شريط الأخبار

المخابرات الإسرائيلية.. اعرف عدوك (2-4) *

08:52 - 08 حزيران / مايو 2009

المخابرات الإسرائيلية.. اعرف عدوك (2-4) *

إعداد - أحمد البهنسي

يؤرخ هذا الجزء من الدراسة لأنشطة وتجارب المخابرات الإسرائيلية التي ارتبطت بشكل عام بالحروب والمواجهات العسكرية التي خاضتها إسرائيل، بالإضافة إلى الأعمال العدائية التي شُنت ضد اليهود في الخارج، أو ضد المواطنين الإسرائيليين في داخل إسرائيل.

وتستعرض تطور أنشطة ومهام المخابرات تاريخياً، والهيئات والوحدات التي استحدثت لتتلاءم مع الظرف التاريخي والاحتياجات الأمنية والإستراتيجية التي تطرأ وفق المتغيرات والتحديات الأمنية التي تواجه إسرائيل في كل فترة، واستخلاص الدروس المستفادة من هذه "التجربة العملية".

 

أولاً: مرحلة التأسيس

الأيام الأولى قبل قيام الدولة

حتى نشوب حرب عام 1948 كان هناك ما يعرف باسم "مخابرات المستوطنات"، وكانت تتكون من منظمتين أساسيتين، الأولى تعرف بـ"القسم السياسي للوكالة اليهودية"، والذي تأثر في أعماله وأنشطته ومبناه الإداري بالمخابرات البريطانية. ومع إقامة الدولة تم دمج هذا القسم في وزارة الخارجية، على غرار ما حدث في المخابرات البريطانية.

 

وتمحورت أنشطة هذا القسم حول: العلاقات بين الفلسطينيين والدول المجاورة، والعلاقات بين الدول العربية والدول العظمى، والعلاقات العربية– العربية، والتطورات الداخلية في الدول العربية التي كان لها تأثير على دولة إسرائيل (فلسطين). كما عمل هذا القسم على تجميع معلومات عامة، أمنية وسياسية، واهتم بنسج علاقات مع عناصر استخباراتية غربية، وشن عمليات تخريبية تهدف لعرقلة الأعمال العدائية، وراقب هذا القسم العمليات الاستخباراتية الأجنبية في فلسطين.

أما المنظمة الثانية، فكانت "هيئة المعلومات لمنظمة الهاجاناه العسكرية" التي كانت النواة الأولى والأساسية للجيش الإسرائيلي، وتركزت أنشطتها حول الجبهة الداخلية، وعرب إسرائيل، والبريطانيين والبلدان العربية. وقامت الهيئة بتجنيد شبكات من المتطوعين والمتعاونين. ومع إنشاء الجيش الإسرائيلي تفككت هذه الهيئة واستخدمت وحداتها المختلفة لتشكيل هيئة استخباراتية عسكرية داخل الجيش.

وخلال أواسط عام 1948، وفي ذروة اشتعال حرب النكبة، شكلت المخابرات الهيئات التالية:

أ‌- هيئة المخابرات في الجيش، والتي تحولت في يونيو 1949 إلى قسم استخباراتي في شعبة العمليات التنفيذية بالجيش. وفي نوفمبر 1949 تم تشكيل سلاح المخابرات كإطار مهني خاص لعموم رجال المخابرات بالجيش.

ب‌- قسم سياسي في وزارة الخارجية خاص بالأنشطة الاستخباراتية في الخارج.

ت‌- هيئة المعلومات الداخلية، وتختص بالأمن الداخلي، وخاصة إحباط المؤامرات السياسية والعمليات الإرهابية، وتحولت الهيئة فيما بعد إلى جهاز الشاباك الذي أنشئ في فبراير 1949.

وفي أبريل 1949 تشكلت "لجنة التنسيق بين الهيئات العليا" برئاسة "رأوبين شيلواح"، أمين سر رئيس الوزراء "بن جوريون". وتكون أعضاء هذه اللجنة من رؤساء الأقسام السياسية، والشاباك، والمخابرات العسكرية، وشرطة إسرائيل. أما "المؤسسة المركزية لتركيز وتنسيق الخدمات المخابراتية والأمنية"، فقد تشكلت في 13 ديسمبر عام 1949، وترأسها "شيلواح" أيضا، وكان الهدف منها تطوير وتنسيق أنشطة المخابرات، وربما اختار "بن جوريون" رئيس واحد للمنظمتين لتفهمه لأهمية التنسيق بين أجهزة المخابرات والسيطرة المركزية عليها، إضافة إلى الدروس التي استفاد منها "بن جوريون" من الصراعات التي نشبت بين وزارة الخارجية والمخابرات العسكرية، لاسيما فيما يتعلق بتجميع المعلومات من الخارج.

 

وفي صيف عام 1949 تم إخراج الشاباك من التبعية لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي، وأصبح تابعاً لوزارة الدفاع، وكانت الأسباب وراء ذلك "بيروقراطية" في جانب منها، إذ أن الشاباك زعم أن الجيش لا يعطيه حقه فيما يتعلق بتخصيص الموارد.

