شريط الأخبار

"الرصاص المصهور": الاثار الاقليمية* ..بقلم: د. أفرايم كام**

02:18 - 30 تموز / أبريل 2009

 

"العالم العربي في فوضى كبيرة جدا"

عمرو موسى الامين العام لجامعة الدول العربية، 16 كانون الثاني 2009

 

        ابرز وجوه رد العالم العربي على عملية "الرصاص المصهور" هي الشقاق والضعف. لم تعرف الدول العربية كيف تتحد وتتفق على عمل مشترك يؤثر في التطورات في قطاع غزة، وقررت في نهاية العملية فقط، في مؤتمر القمة الاقتصادية في الكويت، تخصيص سلة مساعدة مقدارها مليارا دولار لاعادة بنائها. آنذاك إذن لم تحدد لمن تحول المساعدة في الجانب الفلسطيني؛ فالجهات المتطرفة طلبت تحويلها الى حماس، وعارضت مصر والسعودية ذلك. أبرز اجتماع القمة الطارئة للزعماء العرب في الدوحة في قطر، الذي رمى الى صوغ سياسة مشتركة من الازمة، ابرز الشقاق: فما يقرب من نصف الدول العربية لم تشارك في المؤتمر وعلى رأسها دول مركزية مثل مصر والسعودية والاردن؛ ولا يقل عن ذلك اهمية ان ابا مازن تهرب من تمثيل الفلسطينيين في المؤتمر ومثلهم قادة حماس والجهاد الاسلامي. كذلك فشلت محاولة السعودية ان تجمع في الرياض ممثلي دول الخليج لصوغ موقف مشترك معها من موضوع مساعدة غزة.

        ليست مظاهر ضعف العالم العربي جديدة ولا مفاجئة. فمنذ جيل يصعب على العالم العربي صوغ موقف وعمل مشترك من قضايا رئيسة في جدول عمله إثر اختلافات في الرأي ومصالح متضاربة بين الدول. في قضية غزة، الخط الذي يقسم العالم العربي يمر من طريق العلاقة بحماس. ان اكثر الدول العربية، وبيقين اكثر الدول العربية المعتدلة، تتحفظ من سلوك حماس وسيطرتها على غزة، وتراها جهة متطرفة خطرة عليها ذات صلة بايران، ومنضمة الى المحور الشيعي – المتطرف الذي يهددها، وتثور الساحة الفلسطينية وتمنع التقدم نحو تسوية اسرائيلية – فلسطينية. وكان اكثرها معنيا – من غير ان يعترف بذلك علنا – ان توجه اسرائيل ضربة شديدة الى حماس وان تضعفها كما كانت معنية بتوجيه ضربة شديدة الى حزب الله في 2006. بمقابلة ذلك فانهن يعطفن على ضائقة الفلسطينيين في القطاع، ويتأثرن بالروح العام والمظاهرات في الشارع العربي، ويرين من الواجب عليهن مساعدة الفلسطينيين في معاناتهم.

        توجد مصر على رأس المعسكر المعتدل في قضية العلاقة بحماس وهي التي ارادت ذات مرة ان تبرز زعامتها ازاء المجموعة المتطرفة في المعسكر العربي، تلك الزعامة التي تدهورت فترة طويلة نسبيا. يرى النظام المصري، اكثر من كل حكومة عربية اخرى حماس عدوا وتهديدا بسبب علاقتها بـ "الاخوان المسلمين" الذين يشكلون اكبر تهديد للنظام. وهو يرى حماس من رعايا ايران التي تريد اقامة معقل ثان على شاطىء البحر المتوسط يضاف الى المعقل الذي اقامته في لبنان. يرى المصريون اقامة كيان لحماس يتصل بايران وحزب الله على حدود مصر امرا خطرا يحدث احتكاكا بينها وبين اسرائيل. وهم يعارضون الدخول غير المراقب للفلسطينيين ونشطاء حماس من قطاع غزة الى سيناء حيث اصبح يوجد فراغ امني مشكل قد يستغل للعمليات الارهابية. لهذه الاسباب خرج قادة مصر على نحو بارز لا مثيل له من قبل معارضين سلوك حماس، والى جانب النقد الموجه الى اسرئيل القوا مسؤولية التدهور عليها ايضا. رفضت مصر ايضا مطلب حماس فتح معبر رفح الا اذا كانت السيطرة عليه بيد السلطة الفلسطينية ومراقبين اوروبيين على نحو يتفق واتفاق المعابر في 2005. بهذه ارادت مصر أن تقوض مكانة حماس كحكومة شرعية ومكانة القطاع ككيان سياسي مستقل عن السلطة الفلسطينية. من أجل ذلك كانت مصر مستعدة لان تتخذ علنا خطوات فيها شيء من التعاون مع اسرائيل على حماس.

