شريط الأخبار

ديربان 2 والعنصرية الصهيونية..علي عقلة عرسان

06:16 - 30 تموز / أبريل 2009

خرج دربان 2 في جنيف ببيانه الختامي على الأمم في اليوم الأول لانعقاده، في سابقة تلفت النظر، وذلك لكي لا يتمكن " المشاغبون" من التأثير على المجتمعين فيتغير نص البيان المتفق عليه باتجاه لا يرضى عنه الأوصياء على المؤتمر. ولكن النص المتفق عليه تغير فعلاً قبل الإعلان عنه بإضافة فقرة تؤكد "أن الهولوكوست فعل لا يمكن أن ننساه أبداً".. فالتغيير مقبول لمصلحة " إسرائيل" ومرفوض لمصلحة الحقيقة والعدالة، وذلك بتأثير الغائبين والمقاطعين: إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وتوابعهما من الدول الذين كان تأثيرها في المؤتمر أشد من كل الحضور.

وفي دربان 2 ظهر بوضوح تجنيد القسم الأكبر من المنظمات الأهلية لمصلحة رعاتها ومموليها وصانعيها.. وهذا ما جعل صوت دربان واحد خافتاً، والمسؤولين الأمميين وعلى رأسهم بان غي مون يعلنون رفضهم لكل رأي يذكر الصهيونية بوصفها حركة عنصرية ويذكر بممارسات إسرائيل العنصرية والإجرامية.. وما جعل دم أطفال غزة الساخن لا يكتب كلمة في نتائج دربان 2 وقد غاب عن الحديث والحضور الرق الأميركي والاتجار بالعبيد والمطالبة بإنصافهم ممن استعبدهم وتاجر بهم ومارس تمييزاً عرقياً ضدهم لقرون من الزمن.

أحمدي نجاد وحده سمَّا الأشياء بأسمائها وذكر حقيقة " إسرائيل" العنصرية، فانسحب أتباعُها من القاعة وحركوا عصيهم في كل اتجاه. إن هذا الرجل ملك من الجرأة والحقيقة والإيمان ما جعله صوت حق في عالم نفاق وبؤس وخوف، وقد تمكن بذلك من الدخول إلى قلوب كثيرين من ضحايا الصهيونية والعنصرية، وجعل كلامه الصادق القوي لحظة حقيقة مشرقة في أجواء المؤتمر القاتمة، على الرغم من كتلة المعترضين والمحتجين والصامتين كأن على رؤوسهم الطير. وتبعت لمعة نجاد لمعة برق أخرى حين ذكر ممثل ليبيا عنصرية الصهيونية فانسحب أتباع إسرائيل من جديد فهم لا يطيقون سماع كلمة حق ولا يطيقون الآخر الذي يتشدقون بالدعوة إلى احترام حقوقه وحرياته.

لم يقدم أحمدي نجاد ولا ممثل ليبيا ولا أي ممن تكلموا في المؤتمر بعد صدور بيانه الختامي وذكروا عنصرية الصهيونية، شيئاً جديداً مبتكراً أو غير واقعي وغير موثق، فالصهيونية حركة عنصرية بامتياز، تفكيراً وسلوكاً وقيماً وممارسات. وقد كانت الهيئة العامة للأمم المتحدة قد أخذت قراراً معللاً ومستنداً إلى وقائع وإدانات عبرت عنها بيانات رسمية لكتل سياسية وتجمعات دولية منها دول عدم الانحياز، ودول المؤتمر الإسلامي، والمجموعة الإفريقية.. ودول أميركا للاتينية.. يؤكد عنصرية الصهيونية، وحمل ذلك القرار الذي صدر عام 1975 الرقم 3379 وجاء نصه موجزاً ومعبراً: " الصهيونية حركة عنصرية وشكل من أشكال التمييز العنصري". وهو قرار لم يلغ وإنما أعدم مضمونه بالقرار رقم 46/86 الذي صدر عام 1994 أو 1995 فيما أذكر.. وكان لبعض العرب دور في صدور هذا القرار مع كل أسف، فقد امتنعت ثماني دول عربية عن التصويت ضده، وكان هناك تواطؤ عربي مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية والدول الأوربية على ذلك في مناخ اتفاق أوسلو البائس. ولم يكن القرار الذي اتخذ معللاً وقد خلت حيثياته من أية إشارة إلى قرارات ومستندات قانونية دولية، ونصه: " يلغى مضمون الحكم الوارد في القرار 3379 ". أي أنه لم يلغ القرار الأصلي وإنما ألغى الحكم الوارد فيه.. والنتيجة واحدة.. ولكن الجرأة على الحقيقة، والإزراء بالحقائق، وانعدام المنطق السليم، ورائحة التواطؤ الكريه.. كل ذلك يفوح من القرار 46/86 الذي أعدم مضمون القرار 3379