 

سنوات الخمسينات

 

في مارس 1954 تحولت "المؤسسة المركزية لتركيز وتنسيق الخدمات الاستخباراتية والأمنية" إلى هيئة مستقلة بذاتها، ولم تعد تابعة لوزارة الخارجية، وأصبحت تابعة لرئيس الوزراء بصورة مباشرة. وفي المقابل حدث تغير جوهري في مهامها، حيث أنشئت هيئة مركزية مستقلة داخل هذه المؤسسة، منوطة بكل العمليات الاستخباراتية خارج البلاد، والتي مثلت فيما بعد الجزء الأساسي من جهاز "الموساد". واشتملت الهيئة على ممثلين من جهازي الاستخبارات الآخرين، سواءً على مستوى القيادات العليا أو القيادات الميدانية. وبرزت في تلك الآونة شخصية "رأوبين شيلواح" الذي نجح في تطوير مجموعة من العلاقات الخارجية السرية، كما نجح في نسج علاقات خاصة مع أجهزة مخابرات غربية ومن بينها المخابرات المركزية الأمريكية.

وفي عام 1952 تم تعيين "إيسار هرئيل" رئيساً للموساد (كان يحمل اسم "المؤسسة المركزية للمخابرات" آنذاك). وكان "هرئيل" كذلك مسئولاً أمام "بن جوريون" عن رئيس الشاباك، أي أنه كان المسئول المباشر عن جهازي المخابرات (الموساد والشاباك) في الفترة من 1952 حتى 1963.

تحول قسم المخابرات، في 28 ديسمبر 1953، إلى شعبة في هيئة أركان الجيش، والتي تحولت إلى جهاز أمان (المخابرات العسكرية الإسرائيلية)، وتمثلت أهم الاعتبارات الأساسية وراء هذه الخطوة في طبيعة عمل هذه الهيئة المتعلقة بالمجال السياسي؛ ما يحتم ربطها مباشرة برئيس الأركان ووزير الدفاع، ومن ثم تأسس "أمان" كأكبر هيئة استخباراتية مركزية في إسرائيل في مجال جمع المعلومات والبحث الاستخباراتي، كما تعززت مكانته نتيجة للتطورات التي شهدها كهيئة كبيرة في مجال جمع المعلومات الاستخباراتية "التكنولوجية". وظهرت في تلك الآونة أيضا أنشطة "أمان" في مجال العمليات القتالية السرية، التي كان لها أيضا أهدافا سياسية، وتركزت على التسلل سراً إلى مناطق العدو بواسطة مجموعة من المقاتلين أو العملاء اليهود بغرض جمع معلومات استخباراتية أو القتال سراً.

ومع ذلك، فقد شهد العام 1954 سلسلة من الإخفاقات الخطيرة في أنشطة "أمان"، ويمكن رصد بعض هذه الإخفاقات في:

أ‌- عملية "الصفقة الفاسدة" التي تم خلالها القبض على مجموعة يهودية لـ"أمان" نشطت داخل مصر بهدف تنفيذ عمليات تخريبية، وذك للإيحاء بوجود حالة "من عدم الاستقرار" في مصر، بشكل يدفع البريطانيين الذين كانوا على وشك الخروج من مصر إلى البقاء فيها، وبهذا يتم تأمين حرية العمل البحري الإسرائيلي في قناة السويس. غير أن فشل العملية أدى إلى موجة عاصفة من الغضب في الأوساط السياسية الإسرائيلية لسنوات عديدة، وكان لها الكثير من الآثار السلبية للغاية على العلاقة بين "أمان" وصناع القرار في إسرائيل.

ب‌- اعتقال رجل "أمان" العقيد "ميكس بينت" في مصر، وذلك في أعقاب الاتصالات التي أجراها مع خلية "الصفقة الفاسدة"، على الرغم من أن مهامه لم تكن مرتبطة بها. وكان "بينت" يعمل في مجال جمع المعلومات الاستخباراتية في مصر تحت غطاء رجل أعمال ألماني، ونجح في إحداث اختراق داخل الطبقة العليا في مصر، وقام بتوفير مجموعة من المعلومات المهمة للمخابرات الإسرائيلية. وبرغم قرب أنشطته من أنشطة "إيلي كوهين" في سوريا، إلا أن اسمه لم يكن شائعا بين الجمهور في إسرائيل.

ت‌- القبض على خلية مقاتلي الجيش الإسرائيلي (من بينهم "أوري إيلان" مقاتل وحدة "جولاني") في سوريا، وهي خلية عملت في مجال جمع المعلومات الاستخباراتية لصالح " أمان"، علاوة على تقوية منشآت "التنصت" في هضبة الجولان.

وفي ضوء هذه الإخفاقات، قام "بن جوريون"  في عام 1957، بتكليف "شاؤول أفيجور" بإعادة فحص أنشطة أجهزة المخابرات، بهدف وقف سلسلة الإخفاقات وتفعيل عمل هذه الأجهزة.