        من الجهة الاخرى توجد ايران وسورية وحزب الله، التي تتخذ موقف التأييد التام لحماس. تقود ايران التي زاد تدخلها في قطاع غزة منذ بدء الانتفاضة الثانية هذه المجموعة، في سعي الى التأثير في الساحة الفلسطينية، لتضم اليها المنظمات الفلسطينية ولا سيما الاسلامية، ولتغذية الكفاح المسلح لاسرائيل. من أجل ذلك تمنح ايران المنظمات الفلسطينية مساعدة واسعة بالمال والسلاح والمعدات العسكرية والتدريبات، مع استغلال احتياجهم لمساعدات خارجية. العلاقة بين ايران وحماس في المجال العسكري والمالي توثقت ولا سيما بعد سيطرة المنظمة على السلطة في قطاع غزة لان حماس شبه المعزولة بحثت عن طرق للتسلح ولتجنيد موارد مالية، وكانت ايران حاضرة لذلك.

        في عملية "الرصاص المصهور" اراد محور ايران – سورية – حزب الله توسيع تأثيره في الساحة الفلسطينية عامة وفي القطاع خاصة، بتعزيز قوة صمود حماس في مواجهة اسرائيل، وتعزيز مكانتها ازاء السلطة الفلسطينية وتقويض مكانة مصر كالجهة العربية الرائدة وكالجانب الرئيس الذي يتوسط بين حماس واسرائيل والجهات العربية. ولما كان اكثر الحكومات العربية يتحفض من حماس وسلوكها، فان الطريق الرئيس الذي اراد به المحور المتطرف التأثير في الاحداث في خلال القتال قد كان تحريض الجماهير في الشارع العربي – التي أظهرت مناصرة للفلسطينيين، وتأثرت بالمشاهد الصعبة التي بثتها قنوات التلفاز من القطاع – على الحكومات المعتدلة لاضطرارها الى المس بعلاقتها باسرائيل ومساعدة حماس.

        الى جانب هذه الدول برزت ايضا تركيا بانتقادها الشديد لاسرائيل. ففي ظل مظاهرات في الشارع معارضة لاسرائيل قاد رئيس حكومة تركيا رجب الطيب اردوغان الخط المعادي لاسرائيل إ        ذ اتهم اسرائيل بقتل الاولاد، واثار فكرة ان يوزن طردها من الامم المتحدة، واقترح على ادارة اوباما ان تفحص من جديد عن تعريف المنظمات الارهابية، ويمكن أن ندرك انه قصد حماس وحزب الله. ارسل اردوغان ايضا مستشاره كمراقب لمؤتمر قمة المعسكر المتطرف في الدوحة. سبب سلوك تركيا هذا غير واضح بقدر كافٍ: أنبع من احتمال حكومة تركيا الحالية برفع مكانة دولتها في الشرق الاوسط وفي العالم العربي؟ أيتصل برؤيتها المجال الاسلامي ميدانها المنزلي؟ أينبع من تصورها لحماس منظمة شرعية؟ أم أن الانتخابات البلدية القريبة في تركيا وتوقع الحزب الاسلامي ان الشارع التركي يؤيد الخط المعارض لاسرائيل في توجه اردوغان قد اثر في ذلك؟ على اية حال اصبحت القضية تثقل على علاقات اسرائيل بتركيا، وبقي ان نرى الى أي حد سيكون من الممكن اصلاح الضرر.

        في نهاية الامر، كان لدول المحور المتطرف تأثير ضئيل في مسار المواجهة في القطاع لان الخيارات التي ملكتها كانت ضئيلة ولان التقدير الاعلى في نظرها كان الامتناع عن اتخاذ خطوات مخاطرة بالنسبة اليها. ان المظاهرات في الدول العربية المعتدلة التي نظمتها في الاساس جهات اسلامية او فلسطينية، لم تكن طويلة وحاشدة ولم تخرج من حد السيطرة عليها. وقد عبرت في الاساس عن تأييد لضائقة الفلسطينيين لا لحماس. وهكذا، وبسبب ضعف العالم العربي ولان حماس غير محبوبة في اكثر الدول العربية، وجدت حماس والسكان الفلسطينيون انفسهم خاضعين لضغط ثقيل من اسرائيل مدة ثلاثة اسابيع، من غير أن يجد العالم العربي طريقة لمساعدتهم مساعدة حقيقية.

