شريط الأخبار

دروس المنظمات "الارهابية" العسكرية من المعركة في غزة* ..بقلم: يورام شفايتسر**

02:15 - 30 تشرين أول / أبريل 2009

أوقعت عملية "الرصاص المصهور" في غزة، والتي دامت ثلاثة اسابيع، ضربة شديدة بمؤسسات حكم حماس في غزة واجهزتها الامنية والعسكرية، وأضرت كما يبدو ايضا بسائر المنظمات الارهابية العاملة في غزة، مثل الجهاد الاسلامي والجهات المناصرة للجهاد العالمي. لا إمكان في هذه المرحلة لان نقدر بدقة مقدار الضربة التي تلقتها هذه المنظمات ومبلغ المس بقدرتها على العمل في المستقبل، لكن من الواضح ان الهدف الرئيس للعملية كان التأثير في سلوك حماس في المستقبل. بحسب تقديرات أولية لجهات الامن الاسرائيلية، يبدو ان حماس تلقت ضربة شديدة  لبنيتها التحتية ولقوتها المقاتلة. بحسب هذه التقديرات، دمر اكثر الانفاق التي استعملت لتهريب الوسائل القتالية والمعدات والمقاتلين. وفقدت حماس نحوا من 700 من مقاتليها وجرح كثير آخرون. فضلا عن ذلك تم المس ببنية انتاج الوسائل القتالية ومستودعات الصواريخ البعيدة المدى لديها. يبدو أن حماس برغم هذا المس بقيت ذات قدرة قتالية وتستطيع الاستمرار على اطلاق صواريخ القسام على بلدات في اسرائيل مجاورة لغزة واطلاق صواريخ جراد على بلدات ابعد، ويبدو أن المنظمات الاخرى ايضا تملك قدرة كهذه وان يكن ذلك على قدر أقل. مع ذلك سيتأثر قرار هذه المنظمات على الاستمرار في اطلاق الصواريخ على اسرائيل في المستقبل بقدر كبير بتقديرها المتصل برد اسرائيل وباعتبارات اخرى ايضا فلسطينية داخلية، وفي داخل المنظمات وبتدخل جهات خارجية.

        ان صورة قتال اسرائيل في اثناء العملية في غزة كشفت لهذه المنظمات عن حقيقة ان استعدادها ازاء التفوق العسكري الواضح لاسرائيل في الجو والبحر والبر لم يمكنها من تحقيق خططها الاصلية للمس مسا حقيقيا بجنود الجيش الاسرائيلي والجبهة الاسرائيلية الداخلية. كان مسها بالوحدات القتالية في الجيش الاسرائيلي ومقدار الخسائر من جنود الجيش الاسرائيلي اقل كثيرا من التقديرات السابقة لجهات الامن الاسرائيلية، ومن آمال وتصريحات حماس قبل نشوب القتال في غزة، بيقين.

        ان مقادير الاصابات التي وقعت لمواطني اسرائيل – برغم اطلاق نحو من 640 صاروخا ونحو من 24 قنبلة هاون على ارض اسرائيل، والتي اصاب بعضها في الاساس مدنا رئيسة في الجنوب مثل بئر السبع وعسقلان واسدود – كانت ضئيلة نسبيا وكان اساس اضرارها في الممتلكات وبأنها شوشت على رتابة الحياة في هذه المدن. ان تأثيرها في اتخاذ القرارات في اسرائيل وفي معنوية الجمهور في اسرائيل كان ضئيلا ان وجد اصلا. يمكن ان نفترض ان تصريحات النصر المعلنة عن قادة حماس لا تمنعهم ان يدركوا حاجة المنظمة الى الاستعداد للمعركة الاتية على نحو يساعدها على ان تجبي من اسرائيل ثمنا باهظا واشد ايلاما مما احرزت بسبب الفروق بينها وبين قوة الجيش الاسرائيلي وتفوقه الواضح والتي لا يتوقع ان تتغير في المستقبل القريب.  يبدو ان المنظمة ستضطر من اجل ذلك الى الملاءمة بين الاستراتيجية القتالية  وطرائق عملها والتزود بوسائل قتالية تمكنها من زيادة نجوع مس اصابتها للجيش الاسرائيلي وزيادة مدى اصابتها لمدن اسرائيل. بسبب خوف قيادة حماس من تحدي سلطة المنظمة وحدها في غزة فانه يتوقع ان تعمل المنظمة في الامد القريب في ان تعيد سريعا سيطرتها المدنية والامنية على القطاع، الى جانب بناء من جديد لقوتها العسكرية المتضررة. توجد شهادات على ذلك في الايام الاولى التي تلت اعلان الهدنة مع تقارير عن أن المنظمة نشرت قوات شرطة في شوارع غزة وانه جددت تهريبات الوسائل القتالية والاشخاص من سيناء الى غزة من طريق انفاق رفح، مع استغلال الفترة المرحلية الى أن يبدأ نشاط فعال من مصر لمنع التهريب بعقب التفاهمات التي تم احرازها مع اسرائيل.