وقدم "أفيجور" تقريراً إلى "بن جوريون" شرح فيه الوضع العام للمخابرات، كالتالي:

1. يعد إشراف رئيس الوزراء على جميع أجهزة المخابرات وضعاً غير سليم أو مفيد بسبب مهامه الكثيرة الأخرى وضغوط العمل الملقاة على عاتقه، وبالتالي لا يكفي رئيس الوزراء وحده للقيام بدور المنسق بين أجهزة المخابرات، خاصة وأن العلاقات بين جهازي أمان والموساد غير واضحة، وغير حميمة أيضا، وعدم تحسنها سيسبب مشاكل بالدولة.

2. عدم استخدام الميزات النسبية، فأكثر من مرة تقع حوادث عبثية من قبيل بذل الكثير من الجهود واستخدام أموال كثيرة من أجل شراء معدات أو مواد تباع علنا في محلات الكتب.

3. وجود عدد من الضباط والقيادات غير المؤهلة، التي لا تقوم بالحفاظ على أسرار العمل الاستخباراتي.

4. سعي كل جهاز للخروج عن مجال عمله ومهامه التي حددت له، واقتحام مجالات عمل أخرى.

5. أهمية لجنة رؤساء الأجهزة والاجتماعات الأخرى التي تعقد، بهدف تبادل الآراء، على الرغم من أنها لا تقدم حلا للمشاكل الرئيسية.

6. لا تقوم المؤسسة المركزية للمخابرات بدورها المنوط بها، سواء لانعدام الصلاحيات أو لأسباب أخرى.

7. مشاكل نابعة من التقصير في العلاقات بين أمان والشاباك، مثل العقبات التنفيذية النابعة من غياب التنسيق، وغياب التعاون الكامل في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية، فضلا عن غياب التنسيق المطلوب مع أجهزة مخابرات غربية.

8. عدم الوضوح فيما يتعلق بالجهة التابع لها جهاز الشاباك.

 

وبناء على ما سبق، أوصى "أفيجور" بتشكيل "مؤسسة مركزية" جديدة، تكون مهمتها إدارة أجهزة المخابرات بشكل مركز، إضافة إلى:

ـ تحديد الوجهة العامة لعمل جميع الأجهزة.

ـ تحديد مجالات عمل ومهام كل جهاز على حدة.

ـ منع حالات التضارب بين الأجهزة وسد الفجوات فيما بينها.

ـ تحديد أجندة الأولويات فيما يتعلق بالمهام الاستخباراتية.

ـ اقتراح أنشطة جديدة لأجهزة المخابرات.

ـ الإشراف على التوازن بين ميزانيات الأجهزة المختلفة وفق حجم المهام.

ـ التنسيق بين أجهزة المخابرات.

ـ الإشراف على أجهزة المخابرات بهدف منع الإخفاقات.

ـ الإشراف على إخراج المعلومات الاستخباراتية للمحتاجين إليها، وترشيد هذا الأمر.

ـ أن يكون رئيس المؤسسة المركزية تابعا مباشرة لرئيس الوزراء، بموافقة كل من وزير الدفاع ووزير الخارجية.

ـ إحداث حالة من "الشفافية" في العلاقات بين رؤساء الأجهزة.

ـ إبراز تبعية الشاباك لرئيس الوزراء، ومنح الشاباك نوع من أنواع الاستقلالية القانونية، من أجل منع التعقيدات الشكلية والقانونية في عمله، ومن أجل التسهيل عليه للقيام بمهامه.

ـ الحفاظ على أساس من العلاقات الخارجية مع الأجهزة المخابراتية الغربية تقوم بها جهة واحدة وهي "الموساد"، وبالتعاون مع كل من الشاباك ووزارة الخارجية لكن بشكل محدود، مع احتفاظ رئيس الوزراء بحقه لتحديد التوجهات العامة فيما يتعلق بهذا المجال.

وبشكل عام، كانت سنوات الخمسينات من القرن الماضي بمثابة سنوات "تأسيسية" لأجهزة المخابرات الإسرائيلية، حيث تم إرساء مجموعة من المبادئ والإجراءات لا تزال تؤثر عليها حتى الآن، ويتمثل أهمها فيما يلي:

أ‌- انتقال تبعية أجهزة المخابرات "المدنية" لمكتب رئيس الوزراء: فأجهزة المخابرات الإسرائيلية التي تشكلت منذ بدايتها وفق نموذج المخابرات البريطانية، القائم على أن كل أجهزة المخابرات تكون تابعة لوزارات مختلفة في الحكومة قد تغير وضعها، ليخرج الموساد من تبعيته لوزارة الخارجية، ويخرج الشاباك من تبعيته لوزارة الدفاع، ويتحولا إلى هيئتين مستقلتين تابعتين لرئيس الوزراء.

ب‌- تقسيم مسئوليات الأجهزة الاستخباراتية على أساس "جغرافي": فكل العمليات خارج إسرائيل تم إسنادها إلى الموساد، أما العمليات داخل إسرائيل فتم إسنادها إلى الشاباك، واضطلع "أمان" بالعمليات في الدول ذات الحدود مع إسرائيل، وقد ساهم هذا التقسيم في تنظيم عمليات أجهزة المخابرات في السنوات التالية، وأصبح اليوم أيضا أحد الأسس الرئيسية المنظمة لعمل المخابرات الإسرائيلية.

