شريط الأخبار

العوامل التي قد تضر باستقرار اتفاق السلام مع مصر* ..بقلم: ايهود عيلام**

02:08 - 30 تشرين أول / أبريل 2009

اتفاق السلام الذي وقع بين اسرائيل ومصر في العام 1979 أنهى نزاعا عنيفا وطويلا بين الدولتين. ونجا الاتفاق من سلسلة أزمات، بدءا بضم هضبة الجولان، الهجوم على المفاعل العراقي في 1981 وحرب لبنان في 1982، وانتهاءا بالمواجهات بين  اسرائيل والفلسطينيين، والتي كانت كفيلة بان تتصاعد بشكل كبير لو تدخلت مصر ضد اسرائيل بشكل علني ومكثف على المستوى العسكري. وقد ثبت أن اتفاق السلام مستقر من ناحية استراتيجية. تجريد سيناء من السلاح قلص امكانية المفاجأة المتبادلة. ولكن لا يزال من الممكن ان تقع حرب بين اسرائيل ومصر.

        اتفاق السلام ادى الى انهاء حالة الحرب بين اسرائيل ومصر وهذا حيوي لاسرائيل. كما شق الاتفاق الطريق الى المفاوضات بين اسرائيل ودول عربية اخرى، وسهل على الاردن التوقيع على اتفاق سلام مع اسرائيل في العام 1994. كما توسطت مصر احيانا بين اسرائيل والفلسطينيين.

        هذه الورقة تعنى بالعوامل التي من شأنها ان تؤدي الى الغاء الاتفاق بل والى الصدام العسكري بين اسرائيل ومصر. في بداية البحث سأعنى بالعوامل المتعلقة في المجال الداخلي في مصر بما فيها الصراع على خلافة الحكم، والاحتمال بصعود نظام اسلامي متطرف. بعد ذلك، سأدرس عوامل اقليمية في ظل التركيز على التأثير الذي قد يكون لايران والفلسطينيين على العلاقات بين اسرائيل ومصر. موضوع آخر هو تجريد سيناء من السلاح. كل واحد من هذه العوامل كفيل، بهذا القدر أو ذاك، ان يساهم في تدهور العلاقات بين الدولتين.

        الموقف المصري الحالي من اسرائيل

        بين اسرائيل ومصر يسود "سلام بارد" ينبع من الدمج بين الاستعداد المصري للتمسك باتفاق السلام مع اسرائيل وبالتوازي الامتناع عن العلاقات المتبادلة في مجالات الاقتصاد، الثقافة والسياحة. هذا  النهج الذي قد يؤدي الى ضعضعة اتفاق السلام، ينبع من عدة اعتبارات:

        على مدى السنين خشيت مصر من أن تكون اسرائيل تسعى الى الهيمنة في المنطقة. ومع ان من الصعب على اسرائيل منافسة مصر في الهيمنة على العالم العربي، ولكن الدول العربية، بما فيها مصر، على وعي بالقوة الكبيرة لاسرائيل بسبب كونها قوة عظمى اقليمية. على المستوى العسكري، رغم نتائج الحرب في لبنان في 2006، لا تزال اسرائيل تعتبر صاحبة احد الجيوش الاقوى في المنطقة. مفهوم ايضا أن الاحتكار النووي المعزو لها يساهم في ذلك. رغم ان الولايات المتحدة تدعم مصر وتساعدها، فان لاسرائيل اهمية خاصة في نظر القوة العظمى. مكانة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وان كانت ضعفت، الا أنه لا يزال لها قوة كبرى، وعلاقاتها الوثيقة مع اسرائيل هي ذات وزن كبير. كما أن الحصانة النسبية للاقتصاد في اسرائيل يضيف لها قوة. جملة الجوانب هذه تعزز مكانة اسرائيل في الشرق الاوسط. مصر ترى نفسها دولة رائدة في المجال. وهي ترى تطور اسرائيل كتطور على حسابها، الامر الذي يشجعها على العمل ضد اسرائيل. لمصر مصلحة بالتمسك في اتفاق السلام مع اسرائيل بسبب قوتها وبسبب علاقاتها مع الولايات المتحدة. ومع ذلك فان مصر ترغب في ان تمنع اسرائيل من استغلال قوتها في العالم العربي بشكل عام، وبالنسبة لها بشكل خاص، وعليه فانها تحاول حصرها قدر الامكان، وفي هذا الاطار تقليص العلاقات معها ايضا. هذه الثنائية تودي الى "السلام البارد".

        في كانون الاول 2007 تطرق مبارك مع الصراع العنيف بين اسرائيل والفلسطينيين واشار الى أن الانتقال الى "سلام اكثر سخونة" مع اسرائيل سيتطلب وقتا. نهج الرئيس المصري تجاه العلاقات مع اسرائيل ينبع من استمرار النزاع العربي – الاسرائيلي بشكل عام ومن استمرار النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي بشكل خاص. ومع ان مصر تؤدي استمرار المفاوضات بين اسرائيل والدول العربية والتي يفترض أن تؤدي الى اتفاقات سلام اخرى، ولكن يحتمل ان تكون تتطلع ان يشكل اتفاق السلام بينها وبين اسرائيل نموذجا للاقتداء من الاخرين، منعا لاسرائيل من زيادة نفوذها في المجال. استمرار "السلام البارد" يعكس رباطة الجأش وكبح الجماح لدى مبارك ليس فقط من الانجرار الى مغامرات عسكرية ضد اسرائيل، بل وايضا بالنسبة لجوهر السلام معها. رفض خيار الحرب وتعزيز السلام يخلقان "السلام البارد".

        حسني مبارك زار اسرائيل كرئيس مرة واحدة فقط، في العام 1995، لحضور جنازة رئيس الوزراء اسحق رابين. وادعى الرئيس المصري بانه سيصل الى اسرائيل اذا كان الامر سيساعد في حل النزاع العربي – الاسرائيلي. تمسك مبارك بالسلام يدل على انه يوافق، او على الاقل يسلم، بإرث أنور السادات. وقد التقى مرات عديدة مع اسرائيليين وبالطبع ايضا مع رؤساء وزراء. وكانت اللقاءات تعقد بشكل عام في شرم الشيخ، بعيدا عن القاهرة، حيث تسهل حراسة اللقاء الذي يكون هكذا بعيدا عن عيون الجمهور المصري.

