محمد الشيخ خليل.. القائد المشتبك الذي كان يحلم بالوصول إلى جنين

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 11:10 ص
29 سبتمبر 2022
محمد الشيخ خليل.jpg

عرفات عبد الله أبو زايد

إنها احدى ليالي شهر شباط، كانت باردة جداً، ليلة في غاية الهدوء والسكون، لم يقطع هذا الهدوء إلا أصوات حبات المطر التي تتساقط بين الفترة والأخرى على أسقف بيوت المخيم من الأسبست والزينقو، ومع توقف الأمطار يعود الهدوء مجدداً، و تزداد البرودة أكثر، حتى بدأت الأخبار تتوالى عن عملية استشهادية في ملهي "سيتيج"، في مدينة "تل أبيب" المحتلة، المعلومات الواردة تقول بأن العملية أسفرت عن مقتل خمسة صهاينة وإصابة أكثر من خمسين آخرين بجروح مختلفة، حينها بدأت تتلاشى حالة البرودة والصقيع التي كنت أشعر بها، فالعملية الاستشهادية جاءت في ظل تهدئة توافقت عليها فصائل المقاومة، تهدئة لم يلتزم بها الاحتلال كعادته، حيث سُجّل عقب اتفاق التهدئة في حينه أكثر من 900 خرق؛ توزعت ما بين قتل، وقصف للأحياء السكنية، واقتحامات متكررة للمناطق والمدن والبلدات الفلسطينية.

لم يطول الوقت كثيراً حتى تم الكشف عن منفذ العملية وهو الاستشهادي عبدالله بدران من سرايا القدس، لم يكن هذا الحدث الوحيد الذي أزال حالة البرودة التي كنت أشعر بها، فليس عادياً أن تلتقي مع شخصية تملك كل مقومات القيادة، على مستوى الوعي والعقيدة والنضال والكاريزما، كان اللقاء على (سبيل الصدفة) مع الشهيد محمد الشيخ خليل الذي يمثل مدرسة حقيقية في الفكر المقاوم المثقف، كان مبتسماً على عادته مطلقاً عبارات المزاح والمحبة مع من يلتقي بهم، بدأ حديثه عن العملية البطولية في تل أبيب، وانتقل للحديث عن التهدئة التي لم يحترمها الاحتلال على الرغم من التزام الفصائل بها، مضيفاً بأن الاحتلال كما يبدو فهم اتفاق التهدئة بشكل خاطئ، مؤكداً بأن العملية على الرغم من أنها ستكون لها تداعيات على حركة الجهاد الإسلامي في الضفة والخارج وغزة إلا أن الحركة مطلوب منها دوماً أن تعيد البوصلة من جديد، وهذا هو قدر الحركة في هذه الأرض، ولم يكن حديث الشهيد محمد الشيخ خليل حديثاً شعبوياً أو مجرد فضفضة، كان دقيق جداً في المفاهيم والأفكار التي يطرحها والتي كانت طوال لقاء امتد لأكثر من 3 ساعات متواصلة لم ينتهي إلا مع أذان الفجر في تلك الليلة، لقاء لم يتخلله أي شعور بالملل أو الضجر، بسبب القدرة العالية لدى الشهيد في توصيف طبيعة الصراع مع الاحتلال.

على الرغم من حياة المطاردة التي كان يعيشها الشهيد محمد الشيخ خليل، ووضعه الأمني الحرج، والأعباء التي كان يحملها على كاهله كقائد عسكري، وبالإضافة لكونه مطلوباً وعلى رأس قائمة الاغتيالات للاحتلال، إلا أنه كان قارئ جيد ومثقف، وكان ذلك واضحاً خلال الحديث معه عن بعض الأحداث التاريخية التي كان مطلعاً على تفاصيلها بشكل مذهل، وقال لي يومها المقولة المشهورة للفيلسوف الأسباني جورج سانتيانا "الذين لا يقرأون التاريخ محكوم عليهم أن يكرروه"، مضيفاً بأن الاحتلال يراهن بأن العرب ليس لديهم ثقافة القراءة والفهم والتحليل ولا يقرأوا وإن قرأوا لا يفهموا، فالمطلوب أن نقرأ التاريخ حتى نفهم الحاضر ونعرف كيف نخطط للمستقبل، بحيث لا يتم تكرار الأخطاء مرة أخرى بل الاستفادة من التجارب السابقة، وعاد للربط بين هذه القاعدة ومقولة الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي المثقف أول من يقاوم وأخر من ينكسر، وقال بأن الشقاقي أسس حركة طليعية في كل شيء أهم ركن بها الوعي.

