شريط الأخبار

داود أوغلو.. مفكر إستراتيجي برتبة وزير خارجية

09:23 - 03 تموز / مايو 2009

داود أوغلو.. مفكر إستراتيجي برتبة وزير خارجية

محمود عبده علي

ألقاب عديدة تٌطلق على أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية التركي الجديد، الذي أعلن عن تعيينه أمس (الأول من مايو 2009) ضمن تعديل وزاري موسع، فهو "رجل الظل".. و"صاحب اليد العليا" كما يُلقب في أروقة الخارجية التركية، وهو "الخوجا" أي "المعلم" كما يلقبه محبوه.

لكن بعيدا عن الألقاب فإن تعيين أوغلو كوزير للخارجية التركية أمر يحتاج إلى التوقف ليس فقط لأنها أحد المرات النادرة في الحياة السياسية التركية التي يعين فيها وزيراً من خارج البرلمان، لكن، وهو الأهم، لأن أوغلو هو المنظر الأول للسياسة الخارجية التركية التي اتبعها حزب العدالة والتنمية، وهي السياسة التي عززت من الدور الإقليمي التركي، بل ووضعت تركيا في قلب التفاعلات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط.

 

المولد والنشأة

 

ولد أحمد داود أوغلو عام 1959 في مدينة "قونيا" الواقعة في قلب الأناضول. وتدرج في التعليم حتى تخرج من قسم العلوم السياسية في عام 1984 من جامعة البوسفور، إحدى أهم المؤسسات الجامعية التركية والتي تدرس موادها باللغة الانجليزية.

 

وحصل أوغلو لاحقا على شهادة الماجستير والدكتوراه في العلاقات الدولية. كما عمل في أكثر من جامعة داخل تركيا وخارجها كان أهمها الجامعة الإسلامية في ماليزيا.

 

وفي عام 1999 حصل على درجة "بروفيسور" في علم العلاقات الدولية، كما تولى رئاسة قسم العلاقات الدولية في جامعة "بي كانت" التركية الخاصة، قبل أن يختاره رجب طيب أردوغان كمستشار للسياسة الخارجية، وذلك للإشراف على مهام الرصد والتخطيط والمشاركة في عملية إطلاق سياسة خارجية جديدة للبلاد، عقب فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات البرلمانية التركية وتشكيله للحكومة.

 

مبدأ العمق الإستراتيجي والإرث العثماني

 

وقد أتاح منصب مستشار السياسة الخارجية لأوغلو فرصة التأثير المباشر على السياسة الخارجية التركية في أعلى مستوياتها، وتطبيق الإطار النظري الذي قدمه للسياسة الخارجية التركية، أو ما يسمى بمبدأ "العمق الإستراتيجي" (بالتركية Strategic Depth (Stratejik Derinlik، الذي صكه في كتاب له نشر عام 2001، تحت عنوان "العمق الإستراتيجي.. موقع تركيا الدولي" (بالتركيةStratejik Derinlik, Turkiye’nin (Uluslarasrasi Konumu (بالإنجليزية The Strategic Depth: The Turkish International Location).

 

وقد دعا أوغلو في كتابه إلى ضرورة إعادة تعريف السياسة الخارجية التركية وفق ما أسماه مبدأ "العمق الإستراتيجي"، وتتمثل الفكرة الرئيسية التي يتمحور حولها في أن قيمة أي دولة في العلاقات الدولية إنما تنبع من موقعها الجيو-إستراتيجي، وعمقها التاريخي. وطبقا لهذا المبدأ فإن تركيا تتميز بـ"العمق الجغرافي" geographical depth و"العمق التاريخي" historical depth.

 

ففيما يتعلق بالعمق الجغرافي، ينظر أوغلو إلى تركيا بوصفها دولة "مركزية" central ومن ثم "لا يجب النظر إليها كدولة جسر bridge تربط نقطتين فقط، ولا دولة طرفية frontier، أو حتى كدولة عادية تقع على حافة العالم الإسلامي أو الغرب"، حسب كلمات أوغلو.

