شريط الأخبار

الثرثرة.. تهدد النفس والأسرة والأمن والمجتمع!!

01:23 - 06 حزيران / مايو 2009

فوضى ذهنية يظنها كثيرُ الكلام "رأساً للحكمة"!!

الثرثرة.. تهدد النفس والأسرة والأمن والمجتمع!!

أ. المجدلاوي: عدّها الرسول "عليه الصلاة والسلام"  من الكبائر

د. العبادلة: ثرثرة الطفل مؤشر على ذكائه وثرثرة الكبير نقصٌ في ذاته!

صديقتان.. تعملان ربع الوقت والباقي يضيع هباء، إحداهما خبيثة والأخرى حمقاء!! تلك الأخيرة لا تنفك ترغي وتفضفض بما خصّ وعمّ، والأخرى تتصيّد وتُسجّل.. تستدرج وتلون.. حتى بات سر صديقتها بيدها، وتنتهي الصداقة بأتفه المواقف.. ليُكشف الستار عن تلك العلاقة المزيفة ويُعلّق سرها على أحبال الألسنة المتصيدة ببعض من أحرّ "البهارات"!!

 

لم ينته الأمر بانتهاء الصداقة والزيف..  بل يتعدى أثر الثرثرة ليكون باباً للسقوط الأمني، أو قد يكون صاحبها يفعل فعل العملاء دون أن يدري عندما يفشي أسراراً تخدم العدو وسياساته، لأنه عند ثرثرته لا يدري أمام من يثرثر؛ المهم أن يثرثر ويكشف كل ما عنده، ناسياً قاعدة مهمة قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم : " استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان".

 

تلك واحدة من مجموع كبير يتحدث دون وعي وتحفّظ، الأمر غير مقتصر على النساء فقط بل للرجال نصيب كبير، وللوقوف على الثرثرة بما فيها من أسباب وسلبيات ومخاطر وحلول كان لنا التقرير التالي:

 

آفة مريحة !

يقول حاتم إسماعيل _44عاماً_ ويعمل في مؤسسة حكومية :"الثرثرة آفة مغرية موجودة في المكاتب الصغيرة والكبيرة على حد سواء، وكما هو شائع فالثرثرة سيئة وغير مبنية على حقائق إلا نادراً، وهي تعطي استنتاجات سلبية تنعكس على الثرثار، من شأنها أن  تجرح شعور الآخرين وتسبب لهم الأزمات.

 

ويشاركه الرأي المدرس خالد درويش الذي يعتبر الثرثرة مرضاً يعاني منه أغلب الناس، وعادة سيئة لا تكاد تخلو من أي مكان، ويرجع السبب في ذلك إلى قلة الوعي الديني، معتبراً أن المطّلع على الدين يعلم أن الثرثرة تستدرج للغيبة والنميمة وضياع الوقت.

 

بينما أم أشرف ترى أن الثرثرة تريح النفس من الضغوطات والأعباء الملقاة على الإنسان من خلال تفريغها للمكبوتات، وتعتبر أم أشرف أن النساء أكثر ثرثرة من الرجال نتيجة لكثرة المواقف التي تتعرض لها مع النساء الأخريات وبسبب وقت الفراغ.

 

رجال ونساء

وتؤكد هذا الرأي الطالبة الجامعية تغريد صابر بقولها:"نحن النساء أكثر الناس "رغياً"، فعندما تجتمع مجموعة من الفتيات أو النساء لا تتوقف ألسنتهن عن الحديث، والغريب أن الموضوعات عند النساء لا تنتهي، لأنهن يتحدثن في كل التفاصيل على عكس الرجال الذين لا ينظرون للمواضيع بدقة وتفصيل".

لكن  نزار رجب يرى أن النساء والرجال متساوون في الثرثرة ويضرب لنا مثلاً في المقاهي التي يعتبرها مليئة بالأحاديث والتي يصفها "عالفاضي والمليان"! وأن الثرثار يحب الإكثار من الكلام لمجرد الاستمتاع دون مراعاة لضجر الشخص الآخر، ظاناً في قرارة نفسه بأن الكل معجب بما يظنه ثقافة أو لباقة أو شخصية قوية.

وكان في أُولى لقاءاتنا مع المختصين تعريف "للثرثرة" للدكتور "نعيم العبادلة" _الاختصاصي النفسي بوزارة الصحة_ والذي قال فيه:"هو اضطراب سلوكي يظهر من خلال التعبير عن المشاعر بواسطة الحديث مع الآخر، وهو أسلوب غير توافقي لإثبات الذات، والشخص الثرثار لا يشعر بثرثرته بالتالي لا يحاسب نفسه ولا يسعى لعلاجها، إنما من يتورط بها هو المستمع".