 

ثانياً: مرحلة تحقيق الذات

سنوات الستينات

شهدت هذه الفترة العديد من القضايا التي واجهت أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وتمثل أهمها في الآتي:

 

* "قضية روتام": حيث فوجئ "أمان" في فبراير 1960 من خلال صور جوية قام بالتقاطها، بتدفق قوات مصرية كثيفة إلى سيناء، مع مئات الدبابات التي عبرت سراً قناة السويس ونُشرت في أماكن مختلفة على الضفة الشرقية للقناة، كل ذلك بدون وجود معلومات مسبقة لدى "أمان" بذلك. وعلى الفور قرر المجلس الأمني الإسرائيلي المصغر إعلان حالة الطوارئ، والتي اشتملت على تجنيد قوات الاحتياط.

 

وكان الدرس المستفاد من هذه المهمة، هو الأهمية العظمى لوجود معلومات استخباراتية مبكرة عن تحركات العدو للحرب، وإدراك أنه من غير الممكن الاعتماد فقط على "الصور الجوية" كمصدر فعال للمعلومات التحذيرية، وبسب ذلك قامت المخابرات الإسرائيلية بتعزيز منظومة التنصت.

 

* "اعتقال أيخمان": نجح الموساد في مايو من العام 1960 في اعتقال المسئول النازي "أيخمان" في الأرجنتين، وتم نقله لإسرائيل ومحاكمته ثم إعدامه. وقد جسدت هذه العملية، التي أشرف عليها رئيس الموساد "إيسار هرئيل" بنفسه أهمية المخابرات كذراع طولى لإسرائيل في الخارج.

 

* "قضية العلماء الألمان" في عام 1962": في هذا العام احتدمت الخلافات داخل أجهزة المخابرات الإسرائيلية بسبب الخلاف بين رئيس الموساد "إيسار هرئيس" و"مائير عميت" رئيس "أمان" حول معلومات حصل عليها الموساد باشتراك علماء ألمان في تطوير سلاح دمار شامل في مصر، في حين رفض "أمان" صحة هذه المعلومات. وقد أيد "بن جوريون" رؤية "أمان"، وأصدر تعليماته لـ"هرئيل إيسار" بالتراجع عن شن عمليات ضد العلماء الألمان العاملين في مصر، وقد تأكدت صحة رؤية أمان بعدما تم التأكد من عدم وجود مثل هذا السلاح في مصر.

 

* فترة "التعاون المثمر" بين أمان والموساد: في أعقاب استقالة "هرئيل" تم تعيين "مائير عاميت" رئيسا للموساد في 1963، بجانب منصبه رئيساً لـ"أمان"، ولمدة عام كامل تولى "عاميت" المنصبين، وذلك بالتعاون مع " أهارون ياريف" الذي خلفه في رئاسة "أمان".

 

وكانت هذه الفترة "مثمرة" للغاية فيما يتعلق بالتعاون بين المنظمات الاستخباراتية في إسرائيل، حيث تم توحيد العمليات التنفيذية، وقام "أمان" بنقل إحدى وحداته التنفيذية إلى الموساد بهدف منع التضارب، وتم نقل مهمة تشغيل الجاسوس الإسرائيلي الشهير (إيلي كوهين) من "أمان" إلى "الموساد".

 

* لجنة" "يادين- شيريف": في عام 1963، شكل "بن جوريون" هذه اللجنة لفحص أجهزة المخابرات، وكان السبب وراء ذلك رغبته في تنظيم المخابرات وتجهيزها لمن سيخلفه في منصبه، خاصة وأن رئيس الوزراء الذي سيأتي بعده لن يتولى، في الغالب، منصب وزير الدفاع. وكان الافتراض السائد حينها أن "رئيس الوزراء القادم يجب أن تكون لديه صورة كاملة لأنشطة كل الأجهزة السرية في الدولة"، وبالتالي أوصت اللجنة بتعيين "مستشار لشئون المخابرات"، تكون مهمته مساعدة رئيس الوزراء لمتابعة الأعمال التنفيذية التي تقوم بها الأجهزة السرية في الدولة.

 

الجاسوس إيلي كوهين لحظة إعدامه في دمشق

* إعدام "إيلي كوهين": في 18 مايو 1965، تم إعدام إيلي كوهين في دمشق، والذي تميز بشكل كبير من الناحية المهنية في مجال عمله، وتمكن من اختراق النخبة الحاكمة في سوريا، ووفر معلومات مهمة وأمينة للمخابرات الإسرائيلية. وقبل الإمساك به، كان قد ألقي القبض على "شوليه كوهين" في لبنان في عام 1961، والتي كانت مهمتها التجسس وتهجير اليهود منذ عام 1947، غير أنها عادت إلى إسرائيل في عام 1974 في إطار صفقة تبادل أسرى مع لبنان.