 

ويرجع أوغلو كون تركيا دولة "مركزية" إلى موقعها الجغرافي الفريد، قائلا "جغرافيا تركيا تعطيها حالة دولة مركزية فريدة تختلف عن الدول المركزية الأخرى. فعلى سبيل المثال تعتبر ألمانيا دولة مركزية في أوروبا ولكنها بعيدة جغرافيا عن أفريقيا وآسيا. وروسيا أيضا دولة مركزية في أوروبا وآسيا لكنها بعيدة جغرافيا عن أفريقيا، وإيران دولة مركزية في آسيا لكنها بعيدة جغرافيا عن أوروبا وأفريقيا. وبنظرة أوسع فإن تركيا تحتفظ بالموقع الأفضل فيما يتعلق بكونها دولة أوروبية وآسيوية في نفس الوقت. كما أنها قريبة من أفريقيا أيضا عبر شرق البحر المتوسط. ومن ثم فإن دولة مركزية تحتفظ بموقع متميز هكذا لا يمكن لها أن تعرف نفسها من خلال سلوك دفاعي، ولا يجب النظر إليها كدولة جسر تربط نقطتين فقط، ولا دولة طرفية، أو كدولة عادية تقع على حافة العالم الإسلامي أو الغرب".

 

وكما أن لتركيا "عمقا جغرافيا" فإن لها أيضا "عمقا تاريخيا"، فسره أوغلو بالإرث العثماني لتركيا حيث كانت الإمبراطورية العثمانية أحد مراكز الجذب العالمية، وهو ما انعكس على واقع الدولة التركية المعاصرة، حيث يوجد خليط متنوع من العناصر القوقازية والبلقانية والشرق أوسطية والتركمانية والأناضولية، وهي عناصر تلتقي تحت مظلة الدولة التركية.

 

ونتيجة لهذا العمق الجغرافي والتاريخي لتركيا، والذي جمعهما أوغلو تحت مسمى "العمق الإستراتيجي"، فإن تركيا من وجهة نظر أوغلو دولة ذات هويات إقليمية متعددة، أي أنها تنتمي إلى مناطق متعددة كالشرق الأوسط والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وبجر قزوين والبحر المتوسط والخليج والبحر الأسود، ولا يمكن حصرها في هوية واحدة. وبالتالي، وحسب كلمات أوغلو، فإن "تركيا عليها أن تعتبر كونها دولة طرفية هو جزء من الماضي، وأن تدشن سياسة خارجية جديدة تقوم على توفير الاستقرار ليس فقط لنفسها لكن لجيرانها أيضا. وعلى تركيا أيضا أن تضمن أمنها القومي واستقرارها عبر تطوير دور أكثر فاعلية وبناء لتوفير النظم والأمن والاستقرار في النظم المحيطة بها".

 

ونتيجة لهذا المنظور الجديد، وضعت أنقرة أسسا جديدة لسياستها الخارجية من أهمها تصفية الخلافات مع دول الجوار وتنمية التعاون معها، وهي الأسس التي مثلت تحولا في السياسة الخارجية التركية تجاه الشرق الأوسط، بعد أن كان التوجه التركي سابقا مقصورا ناحية الغرب.

 

تحول في السياسة التركية

وتمثل هذا التحول، الذي مثل تطبيقا فريدا لمبدأ "العمق الإستراتيجي" الذي وضعه أوغلو، في عدة أمور أهمها:

 

- التقارب مع سوريا:

 

فالعلاقات التركية مع سوريا قد تحسنت بصورة تحت قيادة حزب العدالة والتنمية، وهو ما اتضح في الزيارة التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد إلى تركيا في يناير من العام 2004، وأعقبتها زيارة للرئيس التركي نجدت سيزار في العام نفسه، في أول تبادل للزيارات من نوعه في تاريخ العلاقات بين البلدين. ووقع الطرفان خلال الزيارة 6 بروتوكولات للتعاون، في مجالات الاقتصاد والسياحة والتبادل التعليمي.