 

نفسية الثرثار وصفاته

ويضيف د. العبادلة:" تظهر نفسية الثرثار من خلال بيان السبب في ثرثرته، وهو محاولة إثبات ذاته بطرق لا توافقية، وإن كان لديه طريقة إيجابية لاستخدمها لكنه يفتقد للإيجابية، حيث يستعرض شخصيته باقتحام الحديث في الجلسات الخاصة والعامة، ونجده يهزأ من كل شيء ولا يحترم خصوصيات الآخرين".

ويوضح د. العبادلة أن اللغة في عقل النساء أنشط منه في عقل الذكور، لذا فإن المرأة لديها استعداد للثرثرة إذا لم تُوظّف في وقتها ومكانها المناسب، وهنا يظهر السبب الآخر في الثرثرة المتمثل في النساء فعندما تصطدم المرأة بثقافة المجتمع المتمثلة ب "سكوت المرأة أمام الرجل" فإنها تُحبط ومن ثم تضطر لاستخدام الطريقة غير السوية المتمثلة بالثرثرة لتعويض ما حرمت من التعبير عنه بطريقة سوية، ناهيك عن الفراغ الذي من شأنه أن يخلق إنساناً ثرثاراً إن لم يتم استغلاله في شيء مفيد، وحرمان بعض النساء من العمل أو غيره يجعلها كثيرة التألم والشكوى والثرثرة.

 

ويضيف:"هذا إلى جانب الطريقة التربوية التي ينشأ عليها الشخص، فإن كان الوالدان قدوة حسنة تشبع الأولاد بتلك القدوة، والعكس صحيح فعندما يرى الأولاد أن أحد والديهم كثير الكلام في كل شيء شبّوا على الثرثرة.

 

ومن صفات الثرثار أنه عديم الخجل، و"تابع" لا يُبادر في فتح قضية للنقاش، ولا يستمع لنصائح وانتقادات الآخرين، محباً لذاته غير ناضج انفعالياً.

 

خطورتها..

وبالتالي تبرز الأضرار جليةً في كل المستويات والتي يوضحها د. العبادلة بقوله:" أخطار الثرثرة فادحة على كل المستويات في الحياة وما بعد الحياة، فعلى مستوى الشخص فإن شخصية الثرثار تبدو سيئة للجميع ويكون موضع استفزاز كل من يستمع له، وموضع استهزاء واستغلال لما يمتلك من السذاجة، ولا يقل خطرها على الجانب الأسري فهي تهدم بنيان الأسرة بأكملها خاصة عندما يتحدث أحد أفراد الأسرة في خصوصياتها وبشكل أخص عندما يتحدث أحد الوالدين في الأمور الحميمية الخاصة.

 

ويتابع:" ناهيك عن الأضرار الاجتماعية فالثرثار يفشي الأسرار ويلون الكلام ويغيره ويثير الضجة والفوضى في كل مكان، ومن ثم فإن الأبناء يكتسبون من آبائهم ما يرونه ويسمعونه، وبالتالي ينشأ جيل جديد من أولى مهماته الثرثرة".

 

وعلى الجانب الأمني يقول الأستاذ المساعد في قسم الإرشاد النفسي بالجامعة الإسلامية د. أنور العبادسة:" إنّ المجتمع يستغل الشخص الثرثار فيعمد لاستدراجه في الحصول على المعلومات الخطيرة، فيكون أكثر عرضةً للإسقاط الأمني، فيظهر خطر هذا الثرثار على أمن الدولة من حيث لا يدري وربما من حيث يدري عندما يُسقط أمنياً، لأن عدم نضجه الانفعالي يضمن السيطرة عليه".

 

تهدد الأمن

ويضيف د. العبادسة:"من المفترض أن يتم تداول المعلومات في ظل مستويات وأطر محددة، أما غير ذلك فهو لا يصح لأن "الثقة لا تلغي الحذر" والمعرفة يجب أن تكون على قدر الحاجة، كما أن ثقتنا بالأشخاص من حولنا يجب ألا تكون مبرراً لأن نقدم لهم كل ما لدينا من معلومات، فحفظ أسرار الشخص أو الحركة تعتبر أولوية من الأولويات التي يجب عدم إغفالها ، وتداول المعلومات يجب أن يكون في الموقف المناسب وللشخص المناسب".