        التعاون في التجارة والسياحة هو أحد عناصر السلام، كما اشار وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط، في تشرين الثاني 2007. التصدير السنوي الاسرائيلي الى مصر ارتفع من 29 مليون دولار في 2004 الى اكثر من 90 مليون دولار في 2005 والى نحو 140 مليون دولار في 2007. ورغم التحسن الطفيف في مجال التجارة، فان رجال الاعمال، الاكاديميين والسياح المصريين الذين يرغبون في المجيء الى اسرائيل يضطرون الى التصدي لمصاعب بيروقراطية وعقوبات وعلاقات اغتراب تجاههم في مصر، وذلك بالقياس الى عشرات الاف الاسرائيليين الذين زاروا مصر ولا سيما سيناء. في تموز 2005 فقط تنزه في سيناء 29.737 اسرائيلي، في تموز 2006 مكث هناك 48.933 اسرائيلي وفي حزيران 2007 وصل الى شبه الجزيرة 22.888 اسرائيلي. وحتى مع التحسن الذي طرأ على العلاقات الاقتصادية بين اسرائيل  ومصر – والتي يمكن زيادتها بشكل واضح مثلا من خلال مناطق اقتصادية مشتركة – فان القيود التي فرضت على المواطنين المصريين الراغبين في الوصول الى اسرائيل كانت وجها آخر من "السلام البارد".

        النظام، وسائل الاعلام والمنظمات المهنية في مصر عارضوا التطبيع مع اسرائيل. وفي مصر تنتشر أدبيات لا سامية ومناهضة لاسرائيل. وحتى من ترعرع في مصر بعد التوقيع على اتفاق السلام لا يزال يتأثر بهذا القدر أو ذاك بالعداء الذي ساد تجاه اسرائيل في عصر ما قبل اتفاق السلام. هذا جزء من الميل المصري الغامض والثنائي بالنسبة للسلام، والذي يرمي ضمن امور اخرى لمنح النظام المصري امكانية توجيه الانتقاد الداخلي اللاذع ضده نحو عامل خارجي.

        "السلام البارد" هو هش والعلاقات بين مصر واسرائيل هي كالجليد الدقيق الذي تسير عليه الدولتان. أزمة حادة واحدة من شأنها ان تشقه. في ضوء ذلك ينبغي فحص العوامل التي من شأنها ان تحدث أزمة.

عوامل داخلية في مصر

        الانتقال الى "السلام الحار" منوط ضمن امور اخرى بعوامل داخلية في الدول ذات الصلة، وعليه فثمة أهمية لفحص عوامل داخلية في مصر كفيلة بان تؤدي الى انعطافة في نهجها تجاه اسرائيل.

        في مصر يجري صراع على منصب خلف مبارك. ومن شأن الصراع أن يبرز شخصية ذات استعداد لاحداث أزمة في العلاقات بين اسرائيل. كما ان الاحتمال في احتلال "الاخوان المسلمين" النظام ينطوي في داخله على تغيير بالنسبة لاسرائيل.

الصراع على الخلافة

في العام 1981 قتل أنور السادات، الحدث الذي كان من شأنه أن يعرض للخطر اتفاق السلام. منذ التوقيع  على اتفاق السلام كان هناك التعلق بنظام مركزي جدا يعتمد بقدر كبير على شخص واحد، الرئيس، احد العناصر المركزية الذي من شأنه أن يضعضع الاتفاق، يؤدي الى أزمة، بل والى مواجهة بين اسرائيل ومصر. طبيعة النظام في مصر تشير الى هشاشة اتفاق السلام.

الرئيس مبارك متمسك بأسس السياسة الخارجية لسلفه، السادات، والتي كان اتفاق السلام هو احدها. وتصرف مبارك على هذا النحو رغم المصاعب التي ألمت بعلاقات اسرائيل مع مصر. ومع ان هذه المصاعب نبعت احيانا من سياسة الرئيس المصري نفسه الا ان تأييده لاتفاق السلام بقي احد الاسباب وراء عدم انهيار المعاهدة. وكان لموقف مبارك وزن حاسم في ضوء الصلاحيات الواسعة للرئيس المصري وبسبب المكانة المحترمة لمبارك في مصر وخارجها. من هنا الاهمية الكبرى لمسألة هوية خلفه.

مبارك، خلافا للسادات لم يعين نائبا. وقد نجا من محاولة اغتيال في العام 1995. ولكن اذا ما قتل او اصيب بجراح خطيرة فقد يعلق النظام المصري في أزمة حادة.

في السنوات الاخيرة يوجد في الثقافة السياسية للعالم العربي ميل واضح لنقل السلطة الى ابناء الزعماء. يمكن أن نرى ذلك ليس فقط في الملكيات كالمغرب (محمد السادس) والاردن (عبدالله) بل وايضا في دول مثل سوريا، التي تعتبر جمهورية. هذه العملية كانت كفيلة بان تقع ايضا في جمهورية اخرى للبعث، في العراق، في ضوء الصلاحيات والمكانة لنجلي صدام حسين. سياق مشابه كفيل بان يقع ايضا في ليبيا في المستقبل.

حسني مبارك ابن 80 سنة وهذه هي ولايته الاخيرة. ويبدو انه اعد ابنه، جمال، للحلول محله. منذ العام 2000 وجمال يتعرف على انماط الحكم في مصر. حسني مبارك سينهي ولايته في 2011، وهكذا ينهي الحكم في مصر لفترة مشابهة لفترة حافظ الاسد – 30 سنة. ومثلما في حالة الاسد، فان المشاكل الصحية لحسني مبارك تزيد الضغط الذي يعيشه جمال. وستوضع تحت تصرفه 11 سنة في اقصى الاحوال للاستعداد للامساك بالمنصب. هذه فترة زمنية طويلة جدا، ولكن يجب الاخذ بالحسبان بانه في بداية المسيرة، في العام 2000، جمال، اليوم ابن 45، كان ذات تجربة في الاعمال التجارية والبنوك فقط، وفي ختامها يتعين عليه أن يبلور مكانته وان يفهم كيف يحكم ويتصدى للمشاكل القاسية والمعقدة لمصر. بشار الاسد بدأ بتأهيل عاجل جدا لمنصب الرئيس في 1994، في اعقاب الوفاة غير المتوقعة لشقيقه، باسل الذي كان مرشحا للحلول محل حافظ الاسد، بعد ست سنوات فقط كان على بشار أن يؤدي مهام منصب والده. اما جمال، الذي كما اسلفنا بدأ في العام 2000 ما يمكن وصفه بمسار تأهيله، فقد حظي بفترة زمنية طويلة بالمقارنة مع بشار.

