لحزب الله. والثانية، أنه لم يقدّم اعتذاراً صريحاً وترضية مناسبة، ولم يلجأ إلى القنوات الاستخبارية المعتادة عندما علم بالقبض على الخلية، (التي بلا شك علم وقت القبض عليها باختفاء أخبارها). بل يُقال إن وكيل الاستخبارات المصرية، عندما زار لبنان، لم يلقَ العناية الكافية من قيادة حزب الله، والتقاه قادة وسط، فيما التقى زعماء الطوائف والأحزاب الأخرى.

هل اختار حزب الله التصعيد مع مصر؟ وكيف فهم الحزب الرسالة المصرية؟ هل فهم أن المطلوب هو فقط احترام السيادة المصرية والتنسيق مع مصر إن قبلت مبدأ دعم المقاومة عبر أراضيها؟ أم فهم أن مصر تريد تشويه صورة المقاومة والقيام بدور يلحّ الأميركيون والأوروبيون والصهاينة عليها بالتصدّي له منذ تسبّبت المقاومة في قلب الطاولة على محاولات الإيهام الدولية بوجود مسيرة للسلام، وأنها قد تفضي إلى شيء ما؟

المطلوب من حزب الله أن يستفيد من هذه الأزمة، ليس لتصحيح العلاقة مع مصر، ولكن لما هو أبعد: للنظر في رؤيته المستقبلية ودوره فى لبنان وخارج لبنان، وخطته لتحرير القدس أو لدعم المقاومة الفلسطينية، وما يكتنف ذلك من محاذير ومخاطر فى ظل اعتبارات معقدة ليس أقلها الآتي:

ـ أنه حزب مغلق على مذهب واحد، بل لم يستوعب كامل الطائفة الشيعية في لبنان.

ـ أنه حزب في لبنان لا حركة عالمية.

ـ أنه انغمس فى الساحة السياسية اللبنانية بتعقيداتها، وعليه المواءمة بين مشاركته في البرلمان والحكومة اللبنانية، والتزامات الدولة، وبين تصديه لقضايا حرجة لها اشتباكاتها الدولية.

ـ أنه بات جزءاً من محور إقليمي لا يستطيع الفكاك منه، وهو محور إيران / سوريا / المقاومة اللبنانية، ضد محور آخر يضم مصر / السعودية / الأردن / الإمارات.

ـ أنه أعطى التزامات دولية لا يستطيع الفكاك منها في ما يخص الحدود اللبنانية، وعليه قيود سياسية وعسكرية.

ـ أن المقاومة الفلسطينية متمثّلة بكل أجنحتها، مستقلة في قراراتها، وبقدر حاجتها إلى دعم كل المخلصين وترحيبها به، فإنها لا تستطيع أن تحتمل أثقال سياسة المحاور، لأنها تحتاج إلى حشد كل الرأي العام العربي والإسلامي والدولي، ولا تستطيع الدخول في معارك إعلامية أو سياسية أو استخبارية مع النظم العربية، حتى لو تعرضت للظلم البيّن.

اليوم نسمع أن هناك محاولات لرأب الصدع وعلاج الموقف بين مصر وحزب الله. لكن الأمر أبعد من ذلك: إنها قضية استمرار المقاومة في فلسطين، ودعمها بكل الطرق، لتحقيق انتصار طال انتظاره في قضيتنا الأولى والمركزية، أي تحرير فلسطين واسترداد القدس وحماية المسجد الأقصى الشريف وعودة اللاجئين وإقامة دولة فلسطين الحرة المستقلة.

 

انشر عبر