* حرب يونيو 1967: كانت الحرب ونتائجها وتداعياتها (الحدود الجديدة لإسرائيل، وتوسيع  انتشار الجيش) علامة مميزة في تطور عمل المخابرات الإسرائيلية؛ فالمخابرات العسكرية تحديداً قامت بتوسيع أنشطتها، كما أن المخابرات (التنصتية) زادت بشكل كبير واحتلت مكاناً مركزياً غير مسبوق في مجال جمع المعلومات، حينما قام "أمان" برصد المكالمات التليفونية اللاسلكية التي جرت يوم 6 يونيو عام 1967 بين الرئيس المصري "جمال عبد الناصر"  و"حسين" ملك الأردن؛ إذ أن رصد المكالمة أحبط التجهيزات التي كان ينوي الزعيمان اتخاذها لإظهار تدخل أمريكي وبريطاني في الهجوم على الأراضي العربية لصالح إسرائيل، وساعدت بشكل كبير في بلورة صورة حسنة عن المخابرات الإسرائيلية. كما كان لنتائج حرب الأيام الستة الكثير من الآثار الجيدة على الشاباك، الذي قام بنشر عملائه في الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان من أجل منع الأعمال التخريبية والعدائية التي من الممكن أن تنطلق منها.

وبناء على سبق، حدثت انطلاقة في أواسط أعوام الستينات في البناء التنظيمي لعملية جمع المعلومات (التنصت) في "أمان"، وتمثلت الأسباب الكامنة وراء ذلك في:

 

أ‌- إعطاء أولوية كبيرة لعمليات جمع المعلومات داخل إسرائيل من خلال استخدام التنصت، عقب وجود الكثير من أوجه التقصير في استخدام الأشخاص.

ب‌- التطور في مجال التكنولوجيا ووسائل الاتصال.

ج- أهمية توافر القدرات اللازمة لتوفير معلومات حقيقية في أوقات مناسبة، وغير مرتبطة بنوعية المخابرات التوقعية مثل التصوير من الجو.

د- تزايد توجهات استخدام المخابرات التنصتية التي ميزت الأجهزة المخابراتية الغربية.

 

ثالثا: مرحلة الفشل المؤقت

سنوات السبعينات

في أعقاب اختطاف طائرة العال بالجزائر في عام 1968، ومقتل الرياضيين في "مينخين" عام 1972، زاد عمل المخابرات الإسرائيلية بشكل كبير في خارج إسرائيل، وبرزت بشكل أكبر عمليات الموساد ضد الإرهاب الخارجي، في حين أقام الشاباك منظومة تأمين في الخارج لحماية الأهداف الإسرائيلية، أما الجيش فقد برز دوره في شن عمليات جريئة ضد الإرهاب، الذي كان للموساد وأمان دور مهم فيها، مثال عملية "أفيف ناعوريم" في أبريل 1973 بقيادة "إيهود باراك"، قائد سرية الأركان، التي تم فيها تصفية عدد من القيادات الفلسطينية في بيروت.

** مفاجئة حرب 1973: الفشل الرئيسي في هذه الحرب كان من نصيب "أمان" الذي فشل في توفير معلومات استخباراتية تحذيرية قبل وقوعها، والتي في أعقابها تم تشكيل لجنة "أجرانات" التي أدت توصيتها إلى إقالة "إيلي زاعيرا" رئيس "أمان".

أما على المستوى المؤسسي – التنظيمي؛ فقد أوصت اللجنة بنقل القدر الأكبر من المسئولية عن المخابرات إلى وزارة الخارجية، بهدف تقليل دور أمان في مجال التقديرات الإستراتيجية، وبهدف أن يكون رئيس الوزراء غير مسئول عن جهاز مخابرات واحد، إضافة إلى ضرورة وجود أكثر من رأي أو تقدير مخابراتي لمنع تكرار المفاجآت، لاسيما فيما يتعلق بنشوب الحروب.

وأوصت اللجنة أيضاً بتعيين مستشار مخابراتي لرئيس الوزراء، ليعمل معه طاقم صغير مساعد، تكون مهمته تقديم تقديرات سياسية وإستراتيجية مستقلة لرئيس الوزراء، وفق المعلومات التي يتم جمعها من الأجهزة المخابراتية المختلفة، إلا أن اللجنة حذرت من أن يكون هذا المستشار بمثابة عنصر منفصل عن رؤساء أجهزة المخابرات ورئيس الوزراء.

ومع ذلك، فإن توصية اللجنة بتقليص دور أمان لم تكن مقبولة بالنسبة لرئيس الوزراء "إسحق رابين" عام 1975، إذ أن أنشطة أمان اتسعت وزادت بشكل كبير سواء في المجال العسكري أو السياسي، في حين لن تتسع أعمال وحدث البحث الاستخباراتي في وزارة الخارجية ولم تتعزز مكانتها. وفي مقابل ذلك، تكونت في الموساد وحدة بحثية، وظلت مكانة أمان الأكبر في مجال البحث الاستخباراتي من بين أجهزة المخابرات المختلفة، باستثناء ما يتعلق بمواطني إسرائيل، الواقعين في مجال اهتمام الشاباك.

وفيما يتعلق بتعيين مستشار للمخابرات، فقد حاول رابين أكثر من مرة تنفيذ ذلك، ففي عام 1974 عين اللواء احتياط" رحبعام زئيفي"، لكنه استقال في عام 1976، وبعده تم تعيين اللواء احتياط "يهوشفاط هركابي"، لكنه استقال عقب سبعة أشهر فقط بعد تغيير الحكومة عام 1977، ومن حينها لم يتم تعيين شخص آخر في هذه المهمة؛ إذ باءت هذه التجارب بالفشل.