رغم سمعته كمن نفذ اصلاحات، استغل جمال موقعه في حزب السلطة، "الحزب الوطني الديمقراطي" كي يشرف على خطوات لم تساهم في الانفتاح السياسي بل بالذات  الى تعزيز المؤسسة الحاكمة. وبصفته الامين العام للجنة السياسية في حزب السلطة، وهو المنصب الثالث في اهميته في الحزب تطلع جمال الى الامتناع عن الهزات الكفيلة بان تثير المعارضة له من جانب المؤسسة شديدة القوة.

جمال مبارك يعتبر ذا موقف مؤيد للعرب بوضوح ومن يعرف اهمية تحسين الاقتصاد في مصر كسبيل لاستقرار النظام. اذا ما انتخب رئيسا من المتوقع لجمال أن يتمسك باتفاق السلام مع اسرائيل، واذا كانت له فرصة لذلك، فسيعزز العلاقات في المستوى الاقتصادي.

سيكون للجيش المصري تأثير كبير سيسمح له بمعارضة اصلاحات جمال، الذي خلافا للرؤساء السابقين لم يخدم في الجيش. والجيش من المتوقع أن يعارض التغييرات المتعلقة بمصالحه الاقتصادية والخطوات البنيوية التي ستفرضها عليه السلطات المدنية. وسيتعين على جمال أن يحذر من الا تدفع خطواته على المستوى الاقتصادي بالجيش الى معارضته.

من المعقول الافتراض بان التحدي المركزي لجمال سيكون الصراع ضد مرشحين آخرين في حزب السلطة والمعارضة العلمانية التي تعارض مسيرة مثابة ملكية في تبادل السلطة. خليفة آخر لمبارك كفيل بان يكون شخصية من الجهاز البيروقراطي او من الجيش كعمر سليمان، رئيس المخابرات، الذي برز في اثناء الاتصالات بين اسرائيل، مصر والفلسطينيين. مرشح آخر لخلافة مبارك هو محمد طنطاوي، وزير الدفاع، ولكن حالته الصحية السيئة ليست في صالحه.

رغم قوته الشديدة وحقيقة أنه حكم مصر لزمن اطول من ناصر، فان مبارك لا يتمتع بالمكانة الاسطورية التي تمتع بها ناصر. هذه الخلفية تسمح لجهات مختلفة في مصر ان تتحفظ على جمال والتفكير بالوقوف حياله. مرشحون، ولا سيما اولئك الذين يوجدون في قلب المؤسسة السياسية و/او العسكرية، كعمر سليمان قادرون على بلورة قوة حيال جمال. ولا يمكن الاستبعاد بانه من أجل صد جمال قبل الاوان سيسعى تحالف من معارضيه الى اجبار حسني مبارك على الاعتزال قبل الوقت في صالح مرشح آخر. هذه الوضعية ممكنة اساسا اذا ما ساءت الحالة الصحية لحسني مبارك و/ او ادت خطوة له بمصر الى نقطة درك خطيرة على نحو خاص، كاجراءات اقتصادية متشددة تثير اضطرابات ضخمة متواصلة في ارجاء الدولة. الموت المفاجىء لمبارك سيضع كل مرشح، بما في ذلك جمال، تحت ضغط الزمن.

في السنوات الاخيرة، في اعقاب الضغط الامريكي للتحول الديمقراطي في مصر، بدأ فيها بعض التغييرات. في الانتخابات للرئاسة في العام 2005 كان هناك أكثر من مرشح واحد، وان كان، كما كان متوقعا، انتخب مبارك باغلبية ساحقة. في الانتخابات القادمة، كفيل حسني مبارك ان يكون شخصية مسيطرة تستغل المؤسسة، الاعلام، جهاز حزب السلطة واجهزة الامن من أجل ابنه. في حالة عدم بقاء حسني مبارك على قيد الحياة، او اهتزاز مكانته، يحتمل أن ينشأ في مراكز القوة المختلفة في النظام المصري انشقاق يقلص فرص جمال للانتخاب، وبالاساس اذا كانت هناك معارضة وميل لدى الشعب للتصويت ضده احتجاجا على ابيه و/او على النظام.

حتى لو جلس جمال على كرسي أبيه، فانه كفيل بان يجد نفسه يكافح لزمن طويل الى أن ينجح في تثبيت حكمه. كما سيحتاج الى الوقت كي يتكيف مع هذا المنصب الهام جدا. في هذه الظروف قد تجد مصر نفسها مع رئيس، على الاقل في بداية ولايته، يكون ضعيفا نسبيا ويعنى ببقائه السياسي والشخصي، الامر الذي سيؤثر ايضا على العلاقات مع اسرائيل. اعتبارات داخلية للرئيس المصري ستبقى ذات قيمة كبيرة في اتخاذه للقرارات في موضوع العلاقات مع اسرائيل، فما بالك في فترة من انعدام الاستقرار في مصر. هذا الميل كفيل بان يجد تعبيره في تصريحات حماسية وتوتر بين الدولتين.

احتمال احتلال "الاخوان المسلمين" للنظام

الاسلام المتطرف من شأنه ان يسيطر على مصر. والعملية قد تحصل في اعقاب انتخابات ديمقراطية، حرب أهلية او ثورة، مثلما في ايران. لنتمعن قليلا في هذه السيناريوهات الثلاثة.

