شريط الأخبار

هنا في الغرفة البيضاوية، هذا سيحصل..هآرتس

12:09 - 15 حزيران / مايو 2009

 بقلم: الوف بن

 اخاطر برهان: لن تندلع أي أزمة في لقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس الامريكي براك اوباما يوم الاثنين القريب القادم في البيت الابيض. الابتسامات ستكون أصيلة، ونتنياهو سيروي للمراسلين عن الاجواء الطيبة. اوباما سيكون مضيفا وديا ولطيفا، ليس اقل من الرئيس المصري حسني مبارك الذي التقى نتنياهو هذا الاسبوع في شرم الشيخ.

 

لكن تعابير الود ستكون فقط غطاء دقيقا لخلافات الرأي الصعبة بين اوباما ونتنياهو في مسألة كيفية التقدم من الوضع الفوضوي والمتفجر اليوم، نحو شرق أوسط هادىء، مستقر واكثر أمنا. وهذا هو القسم الثاني من الرهان: اوباما سيعطي نتنياهو زمنا كي يلائم مواقفه مع الريح الجديدة التي تهب من امريكا، بعد بضعة اسابيع، ليس أكثر، سيدعوه الى اختبار متكرر كي يفحص اذا كان بيبي قد تغير حقا. عندها فقط، بعد ان يلتقي اوباما زعيمي مصر والسلطة الفلسطينية ويزور القاهرة، سيبدأ الحوار الحقيقي بين اسرائيل والادارة الجديدة والطموحة في واشنطن.

 كل المؤشرات والتلميحات التي تسربت عن الاستعدادات للزيارة تظهر أن نتنياهو يعتزم ان يعرض على اوباما مواقفه الحقيقية، والا يجملها في محاولة لان يعجب الرئيس. رئيس الوزراء سيشرح بان ايران هي المشكلة الاهم في المنطقة، وليس الفلسطينيين، وسيقول ان الدول العربية المعتدلة تشارك اسرائيل مخاوفها. وهو سيقترح عدم القفز لاقامة دولة فلسطينية قبل أن تبنى "من الاسفل" والتأكد من الا تعرض اسرائيل للخطر. نتنياهو سيقترح مسيرة "اقليمية" وسيلمح بانه اذا ما عدلت المبادرة العربية وازيل حق العودة منها، سيكون هناك ما يمكن الحديث فيه. وهو سيدعو الى مواصلة عزل سوريا كي تبتعد عن ايران، وسيتملص من طلب تجميد البناء في المستوطنات وسيعد باخلاء بؤر استيطانية وفقا للقانون ودون حماسة زائدة.

اوباما لن يشتري ذلك. ضيف من الشرق الاوسط التقاه هذا الشهر سأله ما رأيه في فكرة "الحكم الذاتي للفلسطينيين" التي طرحها نتنياهو. اوباما لم يتردد للحظة، واجاب محادثه: "هذا لا يكفي". ولاوباما ايضا سيكون ما يقوله لرئيس الوزراء: ان اسرائيل ملزمة بان تقبل حل الدولتين، المقبول من الاسرة الدولية وان التقدم الى نحو السلام مع الفلسطينيين سيساعد في بناء الجبهة الاقليمية حيال ايران، وان اسرائيل وعدت بتجميد الاستيطان واخلاء بؤر استيطانية والان بات عليها ان تنفذ وعدها.

 لا يوجد هنا مفاجآت: كبار مسؤولي الادارة عرضوا هذه المطالب علنا في الاسابيع الاخيرة. رئيس طاقم البيت الابيض، رام عمانويل كان موجزا ومختصرا في لقائه مع زعماء يهود امريكا: لحظة الحقيقة لاسرائيل تقترب، هذا الرئيس يعتزم صنع السلام ويجدر بكم ان تكونوا على قطاره.

