شريط الأخبار

السفير اللبنانية: هكذا تحرّكت شبكات التجسس الإسرائيلية بالتوقيت والأهداف

09:26 - 15 تموز / مايو 2009

 

فلسطين اليوم-السفير اللبنانية

كتب المحرر السياسي  بالسفير:

لم يغادر ملف التعيينات الإدارية حلبة السجال السياسي، غداة جلسة مجلس الوزراء التي شهدت تصويتا هو الأول من نوعه، ربما كانت وظيفته الأساسية، التعبير عن رغبة رئيس الجمهورية عشية انتهاء السنة الأولى من انتخابه في القول انه يريد أن يحكم ولكن... من دون أن يغادر موقعه التوافقي، وهي معضلة يبدو أنه لن يكون من السهل حفظها بدليل ما أصابه، أمس، من انتقادات من المعارضة، وخاصة «حزب الله» الذي وصف ما جرى بأنه «خديعة».

وفي هذه الأثناء، ظلّ ملف الشبكات الاسرائيلية حاضرا في الإعلام وفي الأسئلة السياسية المترامية من حوله، في ضوء ما يتكشف، يوميا، من أسماء ووقائع ووثائق وتقنيات، وهو ملف يبدو أنه سيكون حاضرا حتى إشعار آخر في ظل المعطيات السياسية والأمنية المحيطة به.

 

ولعل موضوع الشبكات، قد فتح الشهية أمام أسئلة اليوم والأمس والغد، وخاصة الاستهداف الاسرائيلي، وهو استهداف قائم منذ لحظة نشوء الكيان الإسرائيلي، لا بل منذ زمن العصابات اليهودية، وكان لبنان، على مر «المقاومات» والعهود، مستهدفا، وبأشكال مختلفة، وخاصة أنه كان بحكم موقعه السياسي والجغرافي «محطة» للمخابرات الدولية على أنواعها، خاصة في زمن «الحرب الباردة».

 

غير أنه يمكن الحديث عن مرحلة جديدة، في التعامل مع موضوع الشبكات الاسرائيلية، ربطا بانجاز التحرير وإقفال «بوابة فاطمة»، فجر الخامس والعشرين من أيار الألفين، حيث طويت صفحة الميليشيا اللبنانية المتعاملة مع الاحتلال بدءا من منتصف السبعينيات، أي منذ زمن سعد حداد وسامي الشدياق وصولا إلى زمن أنطوان لحد منذ منتصف الثمانينيات وحتى الألفين.

لقد تصور الكثيرون أنه مع دخول المقاومة إلى الأراضي المحررة، ستعلق المشانق للعملاء وبينهم مرتكبون لم يلجأوا إلى إسرائيل مع مئات الفارين و عائلاتهم، لكن المقاومة تعاملت بقلب طيب ولم تصفِّ رمزا من الرموز الذين تلوثت أيديهم بالدماء، وقامت بتسليم المئات من العملاء اللحديين إلى السلطات العسكرية والأمنية اللبنانية، التي حوّلتهم إلى القضاء، ولاحقا صدرت أحكام قضائية بحقهم، أغلبيتها بين ستة أشهر وسنة، وقلة قليلة بين سنة وخمس سنوات واقتصرت الأحكام الطويلة على الفارين غيابيا.

 

وبين أسلوب تعامل المقاومة الحضاري مع العملاء، وتعامل القضاء اللبناني بنعومة معهم في مرحلة لاحقة، كان الأمن الوطني اللبناني يصاب بنكسة تلو النكسة، ذلك أن الاسرائيلي، ومنذ اللحظة الأولى لاندحاره عن لبنان، كان يفكر بالحرب الأمنية والاستخباراتية، وباحتمال الحرب العسكرية في أية لحظة، ولا سيما أن هناك ملفات عالقة وحربا أمنية مفتوحة بينه وبين «حزب الله».