إن مواقف الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوربية ومن يناصر الحركة الصهيونية، "النازية الجديدة"، في عنصريتها وجرائمها وممارساتها واحتلالها وعدوانها المستمر على الفلسطينيين، لا يمكن أن تغير من حقيقة أن الصهيونية حركة عنصرية بامتياز، وأن عنصريتها ليست طارئة ولا مرتبطة بحدث عابر أو موقف سياسي مستجد، بل هي عنصرية مستمدة من تعاليم وقيم دينية وثقافية موغلة في التكوين الفكري والثقافي والنفسي والاجتماعي.. فالتمييز الكريه وادعاء تفوق اليهود العرقي والأخلاقي، بل الادعاء بتميّزهم عن كل البشر " الغوييم"؟! وارد في عمق الفلسفة الدينية والفكرية. وكل ذلك ادعاء وافتراء وكذب في كذب، والحقيقة هي نقيضه تماماً في كل واقعة ومفصل تاريخي.. فمثلاً.. لا يوجد من هو مجرد من الأخلاق في أدائه وممارساته وجرائمه كالجيش الصهيوني ومع ذلك يتشدق قادته بالأخلاق.. ودماء أطفال مذابحه وآخرها مذبحة غزة ما زالت تنزف؟!.     

 الصهيونية صهيونيتان دينية وسياسية أو علمانية، وكلاهما موغلة في العنصرية وكراهية الآخرين وادعاء التفوق والكذب، وزج خالق البشر ـ تنزه الله سبحانه عن ذلك ـ في تميزهم، وتصنيع كذبة " شعب الله المختار" وترويجها. وأدبياتهم تؤكد ذلك..

يقول الحاخام "اباربانيل" :"خلق الله الأجنبي على هيئة الإنسان ليكون لائقاً لخدمة اليهود الذين خُلقت الدنيا لأجلهم، لأنه لا يناسب لأمير أن يخدمه ليلاً نهاراً حيوان وهو على صورته الحيوانية، فإذا مات خادم اليهودي أو خادمته، وكانا من المسيحيين فلا يتوجب عليك أن تقدم له التعازي بصفة كونه فقد إنساناً، ولكن بصفة كونه فقد حيواناً من الحيوانات المسخرة له".

وفئة هذه نظرتها للآخرين لا يُستغرب منها أي فعل أو منطق أو سلوك يسخر من منطق الآخرين وعقولهم وحقوقهم ورؤيتهم للأمور. لقد رأى اليهود أنفسهم دائماً على هذه الصورة، وربما كان هذا تمثّلاً منهم لعقيدة صنَّعوها، فرأوا "يهوه" من منظورها يشجعهم على أن يكون كل حقد وطمع وتعصب وعنصرية ضد الآخرين.. جزءاً من تكوين مقدس ومشروع متفوق لليهودي. وقد ثبَّت مؤرخوهم ومفكروهم وكتابهم ذلك من دون حياء، فها هو سيمون دفنون المؤرخ اليهودي (1860-1941) يقول: "اليهودي إنه مخلوق فريد له طبيعة أزلية، وتراث حضاري مستقل عن التراث الإنساني".. فلندقق في كل كلمة مرت في هذا المقتبس ونحن واجدون نتن التعصب والعنصرية ووهم التفوق الخَلْقي يفوح منها.

أما استباحتهم لدماء الفلسطينيين وكل مقدساتهم وما يملكون، بعد احتلال وطنهم، وأكاذيبهم لتي روجوها عن " أرض بلا شب"، وعن حق هم في فلسطين.. وكيف يرسخ وجودهم.. فيبين نهجها وأبعادها منطق عنصري يفلسفه، دينياً وأخلاقياً، جاكوب كاتز الذي يقول: "إن الصعوبة الرئيسة بالنسبة للمجتمع اليهودي في هذا الإطار تكمن في الحقيقة التي مؤداها أن شرائع التلمود وتقاليده الأخلاقية كانت تفترض وجود مستوطن يهودي أصلي وجهاً لوجه أمام غرباء وثنيين غير مرغوب فيهم ويقيمون بين ظهراني اليهود، كما أن إقامة الاتصال مع هؤلاء قد تجر إلى الخطيئة والإثم، لذا جرى اعتبار الإقدام على طرد هؤلاء وحتى القضاء عليهم بمثابة "واجب مقدس". فاضطهاد اليهودي  للآخرين ونهبه لأرضهم وخيراتهم، وقتله لهم، مؤسَّس على اعتقاد "ديني" يرى أن دم "الغوييم" -أبناء الشعوب من غير اليهود- وأموالَهم وأعراضَهم وأراضيهم حلال له، ويرى أن رضا "يهوه" مرتبط بإقدام جنوده على سحق الآخرين وإبادتهم والتلذذ بآلامهم، ويرى أن كل ما تطؤه أقدام جنود " يهوة"هو ملك تام لصهيون"، وكل ما يمارسه اليهودي في سبيل الوصول إلى أغراضه وأهدافه، ولو كان في منتهى القذارة والخسة، هو عمل يبيحه "الدين" وتبيحه الشريعة وتحض عليه "الأخلاق" اليهودية!. ويجد أن الكذب على الآخرين والتزييف والتزوير.. إلخ.. كلها أفعال مشروعة ومنطقية جداً ومطلوب القيام بها، بل هي مباركة، ما دامت تؤدي إلى وصول اليهودي إلى امتلاك أرض الآخرين وإبادتهم وتحقيق نصر وتفوق عليهم. وكل ذلك مؤسس، كما أسلفت، على اعتقاد راسخ بالحق والشرع، كما يفهم الشرع والحق يهودٌ -صهاينةٌ، أو الصهاينة اليهود.

