شريط الأخبار

"رصاص مصهور": الدبلوماسية العامة قيد الاختبار* ..بقلم: هيرش غودمان**

02:10 - 30 حزيران / أبريل 2009

فحص الدبلوماسية العامة لدولة اسرائيل في اثناء حملة "رصاص مصهور" وبعدها يبين فجوة مفعمة بالمفارقة بين السياسة الاعلامية التي خططت ونفذت بعناية في اثناء الحرب من جهة وبين نتائج هذه السياسة من جهة اخرى، والتي ظهرت كضارة جدا لصورة ومكانة دولة اسرائيل الدولية. ومع أنه لم يعبر الامر  عن نفسه بعد في أي ازمات دبلوماسية، الا ان المسائل حول عدم مراعاة اسرائيل لحقوق الانسان، الاستخدام الزائد للقوة، الشكاوى بشأن جرائم الحرب والهجمات على مباني المؤسسات الدولية توجد على جدول الاعمال الدولي. 

        مع أن آلة الدبلوماسية العامة عملت بلا شائبة قبل الحرب واثنائها، الا ان الوضع الباعث على الصدمة في قطاع غزة بعد الحرب حظي في الغالب بتجاهل المسؤولين عن الدبلوماسية العامة لاسرائيل. ففي إبان الحرب كانت علاقات اسرائيل بوسائل الاعلام خاضعة لرقابة متشددة، ولكن في صبيحة نهايتها، حين دخل المراسلون من العالم باسره الى قطاع غزة لم يكن بيد اسرائيل رسالة مقنعة كان بوسعها أن تعطي تفسيرا لحجوم الدمار، أو حتى تفسير منطقي لما كان في نظر العالم استخداما مبالغا فيه للقوة في ظل تجاهل المواثيق الدولية.

        فمثلا في حالة د. عز الدين ابو العيش، الطبيب المعروف من قطاع غزة وصاحب العلاقات الوثيقة في اسرائيل، والذي قتلت ثلاثة من بناته بقذيفة دبابة وجهت نحو منزله مباشرة. مرت اسابيع منذ الحدث، ولم يقدم بعد تفسير واضح لما جرى؛ المساعي المشتركة لوزارة الخارجية، الجيش الاسرائيلي وديوان رئيس الوزراء، والتي كانت واضحة جدا في اثناء المعركة، لم تعطي جوابا على الاسئلة المتكررة للصحافيين في هذا الموضوع.

        الرسائل التي نقلت الى وسائل الاعلام إبان الحرب كانت قاطعة، موثقة جيدا وجاهزة مسبقا، وبالمقابل، فان الاتهامات اللاحقة، والتي بموجبها اسرائيل مذنبة بجرائم حرب، لم تحظى بجواب مصداق ومركز. بدلا من ذلك، ردت الحكومة بعرض لمنح دفاع قانوني للجنود الذين سيتهمون بجرائم من هذا القبيل والرقابة العسكرية أمرت بتغطية وجوه الجنود في الصور. هاتان الخطوتان تأتيان للاشارة الى اعتراف بحكم الامر الواقع بالتهمة اكثر مما هو الى الدحض او الى طرح ادعاءات مضادة قوية ضد هذه الاتهامات. كان ينبغي المعرفة مسبقا بان مثل هذه الاتهامات ستطرح في اللحظة التي تصمت فيها المدافع. وكان مجال لاعداد المواد مسبقا من خلال توثيق تعليمات القادة للقوات قبل الدخول الى القتال حول استخدام القوة وامكانية أن يدفع الضحايا المدنيون الثمن؛ كان ينبغي اعداد وثائق قانونية واستعراضات لوسائل الاعلام حول وسائل الحذر المتبعة في هذا السياق. كان هناك مجال لان تطبق هنا ذات الحماسة التي وجدت تعبيرها في اعطاء التفسير لماذا اضطرت اسرائيل لمهاجمة مساجد في اثناء الحملة العسكرية. اسرائيل لم تطرح أي حجة مقنعة ضد الاتهامات حول الاستخدام المبالغ فيه للقوة او ارتكاب جرائم الحرب. يدور الحديث عن تغيير جوهري عن الشكل الواثق، المهني، المركز والناجع الذي عالجت به اسرائيل المواضيع الاشكالية إبان القتال نفسه، مما يطرح السؤال اذا كان المسؤولون عن الدبلوماسية العامة في حملة "رصاص مصهور" مركزين جدا على الحملة نفسها لدرجة اعطائهم القليل من التفكير لما كان يوشك ان يحدث في الصباح التالي، حين تتوقف الاعمال العدائية، ام ربما لم يعطوا على الاطلاق الرأي في هذه التطورات المحتملة.