كان الشهيد محمد الشيخ خليل في تلك الليلة متأثر جداً في الحديث عن الشهادة، ومتأثراً أكثر بأشقائه الشهداء أشرف وشرف ومحمود، فأشرف استشهد في اشتباكٍ مسلح مع قوات الاحتلال في العام 1991 في عملية «بليدة» بالاشتراك مع المقاومة الإسلامية في لبنان، أما شقيقه شرف فاستشهد خلال اشتباكٍ مسلح في وسط البحر بالقرب من مخيم «نهر البارد» شمال لبنان، حيث كانت عمليته ضمن التصدي لقوات الإنزال البحري الصهيوني على لبنان في العام 1992، أما محمود فاستشهد في عملية اغتيال صهيونية بقصف منزله بصواريخ الطائرات في العام 2004، حيث كان الاغتيال يستهدف محمد نفسه ونجى منه، وخلال حديثه عن الشهداء كان يقول بأن شعبنا لا يمكن له أن ينتصر بهذه المواجهة إلا عبر تقديم الغالي والنفيس، ولو لم نقم نحن بتقديم أنفسنا وارواحنا في هذا الطريق فهل سننتظر من يقدمه عنا؟ ويكأنه يوجه لنا سؤال استنكاري وكرره أكثر من مرة في أكثر من مناسبة، كانت أسئلته جميعها تصب في اتجاه واحد وهو أننا أولياء هذه الأرض ونحن المطلوب منا أن نقدم كل ما نملك لأجلها.

في ذلك التوقيت من العام 2005 كان الحديث بدأ عن ارهاصات الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة، ولم تكن واضحة معالم هذا الانسحاب "أحادي الجانب" الذي كان يخطط له رئيس حكومة الاحتلال آنذاك شارون، سألته: أخي أبو خليل ، في حال الانسحاب من غزة شو رح تعملوا، هيك بيصير تكملوا حياتكم وبتعيشوا طبيعي بدون اجتياحات ولا استهداف وملاحقة، كان رده قوي، ونشهد الله أنه قال لي حرفياً: من يوم ما حضرت مسلسل التغريبة الفلسطينية وأنا مفزوع وخايف أموت مثل أبوصالح، لهيك أنا بوعدكم بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، سأبدأ اشتغل على أنه نبدأ العمل لتحرير الضفة ولو تمكنت سأذهب بنفسي للضفة وأقاتل من هناك، وفي حال انسحاب الإسرائيلي من الضفة ومن كل فلسطين ورجعوا قادة الاحتلال على روسيا وبولندا وأمريكا، سأذهب خلفهم وأقاتلهم، هذا الاحتلال في رقبته جرائم ودماء لا تسقط بالتقادم، حتى هروبه من أرضنا لن يغفر له الجرائم التي ارتكبها بحقنا وحق شعبنا طوال العقود السابقة" انتهى حديثه.

جنين التي تنزف دماً اليوم.. كان محمد الشيخ خليل يحلم بالوصول إليها قبل 17 عام حتى يقاتل الاحتلال في مخيمها وشوارعها، محمد الشيخ خليل الذي لم يكن يمتلك إلا قدم واحدة بعد فقده الأخرى في مهمة جهادية، كان يحلم أن تطأ قدمه المتبقية من جسده كل بقعة وطأتها قدم محمود طوالبة والشيخ رياض بدير وأبو جندل ومحمود الحلوة ليؤكد وحدة الأرض والدم .. مع مشهد اليوم واستشهاد ثُلة من أبطال مخيم جنين، وهم الشهيد عبد الرحمن فتحي خازم مؤسسة المجموعة الخاصة في لسرايا القدس، ونائبه الشهيد محمد بدر محمود براهمة، والشهيد محمد أبو ناعسه، والشهيد أحمد علاونة، وعلى الرغم من الألم الذي يعتصر قلوبنا على رحيلهم، ولكني عدت إلى ذات السؤال الذي سأله الشهيد محمد الشيخ خليل في تلك الليلة: لو لم نقم نحن بتقديم أنفسنا وارواحنا في هذا الطريق سننتظر من يقدمه عنا؟ .. هذه الضريبة وهذا الثمن مُقدر لنا أن ندفعه ونحن نحيي ونشعل الضفة بروح المقاومة من جديد .. لن نستطيع إحياء فكرة المقاومة والمشاغلة مع الاحتلال إلا عبر دمنا النازف في كل ساح، وعند الحديث عن هذه المرحلة من تاريخ مقاومتنا وشعبنا لم أجد أبلغ مما قاله الشقاقي في ذكرى مجزرة الحرم الابراهيمي حينما قال: نحن الحياة.. ودليلنا دمنا المسفوح اليوم على أعتاب خليل الرحمن، دمنا الذي يستدير نجما من نار ونور.. نار ستكوي وتحرق جباه الطغاة والمفسدين والمستسلمين، ونور يبدد هذا الليل الداجي.