سيطرة الاسلام المتطرف على مصر من خلال الانتخابات:

لتجاوز الحظر على نشاطهم السياسي، طرح "الاخوان المسلمون" مرشحيهم في الانتخابات للبرلمان في العام 2005 كمرشحين مستقلين. وحظوا بـ 88 من اصل 454 مقعدا في البرلمان. يحتمل أن يكون مبارك اراد أن يصل الاخوان المسلمون الى انجازات في الانتخابات كي يوضح للولايات المتحدة بان البديل الوحيد لطريقه هو التطرف الاسلامي. وعلى أي حال، فان نتائج الانتخابات سمحت للرئيس المصري بان يعرض "الاخوان المسلمين" كحركة ستستخدم الديمقراطية للسيطرة على مصر. وفي المستقبل فان الاخوان المسلمين كفيلون بان تتعزز قواهم بشكل حقيقي من خلال تحقيق اغلبية في البرلمان بل والدفع لانتخاب رئيس منهم، ولا سيما اذا كان النظام منقسما وضعيفا.

سيطرة الاسلام المتطرف على مصر في اعقاب حرب أهلية

في العام 1991 فازت الحركة الاسلامية في الجزائر في الانتخابات للبرلمان. الجيش الجزائري، الذي خشي على مكانته وامتيازاته الغى الانتخابات. وأدت الخطوة الى حرب أهلية قتل فيها نحو 150 الف شخص. في التسعينيات شهد النظام في مصر صراعا عنيفا وناجحا ضد التنظيم السري الاسلامي المتطرف. سيطرة حماس على قطاع غزة في صيف 2007 اقلقت مصر التي خشيت من ان تمنح الخطوة الهاما لحركات متطرفة في مصر. في مصر بعد مبارك قد تنشب مواجهة بين الجيش والحركة الاسلامية. واذا ما استمر الصراع فسيسود انعدام يقين في علاقات اسرائيل – مصر. ولتعزيز مكانتهم فان قادة الجيش المصري قد يستغلوا الظروف ويطلبوا من اسرائيل تنازلات تتعلق باتفاق السلام. مطالب مصرية، ولا سيما تلك المتعلقة بتجريد سيناء من السلاح، كفيلة بان تتخذ في اسرائيل صورة المطالب غير ذات الصلة بالصراع ضد "الاخوان المسلمين"، الامر الذي سيخلق توترا متبادلا. ومهما يكن من امر ففي حالة الحرب الاهلية فان الجيش المصري قد يتكبد هزيمة، ولا سيما اذا ما تفتتت اجزاء كبيرة منه او ارتبطت بـ "الاخوان المسلمون. امكانية اخرى هي انه لمنع هزيمته سيضطر الجيش المصري الى الموافقة على حل وسط، احد عناصره سيكون نهجا اكثر عداءا نحو اسرائيل.

السيطرة على مصر من خلال ثورة على النمط الايراني

في مصر قد تقع ثورة كتلك التي وقعت في ايران في 1979. قد تنشب أزمة داخلية حادة تجد تعبيرها بابطاء على شفا الشلل الاقتصادي واهتياج اجتماعي متعاظم يستغله "الاخوان المسلمون" لزيادة قوتهم، ولا سيما اذا اظهر النظام وهناً وضعفا. واذا ما تدهورت الحالة الصحية لمبارك فان الامر سيؤثر على مكانته، مثلما حصل للشاه الايراني في حينه. تدهور مكانة مبارك قد تشجع معارضيه لمناكفة النظام المتأرجح من خلال اضطرابات ومظاهرات ضخمة. "الاخوان المسلمون" كفيلون بان يوافقوا على التعاون مع جهات اخرى في المعارضة، سيشلون فعاليتها بعد سيطرتهم على مراكز القوة مثلما حصل في ايران. اما الجيش المصري، مثل الايراني، فكفيل الا يقف في وجه الموجة المتصاعدة ضد النظام فينحل، ولو جزئيا، حين يرفض القادة والجنود قمع ابناء شعبهم، بل وينضمون  الى الجهة المضادة. اذا ما شعر النظام المصري بانه يفقد السيطرة، فيحتمل ان تكون احدى خطواته تشجيع وتشديد الخطاب ضد اسرائيل في محاولة لاستقرار وضعه من خلال توجيه الغضب والنقد الى الخارج. النظام قد يحاول المبادرة الى احتكاك، بل واحتكاك عنيف، مع اسرائيل، كالصدام العسكري الضيق في سيناء مثلا. وحتى لو كانت النية المصرية خلق مواجهة محدودة وربما ليس بشكل مباشر بين اسرائيل ومصر بل مثلا بين اسرائيل والفلسطينيين فان هذه ستبقى خطوة اشكالية جدا. النظام المصري كفيل بان يتورط في تصعيد في المنطقة ومصر من شأنها ان تغرق في معمعان داخلي ينشأ عنه نظام اسلامي متطرف. آثار هذه التطورات ستكون التوتر بين اسرائيل ومصر، ان لم يكن الجمود في العلاقات المتبادلة بل وقطعها.

عوامل اقليمية

ايران، سوريا والفلسطينيين هم عوامل مركزية في الساحة الاقليمية. وسياستهم تؤثر على اتفاق السلام مع مصر وعلاقات مصر باسرائيل.

التحدي الايراني

مصر قلقة من القوة الصاعدة لايران في الشرق الاوسط، من نشوئها كقوة عظمى اقليمية ومن تطلعاتها في المجال النووي. رغم الخصومة التقليدية بين الدول العربية، فانها تعارض بشدة هيمنة جهة غير عربية، كايران، كفيلة بان تنقص من سيادتها. الدول العربية، وبالتأكيد دولة عزيزة كمصر، لن ترضى بالعودة الى الايام التي كانت تسيطر عليها قوة عظمى اجنبية. ايران، مثل الامبراطورية العثمانية في حينه، هي جزء من الشرق الاوسط وليس جهة اجنبية كالقوى العظمى الاوروبية التي سيطرت فيها في الماضي. وستجد الدول العربية صعوبة في التشكيك بحقها في العمل في المجال. ايران، مثل مصر، تفتخر بتاريخها العريق لالاف السنين في المجال. الامبراطورية الفارسية كانت هائلة وعظيمة. وايران تفوق مصر من حيث حجم سكانها، مساحتها وحجم مقدراتها الطبيعية.