 اذا ما أزلنا القشرة الدبلوماسية والتعابير الودية، نحصل على معادلة القوى. نتنياهو يريد أن يحصل على شيء ما مقابل تبني حل الدولتين، كي لا يظهر كخرقة مهترئة ومتراجع في نظر الجمهور في الداخل. اما اوباما فسيوضح له بان الولايات المتحدة لن تدفع مرتين مقابل ذات البضاعة العفنة التي تلقتها من ارئيل شارون. نتنياهو سيجرب من جديد التفاهم الذي حققه شارون مع الادارة السابقة بالنسبة للمستوطنات، وبموجبه يمكن لاسرائيل أن تبني في القدس وفي الكتل الاستيطانية، اذا ما كفت عن تطوير الاستيطان خلف جدار الفصل واخلت بؤر استيطانية، وامتنعت عن المشروع موضع الخلاف E1 الذي سيقطع التواصل الفلسطيني في الضفة الغربية.

 ليس مؤكدا ان يوافق اوباما على ذلك. كل بناء آخر في معاليه ادوميم او بيتار عيليت سيهز مصداقيته كزعيم تجرأ على الوقوف امام اسرائيل وثني اللوبي اليهودي.

 

 لنتنياهو يوجد فقط عصا واحدة يلوح بها امام اوباما، التهديد في أن تهاجم اسرائيل على نحو مفاجىء المنشآت النووية في ايران فتدهور المنطقة بأسرها نحو الحرب. اوباما أرسل مبعوثا رفيع المستوى الى القدس لتحذير اسرائيل من مفاجأته بالهجوم. نتنياهو ووزير الدفاع ايهود باراك ردا بالموافقة المشروطة وطلبا تحديد زمن الحوار الامريكي مع الايرانيين.

 

 يمكن ان نشخص هنا اسس صفقة: اسرائيل لن تعرقل اوباما في ايران، والولايات المتحدة تعطيها راحة حيال الفلسطينيين. هذا ما كان يريده نتنياهو. المشكلة الاساس هي ان الامريكيين يرون في ايران ملعبهم وليس ملعب اسرائيل، وتوقعهم من اسرائيل هو أن تسكت الجبهة الفلسطينية. الهدف المركزي في السياسة الخارجية لاوباما هو تحسين العلاقات مع العرب والمسلمين، ومن أجل هذا ينبغي الحفاظ على بعض المسافة عن اسرائيل والقيام بشيء ما من اجل الفلسطينيين المعانين.

 

في هذه المرحلة من الحبكة تدخل الى الصورة الكيمياء الشخصية. اليوت ابرامز، المسؤول عن "الملف الاسرائيلي" في ادارة بوش، كتب في نهاية الاسبوع الماضي في "وول ستريت جورنال" ان مستقبل العلاقات بين نتنياهو واوباما سيحسم في الثلاثين ثانية الاولى من لقائهما، حين سينظر الرئيس ورئيس الوزراء الواحد الى عيني الاخر. كل من خرج ذات مرة الى لقاء عاطفي دون معرفة مسبقة يعرف أن الانطباع الاول هو المقرر، ولكن في العلاقات بين الزعماء هذا لا يكفي. في اواخر ولايته كرئيس للوزراء، سئل ايهود باراك اذا كان "صديق بيل كلينتون". دعكم، اجاب، هذا ليس موضوعا شخصيا. يدور الحديث عن مصالح دول.

 

 كيمياء شخصية

 

  الثنائي الاكثر ودا في تاريخ العلاقات الاسرائيلية – الامريكية رابين – كلينتون، وشارون – بوش بدآ طريقهما المشتركة عرجا. فبعد أن انتخب رئيسا، جعل كلينتون رابين شريكا استراتيجيا ومرشدا سياسيا. اما شارون فملأ لقاءه الاول مع بوش في اذار 2001 بمحاضرة مضنية عن الارهاب والتهديدات، تجاهل البادرات الودية من الرئيس ورفع استئناف المسيرة السياسية. بعد عمليات 11 ايلول، كان شارون مقتنعا بان الولايات المتحدة ستبيع اسرائيل للسعودية. وفقط بعد أن اعلن بوش الحرب على الارهاب، استغل شارون الفرصة واصبح حليفه.