        ولما كانت حماس ترى الحفاظ على قدرتها العسكرية وتطويرها اداة رئيسة في مواجهة اسرائيل ومنافسة السلطة الفلسطينية في الحكم، فانه يبدو أن نظام أولياتها العسكري في المستقبل القريب يتوقع أن يشتمل على ما يلي: أ. تنظيم من جديد لقوتها البشرية في اطر مقاتلة وتعيين قادة جدد بدل الذين اصيبوا. ب. اعادة بناء وحداتها العسكرية بتجنيد متطوعين جدد من سكان غزة. ج. شراء معدات ووسائل قتالية بكمية ونوعية محسنة (مثلا مدى اطلاق كبير يصل حتى مركز اسرائيل او اكثر من ذلك)، ومحاولة تهريبها الى غزة بشتى الوسائل الممكنة. د. توثيق التعاون مع ايران وحزب الله وسورية للحصول على تمويل، وتدريب ومعدات بدل التي فقدت. هـ. جهد مباشر او غير مباشر لتجبي من اسرائيل ثمنا دمويا باستعمال الارهاب، ولا سيما بواسطة نشطائها في يهودا والسامرة، للتعويض عن الفرق غير المحتمل من جهتها بين مقدار المصابين الكبير في الجانب الفلسطيني وذاك في اسرائيل، مع الحذر من الا يفضي ذلك الى رد عنيف عليها من قبل اسرائيل في غزة.

        من وجهة نظر الجهاد الاسلامي، واساس قوته واهتمامه الرئيس تنفيذ عمليات مسلحة فقط، لا يتوقع ان تغير دروس المعركة شيئا بالنسبة لاستراتيجية الكفاح التي توجهه. قد يستخلص افرادها دروسا تكتيكية تتصل بطرائق وحلبات العمل المفضلة ازاء اسرائيل. بسبب المصلحة المشتركة بين المنظمة وراعيتها ايران وحزب الله في احباط الجهد السياسي الدبلوماسي الكبير بعقب المعركة في غزة، والذي يرمي الى الاتيان بتهدئة متصلة للعنف وتجديد التفاوض السياسي بين اسرائيل والفلسطينيين، يتوقع ان يحاول الجهاد الاسلامي ان يجدد في أسرع وقت ممكن عمليات انتقامية في غزة، ولا سيما في يهودا والسامرة حيث يتركز اساس بنيته التحتية. من المحقق ان تحاول المنظمة تجديد محاولاتها للمس باسرائيل نفسها، وقد تحاول توسيع ذلك الى جبهات اخرى مثل لبنان وسيناء او القيام باعمال انتقام في الخارج اذا سمحت ايران بذلك وساعدت عليه.

        ان جهات الجهاد العالمي والقاعدة التي انتقدت الطريقة التي اختارتها حماس مع دخولها الميدان السياسي، ورأتها فشلا معلوما منذ البداية ستحاول ان تبني نفسها من التأثير الشديد للمعركة في سكان غزة وزيادة تجنيدها لمتطوعين جدد لصفوفها. قد يعبر عن احد دروس جهات الجهاد العالمي في القطاع بمحاولة توثيق صلاتها بشركائها خارج غزة وربما بالقاعدة نفسها وهي صلة لم تنجح حتى الان نجاحا حسنا. ان القاعدة التي تحاول منذ وقت بناء قواعد عمل مضادة لاسرائيل على حدودها، وفي ضمن ذلك زيادة تأثيرها في غزة تتوقع تغير سياسة حماس التي منعت حتى الان تعزيز مواقعها في القطاع ونشاطا حرا لمؤيديها في مواجهة اسرائيل. ولما كان تغير كهذا غير متوقع في الوقت الحالي فستضطر جهات الجهاد العالمي الى الاكتفاء باستغلال الفترة المرحلية حتى تثبيت تسويات الهدنة في الجنوب، للمس باسرائيل بواسطة عمليات كالتي حدثت في الحادثة التي قتل فيها جندي وجرح ثلاثة (في السابع والعشرين من كانون الثاني 2009) او اطلاق نار متفرق من غزة، وربما توسع في المستقبل نشاطها قدر استطاعتها – الى سيناء او يهودا والسامرة او داخل اسرائيل، بواسطة سكان محليين او حتى بواسطة ادخال نشطاء من الخارج. في الختام يمكن أن نقول انه بالرغم من أنه لم يمر بعد وقت كاف لتقدير عمق تأثير المعركة في غزة بالسلوك المتوقع للمنظمات الارهابية فيها ازاء اسرائيل، فان من الواضح بانه بالرغم من الضربات التي تلقتها، فانها ستعمل في اعادة بناء قدرتها العسكرية في اسرع وقت ممكن. وذلك للبرهان على أن قدرتها على الاستمرار في مضايقة اسرائيل وايلامها بالارهاب لم تقل. ان الفرق الذي لا يحتمل في الخسائر بينها وبين اسرائيل يتوقع ان يحثها على محاولة تنفيذ عمليات قتل كثيرة المصابين، وفي ضمنها محاولات من قبل بعضها لان تنفذ قدر استطاعتها عمليات انتحارية يتعلق منعها في الاساس بقدرة اسرائيل على احباطها. ان تجديد اطلاق النار المستمر من غزة، بعد الفترة المرحلية، حتى تثبيت الهدنة في الجنوب، مشروط بقدر كبير بالانجازات التي تحققها حماس نتيجة التوسط المصري وعلى رأسها فتح المعابر، وبتقديرها لمقدار العقوبة المتوقعة لسكان غزة ولها اذا عادت هي او سائر المنظمات في غزة الى نقض التهدئة في الحدود الجنوبية لاسرائيل. سيكون لردود اسرائيل ومقدار تصميمها على أن تمنع عمليا العودة الى الوضع السابق الذي ساد حدودها الجنوبية، الى جانب مساعدة مصر والجهات الدولية المشاركة في اتفاق الهدنة في منع التسلح الكثيف من جديد وتجديد اطلاق النار من غزة، وزن حاسم في صوغ صورة الوضع في الحدود الجنوبية لاسرائيل في السنين القريبة.

        ان استمرار النشاط الارهابي للمنظمات الفلسطينية في مواجهة اسرائيل في سائر المناطق هو واقع ربما تغيره تسوية سياسية شاملة فقط.

 

انشر عبر