صحيح أن الدول العربية كفيلة بان  ترتبط بمصر، الا ان ضعفها عمليا سيبقيها وحيدة حيال ايران. اذا ما حققت ايران سلاحا نوويا، فسيكون لها تفوق آخر وجوهري على مصر. ورغم أن كلتيهما دولتان اسلاميتان، الا ان ايران تختلف عن مصر في عنصرين مركزيين: في النهج وفي الرؤيا الاسلامية المتطرفة التي تتحدى انظمة مثل مصر، وبهويتها الدينية الشيعية، التي تقلق دولا ذات طابع سني كمصر.

تخشى مصر ايران بسبب قوتها الديمغرافية، الاقتصادية والعسكرية، ولا سيما اذا ما تضمنت هذه سلاحا نوويا. في عهد ناصر استندت مصر الى خليط من القوى الديمغرافية والعسكرية لحث حماسة ثورية وراديكالية خاصة بها. مصر استخدمت قوتها في محاولة لضعضعة الانظمة في الدول العربية واستبدالها بقيادة مؤيدة لمصر. ايران قد تتصرف هكذا تجاه مصر، ومصر على علم بالاثار التي ستكون لذلك. هذا التخوف كفيل بان يشجع المصريين على تحقيق سلاح نووي، الامر الذي سيؤثر ايضا على علاقاتها مع اسرائيل.

اوقفت مصر برنامجها العسكري النووي في السبعينيات. وتخلف مصر من حيث القوة بالنسبة لاسرائيل في المسألة النووية شوش سعي مصر للسيطرة في العالم العربي. في بداية كانون الثاني 2007 طرح مبارك امكانية ان تتطلع مصر الى تحقيق سلاح نووي كوزن مضاد لايران نووية.

يحتمل ان يمتنع النظام المصري عن السعي الى تحقيق القوة النووية وذلك لان هذه ستحتاج الى ثمن اقتصادي باهظ قد يؤدي الى هزات داخلية. اما اذا حاولت مصر رغم ذلك تطوير قدرة نووية فان اسرائيل كفيلة بان تحاول عرقلة البرنامج النووي المصري وقد ينشأ بينهما توتر آخر.

في السنوات الاخيرة ألمحت علل وخلل في البرنامج النووي الايراني بوجود دور اسرائيلي. ولا ينبغي استبعاد خطوة اسرائيلية مشابهة في مصر. اذا ما انكشفت اعقاب لذلك فسيتعرض اتفاق السلام بين الدولتين لخطر شديد.

اسرائيل كفيلة بان تتخذ خطوات علنية على المستوى السياسي لابطاء انتاج السلاح النووي في مصر ولا سيما من خلال الولايات المتحدة. ومع أنه من المعقول الافتراض بان البرنامج النووي المصري سيحتاج زمنا طويلا ولكن مع ذلك يجب الاخذ بالحسبان ولا سيما اذا كانت ايران ذات سلاح نووي بان دولا ذات اغلبية سنية بما فيها مصر، سترتبط معا كي تحقق "القنبلة السنية". مثل هذا التعاون، ولا سيما في ضوء خوف دول الخليج من ايران وفي ضوء ثرائها، سيساعد مصر في تحقيق سلاح نووي ولا سيما اذا كان ممكنا شراؤه، من باكستان مثلا. التشديد على التحالف النووي السني كهذا وان كان سيقع على ايران، ان على اسرائيل أن تأخذ بالحسبان بانه سيكون لمصر قدرة على الوصول الى سلاح نووي بكل ما ينطوي عليه ذلك من معنى.

سبيل آخر للتصدي للموضوع النووي يمكن أن يكون محاولة اجبار اسرائيل على التنازل عن ترسانتها النووية في اطار محاولة تجريد المنطقة كلها من السلاح النووي. وتسعى مصر الى نزع السلاح النووي من اسرائيل كي تقلص تأثيرها وقوتها في المنطقة. يحتمل أن تكون المناورة المصرية في المجال النووي جزء من المسعى المتواصل الذي تمارسه لدفع اسرائيل نحو تنفيذ تنازلات دون أن يكون لمصر نية حقيقية في تطوير سلاح نووي. طالما لا يوجد لايران سلاح نووي ستشعر مصر بانه لا تزال لديها الفرصة لقيادة خطوة نحو تجريد الشرق الاوسط من هذا السلاح. كما أنه حتى لو احتفظت ايران بسلاح نووي، فان مصر ستبقى تقدر بان بوسعها المبادرة الى خطوة تبدأ بنزع السلاح النووي من اسرائيل وفي اعقابه نزع السلاح النووي من ايران.

من شأن مصر أن تتبنى نهجا حازما وتحدث عن وعي أزمة حادة كي تطرح الموضوع النووي على رأس جدول الاعمال في ظل خلق ضغط دولي على اسرائيل لتنفيذ تنازل كبير في هذه المسألة. احتمالية هذه الخطوة المصرية ستزداد اذا ما كان في مصر حاكم او نظام يكون معاديا لاسرائيل، او نظام أقل حذرا من نظام مبارك.

الفلسطينيون في قطاع غزة كعامل احتكاك بين اسرائيل ومصر

ترى مصر نفسها كدولة رائدة في المجال، وفي ضوء قربها الجغرافي تعنى بالصراع العنيف بين اسرائيل وحكم حماس في قطاع غزة. ومن هنا يطرح السؤال، ما هو احتمال الازمة او المواجهة بين اسرائيل ومصر بسبب الفلسطينيين؟

في سياق العام 2007 دربت مصر رجال فتح في منشآتها بمن فيهم رجال "القوة 17" وذلك ضمن امور اخرى للمواجهة مع حماس. الجهد لم ينجح. في حزيران 2007 هزمت قوات فتح من حماس في معركة قصيرة. من ناحية مصر واسرائيل على حد سواء، مع كل التعارضات في المصالح والخلافات بينهم وبين السلطة الفلسطينية، فان حكم فتح كان مفضلا على الواقع الناشيء. فالتطورات اضعفت التأثير الذي كان لمصر على قطاع غزة، ومعه الاحتمال في منع الاحتكاك بين الفلسطينيين واسرائيل، الاحتكاك الذي من شأنه أن يؤدي الى توتر بين اسرائيل ومصر.