لم تشهد المرحلة التي تلت التحرير وصولا إلى العام ألفين وخمسة أية «انجازات كبرى» على صعيد كشف الشبكات الاسرائيلية، وتبين مع الوقت أن الاسرائيلي، قرر عدم الاستعجال بكشف بعض «الشبكات» التي صح وصفها بأنها «نائمة»... وتدريجيا راح يعيد الصلة بعدد كبير من العملاء السابقين على أساس إغراءات مادية وتبعا للبيئات الطائفية والمذهبية التي يعيشون ويتحركون فيها بالداخل اللبناني.

 

وعندما وقعت «حرب تموز» في العام 2006، بدا واضحا منذ الساعات الأولى، للحرب، أن الإسرائيلي قد حدد لنفسه «بنك أهداف» افترض أنه بوصوله إليه، إنما يدمر معظم البنية العسكرية والأمنية للمقاومة في لبنان، وبالفعل، ظل على مدى خمسة ايام يختار «أهدافا» محددة في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، لكن سواء أصابها أو لم يصبها، وجد نفسه في اليوم السادس أمام واقع بنية سياسية وعسكرية وأمنية متماسكة وتعطي أمرا واحدا من أقصى الشمال إلى أول موقع متقدم في عيتا الشعب، وبالتالي، شعر الإسرائيلي بأنه انزلق إلى حيث لم يكن يريد أن يتورط في الرمال اللبنانية المتحركة، فها هو يستنفد «بنك الأهداف» ويعيد ضرب الهدف نفسه قبل أن يبدأ بالبحث عن كل هدف متحرك في مناطق العمليات العسكرية على امتداد الأراضي اللبنانية.

 

انتهت «حرب تموز» إلى إخفاق عسكري واستخباراتي، عبّر عنه تقرير «لجنة فينوغراد» وما تضمنه من توصيات حول وجوب إعطاء أولوية للعمل الأمني والاستخباراتي في لبنان.

تحرك الإسرائيلي منذ مطلع العام ألفين وسبعة على ثلاث جبهات، إيقاظ الشبكات النائمة وبعضها قديم وتاريخي مثل شبكة علي الجراح وشبكة أديب العلم، وقرر إعادة الصلة بعملاء قديمين وأوكل إلى «المحركين الأمنيين» مثل الجراح والعلم تجنيد شبكات جديدة، وكان المدخل عبر إعلانات عن شركات تطلب عشرات الموظفين... ونجحوا في تجنيد عدد كبير من الشبكات، خاصة في بعض «البيئات» التي يمكن أن يتحركوا فيها بسهولة.

 

أدار الإسرائيلي الشبكات عبر طرق عدة أبرزها ثلاثة، أولا، الإدارة عبر الحدود مع لبنان بواسطة خطوط خلوية لبنانية، ثانيا، عبر عدد من العواصم الأوروبية، تبعا لنوع العميل وهويته الطائفية والاجتماعية، ثالثا، من داخل فلسطين المحتلة حيث كان يجري تأمين انتقالهم بطرق مختلفة، خاصة لإقامة دورات تدريبية، حسب الاختصاصات والوظائف الأمنية.

وحدد الإسرائيليون لشبكاتهم وظائف ثلاثا، أولاها، الحصول على معلومات وإرسالها (إشارة على الخريطة مع إحداثيات، صور فوتوغرافية، صور فيديو، نقل مباشر، الخ...)، ثانيتها، «المحركات الأمنية» ووظيفتها التجنيد، وثالثتها، لوجستية وتنفيذية، غير أن هذا التقسيم لم يكن صارما بل متحرك وكانت هناك بعض الشبكات تسند إليها وظيفة أو اثنتان أو ثلاث مثل أديب العلم الذي وفر المعلومات وجند عملاء وتولى أدوارا لوجستية مثل نقل الضابط الإسرائيلي، الذي فجر لاســلكيا، سيارة الأخوين المجذوب في صيدا، ذهابا من جونية إلى الجنوب وإيابا من صيدا إلى جونية أيضا، علما أنه دخل إسرائيل تسع مرات آخرها بعد «حرب تموز» مباشرة!