ويواصل:" الثرثرة تضر بالشخص وربما بأسرته ومجتمعه أيضاً عندما يفشي أسراراً معينة للآخرين، خاصة وأن العدوّ يقتنص الغنائم والشخص الثرثار يعتبر غنيمةً للعدوّ يحصل بها على ما يريد، فيقع فريسة استهداف العدو، وتعتبر الثرثرة على الجوالات والتليفونات والانترنيت خطيرة للغاية للاحتمال الكبير من مراقبة العدو لها".

ويذكر لنا د. العبادسة مثلاً على إفشاء الأسرار وكيف أنها تؤدي لأخطار أمنية كبيرة وذلك من خلال السجون الإسرائيلية وما يسمى ب"ظاهرة العصافير" حيث يرسل العدو الإسرائيلي لزنازين المجاهدين عملاء متنكرين للحصول على المعلومات من خلال استدراج المجاهد الذي يعيش ظروفاً نفسية صعبة ويكون بحاجة لشخص يستمع له فيفضي بما لديه من معلومات قد تودي بحياة المجاهدين، ومن هنا كان لابد من الاحتفاظ بالمعلومات الخطيرة وجعلها طي الكتمان والسرية مهما كان الأمر صعباً والضغوط كبيرة".

 

من الكبائر

ويكفي خطورةً أن الثرثار شخص يسير على غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يبرز موقف الدين رافضاً لتلك الصفة الذميمة في حديث الأستاذ طلعت المجدلاوي _إمام المسجد والمحاضر في جامعة الأقصى_ والذي قال فيه:"تعد الثرثرة من الكبائر فقد توعّد النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون الثرثار من أبعد الناس مجلساً عنه صلى الله عليه وسلم حيث قال:"إنّ من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وأبغضكم إليّ وأبعدكم عني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون أي "المتكبرون"".

 

فلنحذر..

ويضيف المجدلاوي:"من وقع في بغض أسلم الناس فطرةً وهدياً أي في بغض النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يبغضه الناس، وقد وجّه النبي عليه الصلاة والسلام الصحابي معاذ عندما قال له:"أمسك عليك هذا،.. وأشار إلى لسانه"، وتكفّل عليه أفضل الصلاة والسلام قائلاً:"من ضمن لي ما بين فكيه وما بين فخديه ضمنتُ له الجنة".

 

ويفيدنا  المجدلاوي بأن الله تعالى قد توعّد لمن يثرثر بمعصيته، عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"كل أمتي معافون إلا المجاهرين"، وقد توعّد الله تعالى الثرثارين في "حادثة الإفك" بالعذاب العظيم، عندما اتُّهِمت سيدتنا عائشة بعلاقة مع صفوان بن المعطل السلمي، فأنزل الله تعالى:"إِنّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ".

 

الحل.. بيد الحكيم؟

وللتخلص من تلك الصفة غير المرغوب بها يقول د: العبادلة:" الثرثرة أمر يمكن علاجه والسيطرة عليه كونه اضطراب في السلوك اللغوي، لكن ومما لا شك أن الثرثار يرفض الذهاب إلى طبيب نفسي، وهنا يأتي دور الأسرة الحكيم في توجيه الثرثار بلطف، من خلال التعرف على الدافع لهذه الثرثرة، فقد يكون عدم إشباع حاجات معينة كحرمانه من التعبير عن الذات جعل منه ثرثاراً، ولذلك فإن الثرثار يحتاج لمن يشبع حاجاته لتتحول ثرثرته من السلبية إلى الحديث المجدي الهادف، وإن كان الثرثار أحد الزوجين فإن واجب الطرف الآخر هو التوجيه بهدوء ولطف وحكمة ومشاركة وتشاور، ومحاولة إعادة الثقة بالنفس وثقة الآخرين بها، والاحترام المتبادل في الأسرة وغيرها يكفل حل الكثير من المشاكل السلوكية ومن بينها "الثرثرة".

ولما كان في الثرثرة اضطراب وعدم توافق واستهزاء ولا مشاعر، وعندما جعلها الدين كبيرة من الكبائر كان لابد أن نجعل يوم القيامة نصب أعيننا، ذاك اليوم الذي تجتمع في قنطرته الخلائق كلها حيث  يفصل الله بيننا  فيما لنا وما علينا، فالذي ثرثر في حق فلان في الدنيا خُصم من حسناته ووضعت في رصيد الآخر، فمن منا يستغني عن حسناته في ذاك اليوم المهول؟!

 

حنان محمد مطير : فلسطين

 

انشر عبر