سمحت مصر بعبور السلاح والذخيرة، خبراء التفجير، القنص، نار الصواريخ وقذائف الهاون من سيناء الى قطاع غزة. يحتمل الا تكون هذه نتيجة سياسة مصرية لا لبس فيها بل نتيجة مصاعب في منعها. مهما يكن من امر فقد اصبح قطاع غزة نموذجا للاسلام المتطرف ومن شأنه أن يصبح ملجأ وميدان تدريب لـ "الاخوان المسلمين" في مصر، في حالة عودتهم للصدام العنيف مع النظام. الوسائل القتالية، الذخيرة، المعرفة وخبراء العصابات والارهاب الذين يتدفقون من سيناء الى قطاع غزة يمكنهم أن يرسلوا ايضا في الاتجاه المعاكس، الخطوة التي ستعرض النظام المصري للخطر، وفي اعقاب ذلك السلام مع مصر.

عبور المستشارين والسلاح من سيناء الى قطاع غزة، من فوق ومن تحت الارض، زاد كمية الوسائل القتالية لدى الفلسطينيين. هذا التعزيز شجعهم على محاولة التسلل الى اسرائيل وبالتوازي مواصلة اطلاق القذائف الصاروخية على البلدات ومعسكرات الجيش الاسرائيلي المجاورة لقطاع غزة. وأوقع القصف اصابات واضرار وخلق هلعا وخوفا في اوساط السكان الاسرائيليين بل واحيانا في اوساط الجنود. وفي اعقاب ذلك في كانون الاول 2008 – كانون الثاني 2009 أدارت اسرائيل خطوة واسعة النطاق في قطاع غزة. صدام مشابه كفيل بان يقع مرة اخرى، ضمن امور اخرى اذا لم ترغب مصر او لم تكن قادرة على قطع دابر التهريب من سيناء. يبدو أنه سيكون كافيا وقوع صاروخ قاتل على نحو خاص، مقذوفة صاروخية او قذيفة هاون كي تشتعل مواجهة اخرى. كما يوجد ايضا خطر ان تنجح خلية فلسطينية في التسلل الى اراضي اسرائيل، بنفق او بالتحرك من قطاع غزة الى سيناء، ومن هناك عبر الحدود المنفلتة بين النقب وسيناء، فتصيب بأذى عددا كبيرا من الاسرائيليين، بل وتأخذ رهائن.  في ضوء حساسية المجتمع الاسرائيلي تجاه الخسائر والاسرى، فان مثل هذا الحدث من شأنه أن ينتهي باشتعال. اسرائيل كفيلة، في خطوة مفاجئة، وليس بالذات في اعقاب استفزاز حاد من حماس ان تحتل كل قطاع غزة، الامر الذي سينطوي على مواجهة مباشرة وشاملة مع قوات حماس. في كل واحد من هذه السيناريوهات من شأن السكان في قطاع غزة ان يتكبدوا خسائر فادحة الامر الذي سيزيد التوتر بين اسرائيل ومصر.

تواجد اسرائيلي متواصل في قطاع غزة، في ظل الاشتباك مع عناصر مختلفة من قوات العصابات والارهاب سيخلق وضعا دائما من التوتر بينها وبين مصر. ومع ان النظام المصري سيكون راضيا عن الضربة التي ستتلقاها حماس، الا انه سيجد صعوبة في أن يتجاهل الخسائر والمعاناة للسكان الفلسطينيين وسيلقي المسؤولية على اسرائيل. كما ثمة احتمال ان تجتذب مصر الى الصراع. فسيمارس ضغط على النظام المصري، داخلي وخارجي لمساعدة الفلسطينيين على المستوى العسكري ايضا. مصر من شأنها أن تحاول تجاوز تجريد سيناء من السلاح من خلال ارسال قوة، ولو رمزية، عبر الجو او عبر البحر. وحتى لو سعت مصر الى الفصل المادي بين الجيش الاسرائيلي والفلسطينيين فستكون هذه خطوة قابلة للانفجار. يكفي فعل تضامني مصري لا يرتبط مباشرة بقطاع غزة، كخطوة احتجاج دبلوماسية ضد اسرائيل وبالتأكيد رفع حالة التأهب في الجيش المصري ليرفع حدة التوتر بينها وبين اسرائيل.

استمرار التهريب في قطاع غزة كفيل بان تتدفق اليه صواريخ ايرانية تصل حتى تل أبيب الامر الذي سيعرض السلام بين اسرائيل ومصر للخطر. انتشار اسرائيلي في قطاع غزة، يتركز في الحدود بين قطاع غزة وسيناء، لقطع دابر مسلك التوريد للسلاح، من شأنه ان يؤدي الى احتكاك بين القوات المصرية والجيش الاسرائيلي. احتمالية ذلك ستزداد اذا ما بقي الجيش الاسرائيلي بمحاذاة الحدود.

مشكوك ان يكون بوسع قوة متعددة الجنسيات في قطاع غزة، تتضمن تمثيلا بارزا لمصر، ان تمنع او تقلص الاحتكاك بين اسرائيل والفلسطينيين. التواجد المصري في قوة متعددة الجنسيات كهذه من شأنه ايضا ان يزيد التوتر بينها وبين اسرائيل.

مسألة تجريد سيناء من السلاح

المنطقة شرقي المعابر في سيناء توجد تحت السيادة المصرية، ولكن على مصر مفروضة قيود في انتشار قواتها. هذا وضع يعتبر في مصر كخطر على امنها واهانة وطنية. من ناحية اسرائيل واجب منع انتشار مصري كثيف في شبه الجزيرة واعادة بناء بنية تحتية عسكرية في سيناء. من هنا ينبع التصميم الاسرائيلي على منع خرق التجريد من السلاح. هذا التضارب الاساس في المصالح، الذي يرافق الدولتين منذ الانسحاب الاسرائيلي من سيناء يواصل كونه عامل دائم للتوتر بينهما.

خطوة مصرية لخرق التجريد من السلاح قد تحصل اذا ما علقت اسرائيل في نقطة درك اسفل على المستوى السياسي. اذا ما وقعت مواجهة اخرى في الجبهة الشمالية تتضمن خطوة برية واسعة في ظل خرق واضح للسيادة السورية او اللبنانية، فمن شأن مصر ان تستغل المكانة الهشة لاسرائيل في الساحة الدولية كي تنشر قوات في سيناء، وتعلل ذلك كخطوة دفاعية.