        يبرز فشل ايران بروزا خاصا. فقد بذل الايرانيون جهودا كبيرة، على نحو مباشر وبوساطة حزب الله، لبناء حماس كمنظمة عسكرية قادرة على الصمود لهجوم من اسرائيل واحداث خسائر ملحوظة للجيش الاسرائيلي في اثنائه، لكن في امتحان الفعل فشلت حماس، من الجهة العسكرية على الاقل، من غير ان تنجح ايران في مساعدتها، سوى تسجيل سبعين الف طالب تطوعوا للقتال في غزة وبقي هذا التسجيل حبرا على الورق. واحجمت ايران ايضا عن استعمال الوسيلة الرئيسة التي تملكها لمساعدة حماس الا وهي تشجيع حزب الله فتح جبهة اخرى مواجهة لاسرائيل في لبنان. بيد أن الامر لم ينتهِ عند هذا الحد. فلا شك في أن ايران ستبذل جهودا كثيرة لتكون الجهة الرئيسة التي تساعد حماس على اعادة بناء القطاع، في المجال العسكري والمجال المدني، وينبغي أن نتوقع أن ايران ستحاول من أجل ذلك ان تنقل الى القطاع سلاحا ومعدات قتالية واموالا بمقادير كبيرة. والسؤال المفتوح هو الى أي حد ستنجح، بسبب الجهود المتوقعة لاسرائيل ومصر ودول غربية لسد مسارات تهريب السلاح وتحويل الاموال الى القطاع.

        برزت مصر على أنها اللاعب العربي الرابح من المواجهة في القطاع. فقد كانت محور الجهود لانهاء القتال في القطاع وصوغ التسويات بعده، وحج كبار المسؤولين الاوروبيين اليها من أجل تقديم هذه الجهود. وقد احتفظت بمكانتها على أنها الوسيط الرئيس بين اسرائيل وحماس، التي بقيت متعلقة بمصر برغم التوتر بينهما. مع ذلك فان حقيقة أن قطر – التي هي على نحو عام دولة معتدلة لها علاقات باسرائيل وان تكن ذات صلة بالمعسكر المتطرف – عقدت في الدوحة مؤتمر قمة جزئيا غلب عليه المتطرفون، تدل على حدود قوة مصر في العالم العربي بل في المعسكر المعتدل. فضلا عن ذلك يجب على مصر لتظل عاملا رئيسا في علاج الوضع في القطاع ان تثبت لمهمات غير سهلة في المستقبل: ان تضائل جدا التهريبات الى القطاع؛ وان تمنع تدخلا كبيرا من ايران في اعادة بناء القطاع؛ وان تساعد في استمرار التهدئة على الارض؛ وان تحاول المصالحة بين حماس وفتح.

        وفي النهاية، المعنى الاقليمي بالنسبة لاسرائيل. لا شك في أن كراهية اسرائيل زادت في العالم العربي في إثر العملية في القطاع . فقد جمدت دولتان عربيتان ذواتا علاقات باسرائيل – قطر وموريتانيا – هذه العلاقات. وبرز في قمة الدوحة الخط المعادي لاسرائيل، وفي ضمنه الدعوة الى الغاء المبادرة السلمية العربية في سنة 2002، وان لم تكن الغيت في الواقع لانها لم تصدق كقرار ولان قمة الدوحة لم تعتبر مؤتمر قمة عاديا. فضلا عن ذلك، لاسرائيل والمعسكر السني المعتدل مصالح مشتركة حقا وفي ضمنها صد المحور الشيعي – المتطرف، واضعاف حماس وحزب الله وتعزيز السلطة الفلسطينية، لكن هذه المصالح لم تفضِ حتى الان الى تعاون حقيقي بين اسرائيل وهذه الكتلة، بعقب التحفظ في العالم العربي من التعاون مع اسرائيل ولا سيما في قضايا عربية حساسة. لا ينبغي ان نفترض ان ينشأ تعاون كهذا في المستقبل القريب – سوى التنسيق المتوقع بين اسرائيل ومصر في قضية منع التهريب الى القطاع – وكذلك لن تساعد صورة اسرائيل السلبية في العالم العربي بعقب العملية في غزة على ذلك.

 

انشر عبر