 

  نتنياهو يعول على سيناريو مشابه. فهو يأمل ان يصحو اوباما بسرعة من هذيان السلام العالمي الذي يؤمن به، بعد أن ينكشف على الواقع الوحشي في الشرق الاوسط. قراره بمواصلة العقوبات على سوريا، بعد يوم من ارسال المبعوثين الى دمشق، فسر في القدس كمؤشر ايجابي: اوباما يفهم ان السوريين يخدعونه ويواصلون سلوكهم الشرير حتى عندما تمد لهم اليد. عملية كبيرة، سقوط افغانستان في يد طالبان او خطوة ايرانية متهورة – والامريكيون سيفهمون بان ليس لديهم حليفا مستقرا ووديا اكثر من اسرائيل، وسيدعون الضغوط لتسليم الضفة الى الفلسطينيين.

 

  ايمان اوباما بقدرته على الاقناع وقدرته على خلق حوار يعتبر في اسرائيل كتعبير عن السذاجة. فها هو مالأ الاوروبيين، ولكنهم رفضوا تزويده حتى ولو بجندي واحد للحرب المتسعة في افغانستان او لتخفيف العبء في العراق.

 

  في الولايات السابقة لنتنياهو، اثارت زيارته الاولى الى واشنطن تساؤلا في الاعلام الاسرائيلي هل سيكون معتدلا كشمعون بيرس ام متصلبا كـ اسحق شمير. نتنياهو حاول المناورة بين الطريقين ولكن رويدا رويدا وبانعدام للحماسة الى أن سقط من الحكم. هكذا تصرف ايضا في مداولات الميزانية هذا الاسبوع: دخل اليهم مع مواقف ايديولوجية، ولان بعد ان اصطدم باضطرارات الواقع السياسي. من ناحية اوباما هذه الفجوة بين الخطابات والشعارات وبين القرارات والافعال، هي بالضبط ما يبحث عنه الرئيس لدى نتنياهو. 

 

 

  هكذا سيحصل الامر

 كل لقاء بين رئيس وزراء اسرائيلي ورئيس امريكي يبدأ بقافلة سيارات الليموزين التي تجلب الزعيم الضيف وحاشيته الى مدخل البيت الابيض. الرحلة قصيرة: يقطعون الطريق بين بلير هاوس – منزل المضافة الرئاسية – وبين البيت الابيض، يمرون عبر البوابة الحديدية ويقفون امام باب الجناح الغربي الذي توجد فيه مكاتب الرئيس ومساعديه.

 

 الحراس يخرجون اوائل من السيارة، وبعدهم يصل رئيس الوزراء. رئيس التشريفات في وزارة الخارجية الامريكية يستقبله ويطلب اليه التوقيع على سجل ضيوف البيت الابيض ويرافق الحاشية الاسرائيلية الى انتظار قصير في "غرفة روزفلت". رئيس التشريفات يطلب من الحاشية الاسرائيلية الانتظام حسب الاهمية، والدخول هكذا الى اللقاء مع الرئيس.

 

 في الساعة الموعودة تفتح الابواب الى الرواق ومن هناك الى الغرفة البيضاوية، غرفة العمل الرئاسية، حيث ينتظر واقفا الرئيس المضيف، والى جانبه كبار مساعديه، نائب الرئيس، وزيرة الخارجية ومستشار الامن القومي. جميعهم يصافحون بعضهم البعض حسب نظام الاهمية. والمصورون الرسميون للبيت الابيض ومكتب الصحافة الحكومي، الذين ينتظرون مع الرئيس وفريقه، جاهزون لتخليد لحظة اللقاء بين الزعيمين.

 

 الغرفة البيضاوية تنقسم الى قسمين. في احد طرفيها المطل على حديقة الورود والساحة الخضراء في البيت الابيض، توجد طاولة العمل غامقة اللون للرئيس. دوما مثيرا للاهتمام النظر الى ما يوجد هناك: مجلة، اوراق عمل او لا شيء. في الطرف الاخر من الغرفة توجد زاوية الجلوس حيث يستقبل الزعماء الضيوف. النظام ثابت. الرئيس ورئيس الوزراء يجلسان على الاريكتين المنفصلتين ومساعدوهم على الارائك الواسعة.