يمكن لمصر أن تمتنع عن اعلان رسمي عن الغاء اتفاق السلام واستغلاله للتغطية على الانتشار العسكري ضد اسرائيل في سيناء، المنطقة التي هي ارض مصرية سيادية. في مثل هذا الوضع سيكون من الصعب على اسرائيل الحصول على شرعية دولية لخطوة عسكرية ضد مصر.

جانب آخر في تجريد سيناء من السلاح يتعلق مباشرة بالفلسطينيين. شبه الجزيرة كفيل بان تشكل ليس فقط قاعدة لوجستية بل وايضا خشبة قفز لعمليات الفلسطينيين داخل اسرائيل. فوجود الانفاق واقتحام الحدود الى رفح في كانون الثاني 2008 أكد الخطر المحدق باسرائيل. حدود اسرائيل مع مصر اطول بكثير من حدودها مع قطاع غزة. وتنقصها منظومة الانذار المبكر اياها. من الاسهل للفلسطينيين التسلل الى اسرائيل من المجال المصري منه من اراضيهم، الامر الذي سيزيد احتمال العمليات ومطاردة خلية فلسطينية مسلحة في ارجاء النقب. وحتى لو كانت اسرائيل على علم بان مصر تعارض بل وتجتهد لاحباط هذه العمليات، فلا يزال لا يمكن تجاهل انهم خرجوا مباشرة من الاراضي المصرية. على اسرائيل أن تستعد لتسللات بوتيرة اعلى من سيناء الى النقب، وهو الاستعداد الذي سيساعد ايضا في تقليص تهريب المخدرات ووقف الهجرة غير القانونية الى اراضيها.

في بداية تشرين الثاني 2007 أعربت اسرائيل عن معارضتها رفع سقف الجنود المصريين في الحدود مع قطاع غزة، في اطار مكافحة التهريب. وادعت اسرائيل بان مصر لم تفعل ما فيه الكفاية بـ 750 من رجال حرس الحدود لديها، الذي يسمح لهم بالانتشار في تلك المنطقة في اعقاب انسحاب اسرائيل من قطاع غزة في 2005. واعتقدوا في اسرائيل بان الهدف المصري هو العمل على تآكل التجريد من السلاح، المقرر في اتفاق السلام. يحتمل بان قيود معاهدة السلام في كل ما يتعلق بانتشار الجيش المصري في سيناء، عرقلت المصريين من منع التهريب الى قطاع غزة، ولكن لغرض هذه المهمة لا حاجة للجيش، بل لقوة ناجعة ونوعية ذات طابع شرطي. من ناحية مصر ارسال الجيش الى شبه الجزيرة، ولو بحجم قليل، كفيل بان يكون أمرا ذا أهمية رمزية شديدة. مثل هذه الخطوة ستعزز سيادتها في سيناء، بل وربما تشجعها على أن تفرض فيها ارادتها. ولكن لا ضمان لذلك ناهيك عن أنه ليس واضحا كم وهل على الاطلاق يتطلع المصريون الى قطع دابر استخدام سيناء كقاعدة لوجستية وعملياتية فلسطينية ضد اسرائيل.

في نهاية المطاف فان اسرائيل كفيلة بان توافق على انتشار مصري استثنائي في سيناء لفترة زمنية محدودة تمنح اسرائيل مهلة للاستعداد لصد تسللات برية من سيناء وتطوير منظومات لاحباط النار الصاروخية من قطاع غزة. حتى لو ساهمت في تقليص التهريب من سيناء، مع ختام الفترة المحددة مسبقا، حين تطلب اسرائيل سحب القوة المصرية، فقد تنشب أزمة بين الدولتين.

تدخل مصر في الحرب بين اسرائيل وسوريا

لو كانت وقعت مواجهة في اطار التوتر بين اسرائيل وسوريا في  1996، لكان من شأن مصر ألا تقف جانبا. هذا الاستعداد ما كان ينبغي ان يقف قيد الاختبار. اذا ما وقعت مواجهة بين اسرائيل وسوريا في المستقبل فيحتمل أن يتعرض النظام المصري الى ضغط من جانب سوريا. وحتى لو اكتفت مصر بانتشار معزز في سيناء فسيكون في ذلك خرق للتجريد من السلاح. مصر، ستخشى من أن تجند اسرائيل معظم ان لم يكن كل قواتها، بل وستتطلع الى استخدامها بتوجيه ضربة كثيفة على سوريا وعلى من يساعدها، حتى ولو بشكل سلبي. كما أن مصر ستأخذ بالحسبان بان الجيش الاسرائيلي سيكون مصمما على اثبات قدرته. الجيش المصري او السوري وليس تنظيم عصابات مثل  حزب الله سيكون على نحو مفعم بالمفارقة اكثر تهديدا على اسرائيل ولكن اكثر قابلية للاصابة ايضا بسبب وجود بنية تحتية من القواعد ومنظومات السلاح كالدبابات التي قد تكون مكشوفة امام الهجمات الجوية. ولن ترغب مصر في المخاطرة برد اسرائيلي، كفيل بان يتضمن احتلال لاراض في سيناء. وهي ستكون على علم بانه بعد المواجهة سيكون صعبا جدا عليها استعادة ما فقدته في شبه الجزيرة، ولا سيما اذا كان الانطباع في العالم سيكون انها خرقت اتفاق السلام.

اذا حاولت مصر التملص من التدخل العسكري في صالح سوريا، فان القوة العسكرية التي طورتها وسعيها الى السيطرة في العالم العربي سيكون في طالحها. فسوريا ستدعي بان مصر تتملص من دورها كدولة رائدة وتتجاهل ان تحت تصرفها الجيش العربي الاقوى. امكانية اخرى هي ان تبقى مصر خارج المعركة، ولكن ان تنقل لاسرائيل رسائل بعدم الذهاب بعيدا في التقدم على الارض وفي قصف الجبهة الداخلية السورية وان كان لغرض منع تعاظم الضغط على مصر لمساعدة سوريا.