** عملية يهوناتان "أنتابا" عام 1976: في هذه العملية تم تحرير المسافرين الإسرائيليين في طائرة إيرباص لشركة الطيران الفرنسية "إير فرانس" التي اختطفت إلى أوغندا، وظهرت خلال هذه العملية شجاعة المقاتلين الإسرائيليين، ودور التعاون السريع والجيد بين أمان والموساد في هدف يبعد عن إسرائيل مسافة 3800 كيلومترا، وأسهمت هذه العملية في تحسين قدرة الردع لدى إسرائيل وتحسين صورة القوات الخاصة الإسرائيلية.

* مبادرة السادات (نوفمبر 1977): بدأت هذه المبادرة بلقاءٍ بين رئيس الموساد "إسحق حوفي" مع ملك المغرب، ونائب رئيس الوزراء المصري "حسن التهامي"، وأبرزت هذه العملية تحسن القدرات السرية الفعالة للموساد كمساعد في تحسين العلاقات الخارجية لإسرائيل من خلال استغلال العلاقات الشخصية السرية مع رؤساء وملوك العالم العربي.

 

لكن "أمان" لم يكن في هذه العملية، وفوجئ بمبادرة السادات، ومع ذلك فإن المبادرة وما تمخض عنها من توقيع معاهدة السلام في عام 1979 وضعت مسألة العمل المخابراتي من أجل السلام على أجندة أولويات الأجهزة المخابراتية الإسرائيلية، وأثرت على تطوير أنظمة جمع المعلومات والأبحاث الاستخباراتية.

 

رابعاً: مرحلة العمل النوعي

سنوات الثمانينات

* الهجوم على المفاعل النووي العراقي "عملية أوفرا": كانت هذه العملية بمثابة إنجاز كبير لسلاح الجو الإسرائيلي، واشتركت فيها جميع أجهزة المخابرات الإسرائيلية في الإعداد والتنفيذ على السواء.

* حرب لبنان 1982: كانت أحد نتائج الحرب، تشكيل لجنة "كاهان" التي أدت توصياتها إلى استقالة اللواء "يهوشوع شاجيا" من منصبه كرئيس لـ"أمان"، بعد أن اتهمته اللجنة بأنه كان يعرف تماماً نتيجة مساعدة الفصائل المسلحة لدخول معسكري صابرا وشاتيلا للاجئين، ولم يحذر بشكل كاف من ذلك.

* عملية خط 300 في عام 1984: بدأت هذه العملية بسيطرة مجموعة من المخربين على حافلة ركاب شركة "أجاد" في طريقها لـ"أشلكون"، والتي قتل فيها الشاباك اثنين من المخربين، إلا أن الجهاز قام بنقل معلومات خاطئة للمستوى السياسي عن العملية، ما أحدث حالة من عدم الثقة مع الجهاز.

* الانتفاضة الأولى ديسمبر 1987: مثلت هذه الانتفاضة مفاجئة بالنسبة لـ"أمان" و"الشاباك"؛ فمنظمة التحرير الفلسطينية هي التي حرضت عليها وقادتها، وذلك على خلاف ما كانت تتوقع جميع أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وبالتالي فإنها أشارت لوجود تقصير في مجال البحث الاستخباراتي الإسرائيلي فيما يتعلق بما يحدث في الأراضي الفلسطينية، وأدت إلى إعادة تنظيم الشاباك وأمان من الداخل لمواجهة مثل هذه الأحداث.

سنوات التسعينات

* حرب الخليج الأولى 1991: عقب الغزو العراقي للكويت، حذر أمان من استخدام صواريخ أرض- أرض ضد إسرائيل، ومن احتمال تعرض الجبهة الداخلية لهجوم بأسلحة كيماوية؛ وهو ما دفع إسرائيل لأول مرة لإنشاء منظومة دفاعية للجبهة الداخلية. وكان الإنجاز الاستخباراتي في هذه الحرب محل خلاف في داخل إسرائيل، إلا أنه نبه للمرة الأولى إلى ضرورة استعداد المخابرات الإسرائيلية لإمكانية تعرض البلاد لهجوم بأسلحة غير تقليدية من أماكن بعيدة.

* مؤتمر مدريد (1991) واتفاق أوسلو (1993): حذر "أمان" من المخاطر الكامنة وراء توقيع اتفاقات سلمية مع الفلسطينيين، لاسيما في ظل أن الفلسطينيين يفسرون الاتفاقات بشكل مختلف تماماً، ولن يتخلوا عن استخدام السلاح نهائياً، إلا أن الفجوة بين تقديرات أمان وتقديرات المجلس الوزاري، أدت لنشوب حالة من الصراع، وفي ظل ذلك شكك البعض في قدرات أمان كجهة عسكرية لوضع تقديرات قومية فيما يتعلق بالمجال السياسي.

