شريط الأخبار

المعركة في غزة والمنظومة الفلسطينية* ..بقلم: شلومو بروم**

02:13 - 30 حزيران / أبريل 2009

احد الجوانب المثيرة للاهتمام في القتال في غزة كان سلوك السكان الفلسطينيين في الضفة. صحيح انه كانت هناك مظاهر للاحتجاج العام، ولكن حجمها كان صغيرا نسبيا، حتى بالقياس الى مظاهر موازية في الغرب وفي العالم العربي وحتى اذا ما نظرنا الى شدة مظاهر القتل والدمار كما انعكست في قنوات التلفزيون العربية قوات امن السلطة الفلسطينية ساهمت في تخفيف حدة الاحتجاجات في توجيهها لمظاهر الاحتجاج الى اماكن لا يكون فيها احتكاك مع محافل الامن الاسرائيلية، ولكن منذ البداية لم يكن حجم المشاركة في الاحتجاج كبيرا. يبدو انه كان لهذا سببان اساسيان؛ الاول – المشاركة الهزيلة نسبيا عكست مزاج الفلسطينيين، الذين تعبوا من الكفاح المتواصل عديم الجدوى وفهموا انه لحق ضرر جسيم بالشعب الفلسطيني في اعقاب اعمال حماس العابثة التي قدرت على نحو غير سليم الرد الاسرائيلي؛ والاخر – عكس الضرر الشديد في البنية التحتية السياسية لحماس في هذه المنطقة. وقد نبع هذا الضرر من بعض الهبوط الذي حل بالتأييد لحماس بسبب سيطرتها بالقوة على قطاع غزة وفشلها في تحسين حياة السكان في غزة، ولا سيما من آثار عمليات السلطة الفلسطينية واسرائيل ضد البنى التحتية الاقتصادية والسياسية لحماس في مناطق الضفة. وهكذا، ضمن امور اخرى، يتواجد عدد لا بأس به من النشطاء السياسيين لحماس قيد الاعتقال، ونجحت السلطة الفلسطينية في السيطرة على قسم كبير من المساجد التي عملت فيها حماس وصودرت املاك اقتصادية لها. في ظل غياب بنية سياسية تؤدي عملها كان من الصعب على حماس ان تحرك الجماهير في اعمال احتجاج.

        وكان هنالك تعبير آخر عن ضعف حماس في يهودا والسامرة هو فشلها في تحقيق تهديداتها بتنفيذ عمليات صعبة من الضفة الى اسرائيل. لم تنجح حماس حتى في تنفيذ عملية كبيرة واحدة في اثناء القتال، وكانت العمليات القليلة التي تمت في هذه الفترة عمليات مرتجلة لفلسطينيين قرروا من تلقاء انفسهم احداث عمليات بوسائل مرتجلة (السكاكين والاحراق وما اشبه). بعد وقف القتال تمت عملية اطلاق نار واحدة ليس واضحا هل هي عملية لحماس. يمكن ان نستنتج من ذلك ان بنية عمليات حماس التحتية قد حطمت بعمليات قوات الامن الاسرائيلية الكثيفة في السنين الاخيرة، وفي المدة الاخيرة ايضا بعمليات قوات امن السلطة الفلسطينية. لا يعني ذلك انه لا تعمل حتى الان بعض الخلايا لحماس لكن قدرتها محدودة.

        يصعب في هذه المرحلة ان نقدر كيف ستؤثر الجولة الاخيرة من المواجهة في غزة بين اسرائيل وحماس في القوة السياسية النسبية لحماس ولفتح برئاسة محمود عباس. فمن جهة من المحتمل أن يدرك الفلسطينيون في غزة وخارجها الضرر الذي سببته لهم حماس، وان يدركوا ان وضع الفلسطينيين تحت سلطة عباس افضل، وكذلك احتمالات تحسن آخر في المستقبل افضل. هذا الادراك قد يفضي الى انخفاض تأييد حماس وزيادة قوة عباس وفتح. من جهة اخرى بدا عباس والسلطة الفلسطينية في اثناء القتال كمتعاونين مع اسرائيل وغير ذوي صلة، أما حماس فأظهرت مرة اخرى انها الجهة الوحيدة المستعدة لمواجهة اسرائيل وعدم الاستسلام برغم الضحايا الكثيرة. قد تكون هذه الصورة لحماس تضررت بقدر ما لانها لم تنجح في تحقيق تهديداتها الكثيرة وسببت ضررا قليلا فقط لاسرائيل. لكنها ما تزال قوية. منذ نهاية العملية تحاول حماس ايضا تعزيز الصورة وتقوية ادراك انها انتصرت في هذه الجولة لانها لم تستسلم وبقيت واقفة على رجليها، وبهذا "اضطرت" اسرائيل الى وقف القتال. اذا لم تزد حماس جهودها لوقف النشاط العنيف من القطاع فستكون تلك علامة على ان افراد حماس ربما يعتقدون ان هذه هي صورة الوضع الحقيقية. ما زال من غير الوضح ماذا سيكون التوازن بين هذه العوامل التي تجتذب الى اتجاهات مختلفة. على اية حال حتى لو وجد انخفاض آخر لمقدار تأييد حماس فان من المحتمل ان تتمتع بعد بتأييد جزء كبير من السكان في قطاع غزة ويهودا والسامرة ايضا. ومن المنطقي افتراض انه حتى لو وجه نقد شديد لحماس في غزة بسبب العملية، فان ذلك لن يضر بسيطرة حماس على القطاع، وسيخاف المنتقدون التعبير عن انتقادهم ومن المحقق انهم لن يثوروا على حماس.