 

بدا واضحا أن الإسرائيلي، يركز عمله في منطقة شمال نهر الليطاني، ولا يولي الأهمية نفسها لجنوب النهر وكأنه لزّم ذلك لـبعض «الدول» وفرقها، من أجل محاولة رصد حالة الجهوزية وعناصر القوة المتراكمة وبصورة قياسية لدى المقاومة بعد «حرب تموز».

لم يستثن الاسرائيلي أي هدف للمقاومة، من العنصر الحزبي العادي إلى الكادرات والقيادات المركزية، وخاصة السيد حسن نصرالله، حيث كان البعض يعملون على محاولة تحديد مكانه، كما شمل المنازل والمراكز التربوية والصحية واللوجستية الخ... ومن بين هؤلاء، تميز العنصر الأمني اللبناني هيثم السحمراني الذي أجرى، وبحكم وظيفته الأمنية الرسمية وبالتالي سهولة حركته، أكثر من مسح، وكان خلال «حرب تموز» يتنقل بين أحياء العاصمة والضاحية ويقدم إحداثيات حول أماكن محتملة للسيد حسن نصرالله وقادة آخرين أبرزهم المعاون السياسي للامين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل، كما قدم إحداثيات للسفارة الإيرانية في بئر حسن كاحتمال يختبىء فيه السيد نصرالله بالإضافة إلى «مجمع سيد الشهداء» و«مجمع العباس» و«مجمع الإمام الحسن» في الرويس الخ...

 

ولم يقتصر دور الشبكات الإسرائيلية، على الداخل اللبناني وبنية المقاومة في لبنان، بل تعداها إلى سوريا، حيث كانت بعض الشبكات ومنها العلم والجراح يتولون أيضا الرصد والمعلومات لتشكيل «بنك أهداف» ضمن الأراضي السورية، وربما سهّل ذلك أيضا، استهداف قيادات فلسطينية ولبنانية مقاومة على الأراضي السورية... وصح القول عنهما أنهما من نماذج الجاسوسية الاستراتيجية!

 

من الواضح أن الإسرائيلي استفاد من مناخ الانقسام الداخلي، بعد الرابع عشر من شباط ألفين وخمسة، حيث خرج الجيش السوري من لبنان، وصارت أولوية قوى سياسية وأجهزة رسمية وازنة، محصورة الى حد كبير في مواجهة ما كانت تسميه محاولات الاختراق السوري للأمن اللبناني، فضلا عن الاتهامات المفتوحة لسوريا بالوقوف وراء كل ما جرى من تفجيرات واغتيالات، من دون أن تكون هناك مجرد شبهة على الاسرائيلي أو غيره...

 

صحيح أن المقاومة كانت في «المرحلة السورية» تملك حرية حركة ولكنها بعد العام ألفين تحديدا، وجدت نفسها محرجة، حتى في محاولة محاصرة بعض المشتبه بهم في غير البيئة الشيعية، مخافة التحريض عليها، بينما كانت تتحرك في «بيئتها» بسهولة، وقد ساعد ذلك على تفاقم بعض الظواهر، فيما كان يجري اهمال بعض الأسماء، من قبل بعض الأجهزة، وخير دليل على ذلك، هيثم السحمراني الذي تم الابلاغ عنه قبل «حرب تموز» وجاء الجواب من الجهاز المعني أن ملفه «فاضي»، فكان أن ظل تحت الرصد حتى وضع الجيش يده عليه وعلى زوجته واعترف أنه تم تجنيده في نهاية العام 2004، من خلال شقيقته المقيمة في تركيا، وهي زوجة أحد مسؤولي الميلشيا اللحدية السابقين!

 

واللافت للانتباه، أن بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية باتت تمتلك تقنيات وقدرات وخبرات تكنولوجية تخولها مواجهة التكنولوجيا الإسرائيلية المتفوقة، وهو أمر لا بد من أخذه في الاعتبار، من جانب الجميع، وخاصة المقاومة، ذلك أن الحرب الاستخباراتية لم تعد مجرد مسألة تجنيد لعملاء بل هناك محاولة اسرائيلية لتجاوز الاستعلام البشري نحو حيازة تقنيات تخولها كشف لبنان من الألف الى الياء.