ومع ذلك، لم تمر سوى سنوات قليلة حتى ثبتت صحة تحذيرات "أمان"؛ فالأراضي الفلسطينية أصبحت ساحة مركزية للقتال لقوات المخابرات الإسرائيلية، وبالتالي تعززت قوة التحدي الأمني الذي يواجه إسرائيل، والذي برز أكثر وأكثر عقب وفاة ياسر عرفات 2004، وتنفيذ خطة فك الارتباط عام 2005، ونجاح حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، ثم سيطرتها على القطاع عام 2007.

* مقتل رابين 1995: كشف عن تقصير فظيع في أداء "الشاباك" لتأمين الشخصيات القيادية في الدولة وتجميع المعلومات الاستخباراتية في القطاع اليهودي من مواطني الدولة، ففي أعقاب الحادث استقال "كرمي جيلان" من رئاسة الشاباك، وكشف الحادث عن أهمية تفعيل دور المخابرات على المستوى الداخلي.

* اغتيال "خالد مشعل": في سبتمبر 1997 فشل الموساد في اغتيال "خالد مشعل" في الأردن، وكان لفشل العملية وإلقاء القبض على عملاء الموساد آثارا سلبية على العلاقات الأردنية- الإسرائيلية والعلاقات الكندية - الإسرائيلية، نظراً لاستخدام عملاء الموساد جوازات سفر مزيفة. وفي أعقاب الحادث تشكلت لجنة فحص خارجية برئاسة "يوسيف تشحنوفر"، كون هذه  العملية الاستخباراتية كلفت إسرائيل ثمناً سياسياً باهظاً.

* التعاون بين أمان والشاباك 1998: في أعقاب تزايد المهام والعمليات الاستخباراتية في الأراضي الفلسطينية، وعلى خلفية تزايد الخلافات في الرأي بين أمان والشاباك، تشكل طاقم مشترك لفحص تقسيم المسئوليات بين المنظمتين، ووقعا على اتفاق لتقسيم المسئوليات والتعاون فيما بينهما.

* تقرير مراقب الدولة 1999: عرض مراقب الدولة أمام الحكومة تقريره حول الأجهزة المخابراتية في إسرائيل، وعلاقاتها مع بعضها البعض، وتوصل إلى هذه النتائج:

أ‌- عدم تحديد المخابرات والحكومة بشكل رسمي لمسئوليات ومجالات العمل لكل جهاز.

ب‌- وجود الكثير من العقبات في مجال البحث المخابراتي، والتي اتضحت داخل الجيش، في عمل الوحدات الاستخبارية، كما اتضحت على المستوى السياسي- الإستراتجي في عمل الموساد.

ج- وجود حالة من "العزلة" بين رؤساء الوحدات البحثية في الأجهزة المخابراتية، وبين رؤساء هذه الأجهزة من جانب والمستوى السياسي من جانب آخر.

د- من المطلوب إنشاء مركز تعليمي لشئون البحث المخابراتي، يقوم بتدريس دورات محددة مؤهلة في علوم المخابرات.

 

الألفية الثالثة

* اللجنة الأولى لفحص تقسيم مسئوليات أجهزة المخابرات: مارست مهاما خلال أعوام 1999 و2002، وشمل عملها ما يلي:

ـ وضع خطط العمل فيما يتعلق بالأماكن المستهدفة، ووضع التصورات لتقسيم المسئوليات بين الأجهزة الاستخباراتية.

 

ـ تقسيم المسئوليات بين الأجهزة في مجالات مختلفة، لاسيما في مجال تجميع المعلومات والبحث المخابراتي، وتوضيح أهداف وأدوار كل جهاز.

ـ بلورة تقديرات المعلومات المخابراتية الأمنية- القومية.

ـ تحديد مهام العمل وتوجهاته.

ـ الدعم المتبادل بين المستوى السياسي والجهات المخابراتية.

ـ وضع القواعد لنشر المعلومات وتبادلها بين أجهزة المخابرات.

ـ توسيع العمل المشترك بين الأجهزة.

 

* انتفاضة الأقصى: لم تفاجأ الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بنشوب الانتفاضة الثانية، بل إنها كانت مستعدة لها ولكل الاحتمالات المنطوية عليها، وخلال فترة الانتفاضة وسع أمان والشاباك من العمل في الأراضي الفلسطينية، وبرز بشكل واضح وغير مسبوق التعاون بينهما ومع الجيش في هذا المجال.

* وزير شئون المخابرات: تولى "دان مريدور" (2001 ـ 2003) منصب "وزير" في مكتب رئيس الوزراء لشئون المخابرات، والذي كان تعيينه تنفيذاً لتوصيات مستشار رئيس الوزراء لشئون المخابرات، وكانت مهمته فحص وتحليل المعلومات الاستخباراتية التي تصل لمكتب رئيس الوزراء، وإجراء مناقشات مع قيادات هذه الأجهزة، وبلورة النتائج والتوصيات لرئيس الوزراء وسكرتيره العسكري.

* هجمات 11 سبتمبر 2001: زاد هذا الحادث من معرفة المخابرات الإسرائيلية بحجم التهديدات "الإرهابية" الإستراتيجية، إلا أن تأثيره بشكل عام على المخابرات الإسرائيلية كان محدوداً للغاية.