        ساعد القتال في غزة عباسا على ان يتجاوز بسلام التاسع من كانون الثاني، الذي انتهت فيه بحسب تفسير حماس وتفسيرات جهات قضائية فلسطينية كثيرة مدة ولايته رئاسة السلطة الفلسطينية. من المعقول ان تجدد حماس بعد أن تفيق من صدمة القتال في غزة هجومها الكلامي على عباس في هذا الموضوع، لكن من المشكوك فيه أن يكون لذلك تأثير حقيقي يضعضع سلطة عباس.

        وسؤال آخر هو ماذا سيكون تأثير التطورات في غزة في تقدم الحوار بين فتح وحماس. كان الحوار عشية القتال عالقا بسبب عدم اهتمام حقيقي من الطرفين بتقدمه. تحاول مصر، كجزء من التسويات مع انتهاء القتال، ان تفضي الى تجديد الحوار، لكن من المشكوك فيه أن يتم حوار حقيقي كهذا في الاشهر القريبة. لم تكن حماس معنية بالحوار قبل القتال لانها فضلت اجراءه من موقف قوة وقدرت انه بعد انقضاء مدة ولاية عباس في التاسع من كانون الثاني سيكون في موقف كهذا. الان عندما ظهر زيف آمالها ووجدت نفسها في موقف ضعف، يشك في أن تكون معنية بالحوار.

        عندما نريد أن نفحص عن التأثيرات الممكنة للمواجهة في غزة في المسيرة السياسية مع الفلسطينيين، ينبغي أن نتذكر ان عاملا مؤثرا رئيسا سيكون الوضع في قطاع غزة في الفترة التي تلي هذه المواجهة. اذا كان قد نشأ حقا ميزان ردع جديدا مع حماس يصعب عليها تجديد اطلاق النار من غزة، واذا كانت الترتيبات مع اطراف ثالثة، ولا سيما الولايات المتحدة ومصر ستصعب على حماس اعادة بناء قوتها فمن المحقق انه يمكن افتراض ان يسود استقرار وهدوء نسبي لفترة طويلة جدا في هذه المنطقة. ان نجاح مصر في محاولتها التوسط بين اسرائيل وحماس والتوصل الى تسوية تقوي وتعزز الهدنة قد يسهم اسهاما آخر في احداث هذا الوضع المستقر. قد يساعد هذا الاستقرار في تجديد المسيرة السياسية مع الفلسطينيين وفي التعجيل بها. ان عباسا قد علق الاتصالات باسرائيل بسبب القتال لانه كان مضطرا ازاء جمهوره الى أن يظهر الغضب على اعمال اسرائيل. لكن من المحتمل أن يريد تجديدها عندما ينقشع غبار العملية. ينبغي افتراض ان تنشأ في هذه المدة حكومة جديدة في اسرائيل وسيساعده هذا ايضا على فتح صفحة جديدة. سيكون اسهل على الطرفين اجراء مسيرة سياسية مع وجود هدوء امني. من هذه الناحية يسهم ضعف حماس في يهودا والسامرة في امكان تقديم مسيرة سياسية.

