شريط الأخبار

"أمي.. متى سنرى الأقصى الحقيقي"؟

10:50 - 10 تشرين أول / مايو 2009


"أمي.. متى سنرى الأقصى الحقيقي"؟

 

شيماء مصطفى

بأعلى صوته هتف أحمد (4 أعوام): "مامااا.. مامااا.. تعالي انظري"، وبعد أن ارتفعت نبراته وأسمعت الجيران, جاءت أمه على عجل وعلامات الاستفهام ترتسم على وجهها: "ماذا هناك؟"، فأشار بأصبعه من النافذة: "انظري.. إنه المسجد الأقصى"، فابتسمت بألم وقالت: "لا لا.. إنه ليس الأقصى بل مسجد ذو قبة ذهبية يشبهه"، فطأطأ رأسه وخرجت دمعات قهرٍ من عينيه، وتساءل بحزن: "ومتى سنرى الأقصى الحقيقي؟".

وفي حديث مع "إسلام أون لاين" تقول سمر البنا (والدة الطفل) بأسى: "صغيري أحمد يعشق المسجد الأقصى رغم صغر سنه، ويعي كل ما يجري من حوله.. فإذا سمع خبرا عن الأقصى ينصت بكل حواسه، وتبدأ الأسئلة تنهار عليّ.. وباتت أقصى أحلامه أن تطأ قدماه القدس، وتعانق عيناه الأقصى".

 

"القدس، المسجد الأقصى، قبة الصخرة".. لوحاتٌ نُقشت في ذاكرة أطفال غزة, حفظوها كأسمائهم.. يرددونها في أناشيدهم وألحانهم, ولا تغيب عن أنشطتهم المدرسية ورسوماتهم.. وهي حلم يراودهم ويداعب مخيلاتهم الصغيرة.

 

وكبر اشتياقنا

 

"قبةٌ ذهبيةُ اللون يلتف حولها سلسلة حديدية موصدة بالألغام.. ومن الأسفل أنفاق يحفرها مجموعة من المستوطنين يعتمرون قبعات مزينة بنجمة داود.. وعلى خلفية المشهد عيون تذرف دموعا حمراء" تلك لوحة للمسجد الأقصى رسمتها أنامل "بشار" الذي لم يتجاوز الأعوام العشرة, اختزل في لوحته كل ما تعانيه القدس من ضياع وتهويد, وما يتعرض له من هدم وطمس للهوية.

 

وبحروف مبعثرة قال بشار لـ"إسلام أون لاين": "اليهود يخططون لهدم المسجد الأقصى والاستيلاء عليه.. وكل العالم غير مهتم بما يحدث له.. أنا أحب القدس وأتمنى أن أزورها وأصلي فيها".

 

أسيل (15) زينت غرفتها بصور ولوحات للمسجد الأقصى, وعلى الأرفف اصطفت المجسمات والكتب التي تحمل في طياتها المخاطر التي تفتك بالقدس.

 

وبلغة تفوق سنوات عمرها قالت: "جيلنا هذا لم يصافح القدس، ولم تلفح جبهته ترابه.. ولم يأخذ ثواب 500 صلاة.. ولم تتذلل قامته خشوعا وخضوعا أمام محرابه.. ومع ذلك كبرنا وكبر اشتياقنا له، وتحن قلوبنا للحظة اللقاء".

 

وبعيون تنطق شوقا أردفت قائلة: "القدس منقوشة على جدران ذاكرتنا في غرف لن يطأها النسيان.. محفورة في عقولنا ومخيلتنا ولن تغيبها شمس.. وحكاية تحرير القدس سنخط أول حروفها بأيدينا".

 

أبشر ولا تهتم

 

"يا أقصى ما أنت وحيد.. أنت سراج دروبنا.. وسراجك زيت ودم.. أبشر ولا تهتم.. يُما عز الإسلام عمره ما بيغيب.. بنرفض احنا الاستسلام وفجرك يا أقصى نوره قريب"..

 

بدندنة هذه الأنشودة يبدأ محمد راضي (9 أعوام) صباحه اليومي، وما إن ينتهي حتى يعكف على واحدة أخرى, وفي هذا قال لـ" إسلام أون لاين": "أحفظ كل الأناشيد المتعلقة بالقدس والمسجد الأقصى.. أنا أحبه لأنه مهبط الأنبياء ومسرى الرسول.. وإسرائيل تريد أن تأخذه لها وتُنسينا إياه للأبد".

 

وتتعرض مدينـة القدس لحملة شرسة غير مسبـوقة للتهويد منذ احتلالها عام 1967, وأطلقت العديد من المؤسسات والمراكز الحقوقية صيحات تحذيرية لما تتعرض له القدس من انتهاكات، كان أحدثها ما أصدره مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ أظهر في تقرير لـه ازدياد عمليات التهويد بشكل كبير خلال الربع الأول من العام الجاري.

 

وبحسب معطيات دائرة البحث والتوثيق في المركز، فقد هدم الاحتلال منذ مطلع العام الجاري قرابة 30 منزلا، وتركزت عمليات الهدم داخل أسوار البلدة القديمة والأحياء المتاخمة لها.

 

وقال مدير دائرة الخرائط والمساحة في "بيت الشرق" بالقدس المحتلة خليل التفكجي: إن سلطات الاحتلال تريد حسم الصراع على القدس بقوة المال وإجراءات التهويد والسيطرة، تزامنا مع استغلال ضعف القوى الفلسطينية، والانقسام الداخلي، وحالة الوهن العربي".

 

"كـ" الهواء نتنفسه

 

ووسط أحفادها فتحت الجدة رضوة -التي يتجاوز عمرها الخمسين عاما- صندوقها الصغير المملوء بالرمل والحصى.. تقص عليهم حكاية القدس وتاريخ ضياع الوطن.. وتخبرهم عن تدنيس وتهويد مسرى الرسول.. وأن حجرا من الأقصى لا تعوضه أثمان ورقاب.

 

حفيـدها راجي (16 عاما) قال بثقة وتحد: "جيلنا هذا سيبدأ بتحرير القدس.. وحتما لن نفرط أو نتنازل عن ذرة تراب واحدة من أقصانا.. صحيح أننا لم نزره يوما، ولكن عشقه يسري في عروقنا، ويتسرب إلى أجسادنا مع أول ذرة هـواء تنفسناها".

 

مريم سلامة (أم لخمسة أطفال) كل مساء تجمعهم وتبدأ في سرد حكايتها مع القدس.. فتصف المسجد الأقصى ومحرابه، وتجول معهم في شوارعه وأسواقه القديمة.. وترسم قبة الصخرة في عيونهم فتتلألأ.. ويسرح خيالهم هناك، ويعيشون حلم الزيارة وحلاوة اللقاء.

 

وبعيون تختزل حنين وشوق أيام طال انتظارها قالت مريم لـ" إسلام أون لاين": "لم أزر القدس سوى مرة واحدة قبل 20 عاما.. وما زال المشهد في ذاكراتي كأنه اليوم.. لم أنسَ أركان المسجد ولا كنيسة القيامة.. ما زلت أشتم رائحة الجدران والمسك الذي يفوح في كل مكان".

 

وتضيف قائلة: "كل مساء أجمعهم لأرسخ في عقولهم حب المسجد الأقصى، وشغف الدفاع عنه، وتتوق المشاركة في تحريره.. وهم الآن يتحرقون شوقا لزيارته واستنشاق عبق ترابه.. فأقل شيء أقدمه للأقصى أن أزرعه في ذاكرة صغاري، وأحميه في قلوبهم وعقولهم".

 

انشر عبر