* قانون الشاباك: في فبراير 2002 تم اعتماد قانون الشاباك، الذي كان قد اقترحه الجهاز نفسه، وحدد تبعيته إلى رئيس الوزراء، كما تضمن القانون تفاصيل مهام وصلاحيات الشاباك.

واعتبر هذا القانون الأول من نوعه في تاريخ إسرائيل لكونه يتعلق بأول جهاز مخابراتي إسرائيلي يوضع له قانون، كما أنه أخرج الجهاز من حالة العزلة التي كانت تحيط به؛ إذ أنه كان الجهاز الأكثر سرية من بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية.

* السور الواقي 2002: خلال هذه العملية زادت قدرات الشاباك على شن عمليات وقائية مبكرة داخل مناطق السلطة الفلسطينية، والتي ساعدت على إقامة السور ومنع المزيد من الهجمات الفلسطينية.

* حرب الخليج الثانية مارس 2003: عقب احتلال العراق، فوجئت المخابرات الأمريكية والإسرائيلية بعدم وجود سلاح غير تقليدي بالعراق، كما فوجئت المخابرات الإسرائيلية بشكل أكبر من كشف ليبيا عن برنامجها النووي وتفكيكه بعد ضغط أمريكي؛ مما زاد من احتياج المخابرات الإسرائيلية إلى تحسين قدراتها لمواجهة التهديدات النووية في الدول العربية.

* لجنة "شطاينيتس": عقب انتهاء حرب الخليج الثانية، تشكلت لجنة برئاسة عضو الكنيست "يوفيل شطاينيتس"، وأوصى تقرير اللجنة الذي صدر في مارس 2004، بتدشين منصب جديد- قديم، وهو "سكرتير رئيس الوزراء لشئون المخابرات"، ليكون بمثابة حلقة الوصل بين المخابرات والمستوى السياسي.

* حرب لبنان الثانية 2006: توافقت حادثة اختطاف حزب الله لجنديين إسرائيليين مع تقديرات المخابرات الإسرائيلية لما يتعلق بالتطورات على الساحة اللبنانية، والتي ساهمت في وضع الأهداف المناسبة للجيش لقصف الصواريخ بعيدة المدى التي يمتلكها حزب الله، إلا أن الجيش لم ينجح في ذلك بشكل كامل.

 

معوقات العمل الاستخباراتي

ويخلص هذا الجزء من الدراسة إلى أنه منذ السنوات الأولى لقيام دولة إسرائيل، بُذلت الكثير من الجهود التي قادها "بن جوريون" لتركيز أنشطة الأجهزة الأمنية السرية في إسرائيل. وعلى الرغم من النجاح "النسبي" الذي تحقق في هذه المرحلة، إلا أنه لم يحدث حتى الآن أي تغيير جوهري في البناء التنظيمي لأجهزة المخابرات الإسرائيلية.

وفي سنوات الستينات، ومع بداية تولي "مائير عاميت" رئاسة الموساد، بدأت مرحلة "العصر الذهبي" في تاريخ المخابرات الإسرائيلية، حيث تم التعاون بين أمان والموساد بشكل غير مسبوق، وهو ما تبدى بشكل واضح في حرب 1967. إلا أنه بانتهاء حرب 1973 وبداية عقد الثمانينات تراجع دور كل من الشاباك والموساد كأجهزة استخباراتية، وتركزت نشاطاتهما حول "الإرهاب" والأسلحة غير التقليدية، وهو ما تعزز خلال عقد التسعينات.

 

وعلى الرغم من تشكيل الكثير من لجان الفحص والتحقيق الخاصة بأجهزة المخابرات الإسرائيلية، لكنها لم تنجح حتى الآن في توحيد مهامها وأنشطتها، وظلت حالة "التفكك" واضحة للغاية، ومن أبز أسباب ذلك ما يلي:ـ

أ‌- رغبة رؤساء الأجهزة المختلفة في استمرار هذه الحالة من "التفكك".

ب‌- وجود الكثير من الفجوات فيما يتعلق بالأفكار العامة التي تطرح لتطوير أداء المخابرات.

ج- وجود خلافات حول نموذج "الضرورة الإدارية" القائل بتركيز قوة المخابرات، ونموذج "الضرورة السياسية" القائل بتفكيك قوة الأجهزة السرية.

د- زيادة قوة "الوحدات المهنية" على حساب "الوحدات التنفيذية" داخل أجهزة المخابرات؛ مما زاد من حالة التفكك.

هـ- تبعية الأجهزة لعدة وزارات بدون وجود رئيس ينسق بينها.

و- تطور الهوية التنظيمية لجهاز الموساد؛ مما زاد من استقلاليته.

 

------------------------

 

"شموئيل إيفين" الخبير المتخصص في الشئون الأمنية الخاصة بإسرائيل بمنطقة الشرق الأوسط  في مركز أبحاث ودراسات الأمن القومي. و"عاموس جرانيت" الكاتب المتخصص في الشئون أمنية الإسرائيلية.

*الجزء الثاني من دراسة نشرها مركز أبحاث ودراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب، تحت عنوان(المخابرات الإسرائيلية.. إلى أين؟.. التحليل والتوجهات والتوصيات)،  مارس 2009.

 

 

انشر عبر