اذا هاجمت سوريا اسرائيل سيكون أسهل على مصر الامتناع عن الارتباط بها. يحتمل ايضا أن يفسر الهجوم السوري في العالم العربي، ولا سيما في الدول العربية التي تخشى ايران كخطوة متسرعة تضعضع الاستقرار في المنطقة وتصرف الانتباه عن التحدي الايراني. هذه الظروف ستسهل على مصر الشرح لماذا لا تساعد قواتها سوريا، ومحاولة منع الدول العربية الارتباط بسوريا والظهور بذلك بان الموقف الحيادي لا يعكس موقف مصر وحدها.

سقوط العراق في العام 1991 اضعف "الجبهة الشرقية" التي انهارت تماما مع احتلال العراق في العام 2003. وعليه، فان سوريا المنعزلة ستضطر الى الاعتماد على ايران. مصر لن ترى ذلك بعين طيبة بسبب تخوفها من ان تستغل ايران المواجهة كي تعمق قبضتها في سوريا ومحيطها، يشجع سوريا على تصعيد القتال وتجر اليه مصر ايضا. منذ البداية ايران كفيلة بان تشجع سوريا على القتال، ولا سيما اذا اتخذت اسرائيل صورة الدولة الضعيفة في اعقاب انسحاب الولايات المتحدة من العراق و/او في اعقاب سياسة اكثر انعزالا من جانب القوة العظمى.

من شبه المؤكد أن مصر ستعارض خطوة سورية مستقلة ومحدودة، كعملية مبادأة عسكرية في الجولان وكذا لهجوم من خلال حزب الله من لبنان. وحتى لو كان الهدف السوري دفع اسرائيل للتنازل عن هضبة الجولان، فان اسرائيل لن ترى بعين طيبة مبادأة عسكرية سورية.

في نهاية المطاف اذا ما وقعت مواجهة اسرائيلية – سوريا، يبدو أنه مع كل التوتر الذي سيسود بين اسرائيل ومصر سيتمكن الطرفان من الامتناع عن الصدام العسكري بينهما.

        الخلاصة

        هناك تخوف من الغاء اتفاق السلام بين اسرائيل ومصر بل ومواجهة بينهما كنتيجة لعوامل على المستوى المصري الداخلي وعوامل على المستوى الاقليمي.

        على المستوى المصري الداخلي حسني مبارك، يؤدي هذه المرة ولايته الاخيرة. وهو يؤهل ابنه جمال كخلف له. ومع ذلك، فان انعدام تجربة جمال يثير الشكوك في أن يتمكن من ان ينتخب للرئاسة ويبقى فيها. الكثير سيكون متعلقا باستعداد المؤسسة، ولا سيما الجيش واجهزة الامن لدعمه. في مصر قد ينشأ انعدام للاستقرار وصراعات داخلية بين فصائل مختلفة في ظل تزايد النهج المناهض لاسرائيل، كوسيلة لحشد الشعبية. كما توجد امكانية ان يكون الرئيس المصري القادم معاديا لاسرائيل الامر الذي يزيد الاحتمال للازمات المتوالية والحادة، والغاء اتفاق السلام بل للحرب.

        يحتمل أن ينجح الاسلام الراديكالي في مصر في السيطرة على الدولة بالانتخابات الديمقراطية او الحرب الاهلية. امكانية اخرى هي ان تقع في مصر ثورة مثل تلك التي وقعت في ايران في نهاية السبعينيات. مثل هذا التطور سيضعضع ان لم يسقط العلاقات الاسرائيلية – المصرية.

        على المستوى الاقليمي ، فان صعود ايران، ولا سيما اذا كان بحوزتها سلاح نووي، سيشجع مصر على تحقيق سلاح نووي، الامر الذي من شأنه ان يضعضع علاقاتها مع اسرائيل. وحتى دون مثل هذه الخطوة فان المسألة النووية قد تمس بالعلاقات بين الدولتين في ضوء الحماسة المصرية لتقييد القوة النووية لاسرائيل.

        صدامات بين اسرائيل والفلسطينيين كفيلة بان تؤدي الى احتكاك بين اسرائيل ومصر. ولكن التوتر بين اسرائيل ومصر بسبب الفلسطينيين بشكل عام، وبسبب ما يجري في قطاع غزة بشكل خاص، ليس سببا كافيا للمواجهة بينهما. كما أنه من المشكوك ايضا أن تسمح مصر لنفسها بالانجرار الى مغامرة عسكرية خطيرة اذا ما بادرت سوريا بنشاط عسكري ضد اسرائيل.

        رغم التخوفات في اسرائيل من القدرة العسكرية المتزايدة والمتطورة ومن النوايا المصرية، فان مبادرة حربية اسرائيلية ستكون الخيار الاخير. في ضوء ذلك على اسرائيل ان تركز على تحييد العوامل التي من شأنها ان تشعل مواجهة مع مصر ولا سيما تلك الاكثر تفجرا: تأييد لخلف مقبول من جانبها، وتجريد سيناء من السلاح.

        اذا كان خليفة حسني مبارك سيروق لاسرائيل فان عليها ان تمتنع عن تأييد علني ومباشر له. ومع ذلك يحتمل أن يكون بوسع اسرائيل ان تسهل عليه بشكل غير مباشر ودون تنسيق معه. يمكن لاسرائيل، وليس بالضبط بالطريق الرسمي، ان تشجع اوروبا والولايات المتحدة على مساعدة مصر في المستوى الاقتصادي، الامر الكفيل بمساعدة الحاكم الجديد على البقاء.

        على اسرائيل ان توضح بل وان تردع مصر من محاولة تآكل تجريد سيناء من السلاح. في وضعت تآكل التجريد لسيناء سيتعين على اسرائيل ان تعيد النظر في نهجها نحو سيناء ومن هنا ايضا نهجها نحو مصر.

        هناك عدة عوامل وسيناريوهات كفيلة بالتأثير على مستقبل اتفاق السلام بين اسرائيل ومصر. يبدو أن اهمها والذي سيؤثر على العوامل الاخرى ايضا، سيكون مسألة خلافة حسني مبارك، بسبب الوزن الكبير لمنصب الرئيس المصري. مبارك سينهي ولايته ويعتزل في 2011. ولاسرائيل نحو سنتين كي تستعد في كل المستويات.

 

انشر عبر