        لا ريب ان المسؤولين عن الدبلوماسية العامة لدولة اسرائيل اعدوا أنفسهم لهذه الحملة بعناية. في مركز هذا الجهد كان تشكيل هيئة في ديوان رئيس الوزراء كلفت بمهمة تنسيق الدبلوماسية العامة بكل جوانبها. تطبيق الدروس التي استخلصت في الانتفاضة الثانية وحرب لبنان الثانية ادى الى أن يتميز الاعلام الرسمي في اثناء حملة "رصاص مصهور" بتعاون وثيق بين الجيش الاسرائيلي ووزارة الخارجية وديوان رئيس الوزراء، وكذا جرى تعاون في المعلومات في الزمن الحقيقي لمنح دعم للادعاءات التي نشرها الناطقون الاسرائيليون، كل ذلك انطلاقا من محاولة تقليص وحل مشاكل نشأت لاعتبارات امن المعلومات.

        سياسة الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي في حرب لبنان الثانية تميزت بالانفتاح، وقدر الامر في وقت لاحق كفشل (بما في ذلك من لجنة فينوغراد). وبالمقابل، ففي الاعداد لحملة "رصاص مصهور" قرر بان وسائل الاعلام لن تكون حاضرة في مناطق المعارك. وقد تم ذلك سواء انطلاقا من مصلحة الحفاظ على امن المعلومات ام كوسيلة "رقابة الرسائل" حول دوافع الحملة العسكرية واهدافها. فضلا عن هذا، كان هناك فهم بانه كلما انكشف العالم اكثر على صور الدمار في قطاع غزة، سيشتد الضغط الدولي على اسرائيل لانهاء الاعمال العدائية.

        دولة اسرائيل اغلقت الحدود مع قطاع غزة في وجه وسائل الاعلام الاجنبية قبل شهرين من اندلاع القتال. الصور الوحيدة التي خرجت من قطاع غزة كانت الصور القاسية التي بثتها شبكة "الجزيرة"، والتي صادقة حماس على بثها، فضلا عن كمية قليلة من الصور والتقارير الاخرى. ومع ذلك، فان وسائل الاعلام المركزية ابعدت في البداية تماما  عن ميدان القتال وضمها الى القوات المقاتلة سمح به في مرحلة لاحقة في ترتيبات متشددة من الرقابة والتعاون. حجم الحملة انكشف فقط في الصباح ما بعد المعركة، حين سمح للعالم بالدخول الى قطاع غزة ورؤية حجم الدمار بأم عينه. التأثير المتراكم للصور مس بلا ريب بالصورة الدولية لاسرائيل وطرح اسئلة تدعو اسرائيل الى ايجاد اجوبة لها. ويفهم من ذلك أن مخططي الدبلوماسية العامة لاسرائيل رأوا مهمتهم الاساس في ان يعطوا الوقت للجيش الاسرائيلي لاكمال مهامه العسكرية قبل أن يبدأ الضغط الدولي باعطاء بوادره. وفي ذلك نجحوا بالفعل، رغم انف واستنكار وسائل الاعلام الاجنبية التي توجهت الى المحكمة العليا وفازت في الالتماس الذي سمح لممثليها بالدخول الى قطاع غزة، الخطوة التي منعها منها أخيرا الجيش "لدوافع أمنية مؤقتة".