ومن المفيد التذكير هنا، بأن الحكومة الاسرائيلية هنأت قبل اسابيع معدودة أجهزة استخباراتها «على الانجاز التقني النوعي الأول من نوعه» الذي تمكنت من تحقيقه في مواجهة أعداء اسرائيل، وهو أمر يشّرع الباب أمام أسئلة الصيانة والحماية، خاصة أن ثمة من يقدر أن الاسرائيليين، تمكنوا من خرق الشبكة الهاتفية اللبنانية الثابتة، وهناك من يسأل ماذا عن الخطوط الهاتفية الالكترونية التي حصلت عليها «اليونيفيل» من «اوجيرو» من بيروت مباشرة، وتم وصلها بالسنترال المركزي في الناقورة، وهو نفسه، موصول بالشبكة الاسرائيلية الثابتة؟

 

وهل أن اسرائيل تملك تقنية تخولها الدخول على شبكة الهاتف الخلوي في لبنان، وهل أن أقمارها التجسسية تلتقط صورا حتى لأرقام السيارات والدراجات النارية؟

من المؤسف أن تعامل السلطة السياسية مع قضية الشبكات لم يكن بحجم خطورة هذا الانكشاف السياسي، وحبذا لو استضافت السرايا الكبيرة سفراء الدول الكبرى لعرض محصلة التحقيقات مع الشبكات الاسرائيلية أمامهم وكذلك الاعترافات، تمهيدا لتقديم شكوى الى مجلس الأمن، تماما كما حصل يوم تم الاستنجاد باللجنة الوزارية العربية والأمين العام للجامعة العربية غداة انفجار عين علق وتناقض روايات الجيش ورئاسة الحكومة ووزارة الداخلية حول توجيه الاتهام الى سوريا!

 

ومن أسف أكبر أن القضاء اللبناني، وخاصة القضاء العسكري، صار مطالبا، بوقف مهزلة الأحكام المخففة بحق العملاء، وكأنه يحول الخيانة الى «خلاف على وجهة نظر بين شخصين» بينما كان يفترض أن تعلق المشانق لبعض المرتكبين، تماما كما حصل مع أحمد الحلاق وكما ينبغي أن يحصل مع محمود رافع بدل السعي الى تخفيف الحكم عنه، وكذلك الأمر مع أديب العلم الذي «اغدق» خدماته على الاسرائيليين، قبل أن يرتكب خطأ مميتا له ولهم، ومع السحمراني الذي يتحمل مسؤولية أرواح كثيرة وغالية خلال «حرب تموز»...

 

آن الأوان، أن يتحول الأمن اللبناني بكل مكوناته، الى فريق عمل واحد، بدل أن يستمر منطق الارتجال و«الدكاكين الخاصة»، ولعله من الأجدر بالأمن العام اللبناني وكذلك بجهاز أمن الدولة أن يتحركوا في الاتجاه نفسه، مع مخابرات الجيش وقوى الأمن الداخلي، بدل الارتماء في حضن «الخدمات» أو «الشخصيات»، وصولا الى تقديم نموذج حقيقي للاستراتيجية الدفاعية بمعناها الأمني الوقائي تنخرط فيه المقاومة وكل أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية... ودائما تحت سقف السلطة السياسية الحاسمة والوفاق السياسي الذي لا غنى عنه والقضاء الذي يحمي البلد بأحكامه وقوانينه بدل التوغل في منطق الاستنساب والمسايرات على أنواعها...

 

ربما تدخل حسابات شخصية وسياسية في بعض الانجازات، لكن مهما كانت الخلفية، هي انجازات تحظى بتقدير كل اللبنانيين ومن دون استثناء، ذلك أن ما اصاب الجسم اللبناني من انقسامات وجروح، قد جعل البعض ينسى للحظة أن اسرائيل عدوه وأنها متربصة بجميع اللبنانيين من دون استثناء، من دون اغفال ذلك «التنوع» الذي يجمع العملاء ممن وحدتهم وظيفة خيانة بلدهم وهم من كل الطوائف والمذاهب والمناطق اللبنانية للأسف الشديد.

انشر عبر