لقد أكد مؤتمر دربن 2 على أن الهولوكوست لا يمكن أن يُنسى، وتلك دجاجة اليهود التي تبيض ذهباً، وذريعتهم في استمرار اضطهاد العرب بتغطية غربية شاملة. فهم يرون أن على أوربا التي اضطهدتهم أن تحميهم عندما يضطهدون العرب.. وذلك منطق عجيب.. ولكنه يعبر عن سقوط أخلاقي ونهج استعماري متأصل، وشراكة من نوع عنصري ما. 

يقول إيلي فيزل، مروِّج بضاعة "الهولوكوست" في الولايات المتحدة الأميركية:

"معاقب دائماً وبريء دائماً" ذلك هو عبء أن يكون المرء يهودياً". ويقول دعاة الصهاينة: "الهولوكوست متعذرة على التفسير لأنها فريدة، وهي فريدة لأنها متعذرة على التفسير."، فانظروا إلى عبقرية هذا المنطق.. الذي لا يفسره إلا النزوع العنصري البغيض ولا يقبله إلا العقل المشبع بالغفلة والتخلف، ولا ينم إلا عن نفسية غير سوية تعيش خارج التاريخ. ذلك لأن من يريد أن يكون مهووساً بالفَرادة العنصرية .. فهو فريد في الجنون.

وإذا كان من المستهجن أن يقول اليهود هذا الكلام ويروّجون له في أنحاء العالم، ويفرضونه على منظمات وسياسات دولية.. فمن المستهجن بصورة أشد ألا نقول نحن العرب ما ينصفنا من الظلم الواقع علينا من جراء ما لحق وما يلحق بنا من عدوان وقهر وتدمير وموت واقتلاع جذور من أرضنا التاريخية على يد الصهيونية وشركائها أو أتباعها.

قال المسيطرون على دربان 2 في بيانهم الختامي " إن الهولوكوست لن ينسى أبداً" والنتيجة أنه علينا نحن العرب أن ندفع ثمن العنصرية الصهيونية التي تحلب الهولوكوست صباح مساء وتقوم بأبشع الأفعال تحت مظلته؟!. وإذا كان من حق اليهود أن يجددوا الذاكرة اليهودية وغير اليهودية بالهولوكوست، فلماذا لا نكون مع تجديد ذاكرتنا العربية بالمحارق " هولوكوست" التي ارتكبتها الصهيونية وما زالت ترتكبها ضدنا!؟ ولماذا لا نكون مع أنفسنا ومع الحقيقة في هذا المجال؟! وإننا نتساءل لماذا لا يكون من حق الأفارقة السود أن يقيموا متاحف تذكر بالمذابح التي تعرضوا لها، وتذكر بطريق الموت أو طريق الآلام، وبما ارتكب بحقهم من جرائم، وبمعاناتهم من ظلم الرق والتمييز العنصري الأميركي؟! لماذا لا يكون لهم متحف أو أكثر بينما يوجد لليهود في كل مدينة أميركية كبيرة " ياد فاشيم"؟ ولم لا يكون في هذا العالم صوت مع الحقيقة وضد الظلم، صوت مسموع ينادي بالمساواة بين بني البشر؟

 لقد أثبت مؤتمر ديربان 2 في جنيف بؤس المنظمة الدولية وتبعيتها للأقوياء الذين يتسلطون على العالم.. وأكد ضرورة إجراء تغيير جذري في تمثيل الأمم ودورها ومكانتها وتعبيرها عن مواقفها بحرية واحترام، من دون أن تدفع " فواتير" سياسية واقتصادية باهظة نتيجة ذلك، ومن دون مظلة ظالمة تحتاج إليها أو تستظل بها، وهي مظلة تضفي عليها وعلى العالم قتامة الظلم وكآبة الرؤية وبؤس التبعية والتمييز.

  

انشر عبر