        السؤال المطروح الان، بأثر رجعي، هو هل اتخذت اسرائيل السياسة السليمة في اعقاب "النشارة السلبية" التي تبقت مع نهاية الحملة. يحتمل بانه لو حظيت وسائل الاعلام الدولية بقدرة على الوصول الى ميدان القتال في اثناء الحرب لما كانت الساحة الدولية صدمت بهذا القدر حين رفع الستار في النهاية، في ختام الحرب.

        لو ادرج ممثلو وسائل الاعلام الدولية في القوات الاسرائيلية منذ بداية الحملة، في ظل القدرة على متابعة المعاضل التي واجهها الجنود في حربهم ضد عدو متملص يستخدم المدنيين كدروع واقية والمدارس، المستشفيات والمساجد لاغراض عسكرية، لكان من المحتمل ان يكون الانطباع العام السائد في العالم مغايرا جوهريا. يحتمل بانه لو اتيح لوسائل الاعلام الاجنبية الدخول الى منطقة القتال لكان ممكنا تلطيف الاثار الخطيرة، ولا سيما في العالم العربي للصور الحصرية والمضرجة بالدماء التي بثتها شبكة "الجزيرة". وبذات الشكل، يحتمل ان تكون المعطيات حول عدد الضحايا، الاحتياجات الطبية ومسائل حقوق الانسان تقدر جميعها من زاوية نظر مختلفة عن تلك التي تتخذ الان.

        يمكن بالطبع طرح حجة مصداقة بشأن مسألة لماذا كان من السليم اغلاق ميدان القتال في وجه ممثلي وسائل الاعلام الدولية. فالمراسلون كان من شأنهم ان يصابوا بأذى او ان يقتلوا، ولا سيما اذا لم يندرجوا في قوات الجيش الاسرائيلي، الامر الذي كان سيصبح بلا شك مصيبة بالنسبة لدولة اسرائيل في مجال العلاقات العامة – وكان من شأنهم أن يمسوا بحرية حركة الجيش. ومع ذلك، ففي نظرة شاملة، الاغلاق التام لميدان القتال والذي منح اسرائيل مزايا على المدى القصير من شأنه أن يظهر ذا آثار سلبية على المدى البعيد. وبالذات لهذا السبب كان هناك مكان لتكريس مزيد من الاهتمام لاعداد منظومة اعلامية لليوم التالي لانهاء المعارك. بتعابير اخرى، في زمن الحملة نفسها بذلت جهود لاخفاء حجوم الدمار، فيما أن الان تكاد لا تظهر استعدادات بنيوية ترمي الى ان تشرح للعالم الصور التي يراها كي يرد على سؤال لماذا ليس الجيش الاسرائيلي مذنبا بارتكاب جرائم حرب، ولماذا كان الاستخدام الكثيف بهذا القدر ضروريا. بدلا من ذلك، كان رد اسرائيل دفاعيا، حين توجد هي، وليست حماس، على مقعد الاتهام امام الرأي العام العالمي.

        الدبلوماسية العامة للدولة تحاكم بموجب نتيجتها النهائية. في الغالب، المعركة الحقيقية للدبلوماسية العامة تبدأ عندما تتوقف الاعمال العدائية. لا مجال للتشكيك بمهنية الجهود التي بذلت ابان القتال، ولكن اسرائيل توجد هذه الايام في الدرك الاسفل في نظر الاسرة الدولية. لقد اعترف العالم – رسميا على الاقل – بان اسرائيل لا يمكنها أن تواصل العيش في ظل هجمات الصواريخ غير المتوقفة، بل انه ابدى تفهما حتى حدود معينة، لان يكون من شأن مدرسة أن تتعرض للهجوم في منطقة مأهولة باكتظاظ على سبيل الخطأ، ولكنه لم يقتنع بان اسرائيل عالجت هذا الوضع المعقد بافضل السبل الممكنة او بالانسجام مع معايير السلوك الدولية.

        كان واضحا للجميع بانه في اللحظة التي يتبدد فيه الغبار ستكون هناك حاجة الى جهود جبارة من مصممي الدبلوماسية العامة لمحاولة الشرح للعالم ما انكشف امامه. الامر لم يتم، وثمن هذا الفشل ستدفعه اسرائيل في المستقبل.

انشر عبر