 

 الرئيس والضيف يجلسان على مدى اللقاء، حتى في المقاطع التي تعقد ثنائيا. عندما يريد الرئيس ان يغدق على ضيفه احتراما خاصا فانه يدعوه الى حديث خاص في جناح السكن في البيت الابيض، او في غرفة اخرى في البيت. براك حل ضيفا لدى كلينتون في غرفة الخرائط، وايهود اولمرت جلس مع جورج بوش على "شرفة ترومان". ولكن معظم اللقاءات تعقد في الغرفة البيضاوية.

 

  مقاييس اللقاء ثابتة. فهو يبدأ بالترحيب المتبادل وتبادل الشكر. حسب النظام، الرئيس يسيطر على جدول الاعمال ويوجه الحديث بين المواضيع في عرض مواقفه او توجيه سؤال الى رئيس الوزراء. الحديث يبدأ بالهذر الخفيف، ومن هناك ينتقل الى المسائل الكبيرة. المساعدون يشاركون في الحديث حسب طلب الزعماء. ومكانتهم تتقرر بناء على ذلك. الحديث مريح وهادىء، واذا ما احتاج الى تواصل في مستويات العمل، يكلف الرئيس المساعد ذا الصلة بالاتصال مع نظرائه الاسرائيليين. مشارك واحد من كل جانب يسجل مضمون اللقاء. التسجيل يتم في نقاط وليس اختزالا تاما للحديث؛ واذا ما ثار خلاف، كل طرف "يعود للسجلات".

 

  الامريكيون يكرهون المفاجآت، وعليه فدارج الاتفاق المسبق على المواضيع التي تطرح في اللقاء والمواقف التي ستطرح. الاعداد الاهم يتعلق بالبيانات المشتركة التي يتلوها الزعيمان في ختام اللقاء. هذا هو الايجاز الرسمي لحديثهما. يجتهدون كي يعدوا الصيغة مسبقا، ولكن احيانا يوجد خلافات حتى اللحظة الاخيرة حقا، والصيغة لا تكتمل الا في اللقاء. في المحادثات التمهيدية يقررون ما يطرح في المحفل الواسع وما ينقل الى الحديث الضيق، خشية كشف الخلافات.

 

  في بداية حديث العمل، يدخلون الصحافيين، أولا المصورين وبعد ذلك المراسلين. الرئيس يقرأ تصريحه، الذي يتضمن دوما تعهدا بأمن اسرائيل وسعيا للسلام. رئيس الوزراء يرد له باقوال الشكر على دعم الولايات المتحدة ويعرض موقفه بالنسبة للسلام والتهديدات على اسرائيل.

 

  بعد ذلك توجد اسئلة. وزن واهمية اللقاء يتضحان في مضمون الاسئلة: عندما يعيش الزعيمان في مشاكل اخرى، فانها تثقل على الموضوع السياسي. عندما يكون الزعيمان جديدين في منصبيهما، مثل الان، يمكن التقدير بان الاسئلة ستعنى بالفلسطينيين وبايران.

 

 اذا كانت تقررت وجبة غداء مشتركة، فانها ستجرى بعد لقاء العمل، في الطابق الثاني من البيت الابيض. الوجبات تكون تحررا، ومعظم المنشورات عن الضحك والاحاديث عن الرياضة وعن العائلة، تخرج من هذا المحفل – وان كانت مباحثات سياسية تدور حول الطاولة ايضا.

 

 في اللقاء الاول مع الرئيس، يطرح رئيس الوزراء بشكل عام الحفاظ على التفاهم بشأن الغموض النووي لاسرائيل. وفي كل لقاء يطرح الزعيم الاسرائيلي طلب العفو عن الجاسوس جونتان بولارد، مع العلم انه سيرفض. هاتان المسألتان بسبب حساسيتهما تبحثان دوما ثنائيا.

 

انشر عبر