 

وتظهر دلالة هذا التحسن في العلاقات بين البلدين من خلال أمرين اثنين، أولهما أن البلدين كانا على وشك الدخول في حرب، قبل بضع سنوات من تاريخ الزيارة وتحديدا في عام 1998، على خلفية اتهامات تركيا لدمشق بدعم حزب العمال الكردستاني وإيواء زعيمه عبد الله أوجلان.

 

الأمر الثاني هو توقيت التقارب التركي مع سوريا، حيث جاء التقارب في وقت كانت تتعرض فيه سوريا لعزلة دولية شديدة مفروضة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك كأحد تداعيات غزو العراق واتهامات واشنطن لدمشق بـ "استقبال مسئولين عراقيين سابقين، والسماح لهم بتنظيم وتمويل المقاومة العراقية من الأراضي السورية، وتحويل الحدود السورية-العراقية إلى معبر سهل لجماعات المتطوعين من المتطرفين الإسلاميين الذاهبين للعراق لمحاربة الأمريكيين". وهي الاتهامات التي ساقها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول في زيارة شهيرة له لدمشق في مايو من عام 2003، أي بعد أقل من شهر من سقوط بغداد.

 

- التقارب مع إيران:

 

كان التقارب التركي مع إيران هو الآخر تطبيقا نموذجيا لمبدأ العمق الإستراتيجي الذي دشنه أوغلو، فتركيا التي كانت خصما لطهران إبان الحرب الباردة، والتي اتهمتها مرارا طيلة حقبة التسعينيات بدعم حزب العمال الكردستاني والجماعات الإسلامية "الأصولية" داخل تركيا، إذ بها تعزز من علاقاتها مع طهران تحت حكم حزب العدالة والتنمية. ففي يوليو من العام 2004، قام أردوغان بزيارة إلى طهران، وقع خلالها مع المسئولين الإيرانيين اتفاق تعاون متعدد الأطراف يشمل العديد من الاتفاقات الاقتصادية، بالإضافة إلى الالتزام المشترك بالتعاون الأمني في الصراع ضد حزب العمال الكردستاني. وقام الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بزيارة رسمية على تركيا في 15 أغسطس من العام الماضي (2008).

 

كما دعمت تركيا حق إيران في امتلاك الطاقة النووية لأغراض سلمية. والمثير للدهشة أن هذا التقارب التركي الإيراني جاء أيضا في ظل عزلة دولية مفروضة على إيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، بل وفي خضم أزمة الملف النووي الإيراني.

 

- موقف تركيا من القضية الفلسطينية:

 

شهد موقف تركيا من القضية الفلسطينية تحولا كبيرا، تحت قيادة حزب العدالة والتنمية، حيث كانت تركيا تضع دائما علاقاتها الإستراتيجية والعسكرية مع إسرائيل على قمة أولوياتها الشرق أوسطية، لكن هذا الأمر تغير مع تطبيق مبدأ "العمق الإستراتيجي"

 

ففي الوقت الذي كان الغرب فيه يفرض حصارا ماليا على حكومة حماس عقب فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006، كان أحمد داوود أوغلو يستقبل خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في أنقرة، وهي خطوة سببت غضبا أمريكا وإسرائيليا نظرا للعلاقات الإستراتيجية التي تجمع كلا من تركيا وتل أبيب.

 

وظهر التحول في الموقف التركي من القضية الفلسطينية بوضوح أثناء حرب غزة الأخيرة، فقد وجه أردوغان انتقادات شديدة اللهجة إلى تل أبيب، واتهمها بارتكاب جرائم حرب في غزة، بل ودافع عن حركة حماس. ولعل خروجه الشهير من جلسة كانت تجمعه مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في مؤتمر دايفوس أبرز دليل على التحول في الموقف التركي.

 

----------------------

 

باحث سياسي.

 

انشر عبر