        اذا ظهر وهم توقعات الاستقرار في قطاع غزة واستمر اطلاق الصواريخ القليل ومحاولات اتمام عمليات على طول الجدار، فمن المعقول ان تحاول اسرائيل في البدء الاتيان بتهدئة بهجمات جوية تجبي ثمنا اعلى مما كان في الماضي. واذا لم يساعد هذا فمن المحتمل أن تدخل اسرائيل في سلسلة طويلة من عمليات عسكرية اوسع في قطاع غزة تكون الغاية منها الاستمرار على اضعاف حماس اكثر واحراز حرية عمل لقوات الامن الاسرائيلية في القطاع كله. يوجد في هذا السيناريو خطر ان يحل محل سيطرة حماس على غزة فوضى وغياب حكم مركزي كما حدث في يهودا والسامرة بعد عملية "السور الواقي". وقد لا يوافق عباس في هذه الحالة على العودة الى قطاع غزة معتمدا على الحراب الاسرائيلية. على اية حال استمرار القتال سيجعل من الصعب على الطرفين اجراء تفاوض جدي، وان ينتهي الى نجاح والى تحقيق الاتفاق حتى لو ارادا ذلك ايضا. في سيناريو كهذا ستضطر اسرائيل الى ان توازن بين تجديد سلطتها العسكرية في القطاع والفوضى.

        تشتمل المسيرة السياسية التي بدأت بعد لقاء انابوليس على عاملين؛ التفاوض السياسي الذي هو مسار "من اعلى الى اسفل"، ومسيرة بناء قدرات السلطة الفلسطينية، ولا سيما القدرات الامنية وهي مسار "من اسفل الى اعلى". ان ضعف حماس سيجعل من الصعب عليها ان تشوش على مسيرة بناء قدرات السلطة الفلسطينية، لكن الصورة التي نشأت للتعاون مع اسرائيل ستضر بشرعية قوات الامن الفلسطينية عند الجمهور الفلسطيني. سيكون من الواجب عليها ان تتخذ خطوات تثبت اسهامها في المصلحة الفلسطينية ورفاهة السكان لاضعاف هذه الصورة.

        ثمّ سؤال آخر له تأثير ممكن في تطور المسيرة الاسرائيلية – الفلسطينية في أمد أبعد وهو ماذا سيكون تأثير المعركة في غزة في التطور الداخلي داخل حماس؛ ماذا ستكون علاقات القوة الداخلية وهل سيوجد تشديد للمواقف أم يتحقق امكان زيادة المرونة وتغيير المواقف. من جهة قد تفضي التكاليف التي دفعتها حماس الى مسار اعتدال يزيد فيه قوة الجهات السياسية لحماس في غزة ويهودا والسامرة ازاء الذراع العسكرية في غزة والقيادة الخارجية في دمشق، ومن جهة اخرى قد يفضي الشعور بالغضب والاحباط عند حماس، ولا سيما اذا شعروا بان نتائج القتال تساعد في تعزيز الحصار والضغط عليهم، الى زيادة التطرف وزيادة قوة الذراع العسكرية. يجب أن نفكر ايضا في أن سيطرة القيادة في دمشق على الاموال والوسائل المنقولة لحماس ستستمر مع ما يعني ذلك بالنسبة لعلاقات القوى داخل حماس.

        حتى لو كانت نتائج القتال سهلة لاستمرار المسيرة السياسية فليس معنى ذلك ان توجد مسيرة سياسية معجلة في السنة القريبة لان القتال في غزة تزامن مع فترتين انتقاليتين سياسيتين في الولايات المتحدة واسرائيل، وسيكون لموقف ادارة اوباما وللحكومة الجديدة التي ستنشأ في اسرائيل تأثير حاسم في المسيرة السياسية الاسرائيلية – الفلسطينية. بدأت الصورة تتضح في الولايات المتحدة. فقد أعلن الرئيس الجديد اوباما انه ينوي تفضيل المسار الاسرائيلي – الفلسطيني تفضيلا كبيرا. وقد عين السيناتور السابق جورج ميتشل مبعوثا خاصا الى الشرق الاوسط، وأتى هذا لزيارة اسرائيل زيارة اولى. بمقابلة ذلك الصورة في الجانب الاسرائيلي اقل وضوحا. فالمواقف الاسرائيلية تتعلق بالائتلاف الذي سينشأ بعقب الانتخابات. قد يعزز القتال في غزة تأييد مواقف اكثر صرامة مع الفلسطينيين وموقف اولئك الذين يزعمون ان اسرائيل لا تستطيع ان تنقل مناطق اخرى الى الفلسطينيين لانها ستكون قاعدة لهجمات عليها. لكن في مقابل هذا يقوم الاداء الجيش للسلطة الفلسطينية في رام الله زمن الازمة، لكن ليس واضحا مبلغ تأثير هذه الحقيقة على الجمهور الاسرائيلي ومبلغ قدرتها على مضاءلة الاحجام عن تسليم الفلسطينيين مناطق اخرى.

انشر عبر