كتبت ميرفت عوف: إسرائيل وإندونيسيا.. هل يصل قطار التطبيع إلى أكبر دولة إسلامية؟

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 02:57 م
14 يونيو 2022
التطبيع بين إسرائيل وإندونيسيا

داخل الكنيس الوحيد، الذي يتوسَّط مقاطعة شمال سولاويزي بإندونيسيا، نجح المركز العالمي لإحياء ذكرى المحرقة المعروف باسم "ياد فاشيم"، ومقره في القدس المحتلة، في افتتاح أول متحف دائم مُخصَّص لذكرى ضحايا الهولوكوست في يناير/كانون الثاني عام 2022. أعلن القائمون على المتحف أن هذه الخطوة أتت تحديا لتزايد المشاعر المعادية لليهود في إندونيسيا، وكذلك مواجهة لبعض الادعاءات التي تُشكِّك في حدوث المحرقة، حسب تصريح يعقوب باروخ، رجل الأعمال الإندونيسي والحاخام اليهودي.

لكن قبل مُضي الأسبوع الأول على افتتاح المتحف اليهودي، بدأت تحركات الجماعات الإسلامية الإندونيسية، وعلى رأسها "منظمة نهضة العلماء"، للمطالبة بإغلاقه، إذ اعتبر المحتجون أن إنشاء هذا المتحف في هذا التوقيت يأتي لخدمة أجندة دولة الاحتلال الإسرائيلي الراغبة في تطبيع علاقاتها مع أكبر دولة ذات غالبية مسلمة في العالم، إذ سبق أن عبَّر الإسرائيليون عن آمالهم في أن تكون "إندونيسيا" هي الدولة التالية في سلسلة الدول المُطبِّعة معهم، وحلَّت وفود من جاكرتا بـ"تل أبيب" للاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجالات الطب والزراعة والتكنولوجيا، فهل أوشكت "إسرائيل" على تحقيق مرادها بضم إندونيسيا إلى قائمة المُطبِّعين؟.

تقارب حذر

انطلقت العلاقات بين إندونيسيا وإسرائيل بعد وقت قصير على إنشاء دولة الاحتلال، لكن ظلَّت هذه العلاقات محدودة للغاية حتى وصول نظام الرئيس "محمد سوهارتو" إلى السلطة (1968-1998) حيث بدأت جهود جاكرتا للاقتراب من إسرائيل تأخذ منحى أهم، رغم اقتصار التعاون آنذاك على المجال العسكري عبر مجموعة اتفاقيات سرية. اشترت إندونيسيا في السبعينيات والثمانينيات أسلحة من إسرائيل، وتلقَّى الجنود الإندونيسيون التدريب داخل الدولة العبرية، كما انخرطت الحكومتان في تعاون أمني غير معلن، وهو تعاون شهد طفرة بعد توقيع اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين عام 1993. أما في المجال الاقتصادي، فقد ارتكزت العلاقات التجارية بين البلدين في بدايتها على تصدير إندونيسيا للكثير من المنتجات الزراعية كزيت النخيل والورق والأخشاب إلى إسرائيل، مستفيدة بالمقابل من التكنولوجيا والبرامج الإلكترونية الإسرائيلية المُتقدِّمة.

بيد أن التوسُّع الأهم في العلاقات بين البلدين بدأ مع حقبة الرئيس عبد الرحمن وحيد (1999-2001) الذي يُعَدُّ أول مَن بدأ السعي إلى فكرة التطبيع، ورغم أن المعارضة الداخلية القوية في إندونيسيا وَأَدت فكرة وحيد في مهدها، فإن تلك الحقبة شهدت سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى بين جاكرتا وتل أبيب، خاصة تلك التي عُقدت على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وقد كان ليهود إندونيسيا دور مهم في تعزيز تلك العلاقات، فعلى سبيل المثال، ساعد "بنيامين كنتانغ"، وهو يهودي إندونيسي كان يدرس في إسرائيل عبر منحة من الرئيس وحيد، في إنشاء لجنة الشؤون العامة الإندونيسية الإسرائيلية (IIPAC) عام 2002، وهي مؤسسة تضم نحو 4450 عضوا.

ورغم القيود الإندونيسية الكبيرة على التجارة المباشرة مع إسرائيل، إذ تُمنع الشركات الإسرائيلية من الحصول على شهادة ممارسة الأعمال التجارية في إندونيسيا كون دولة الاحتلال غير معترف بها رسميا، أُنشئت غرفة التجارة الإسرائيلية الإندونيسية في تل أبيب عام 2009 بهدف تعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين، بعدما بلغ حجم التبادل التجاري بينهما عام 2008 نحو 100 مليون دولار. ويسعى المسؤولون الإسرائيليون لإقناع جاكرتا بتخفيض قيمة التأشيرة السياحية التي تبلغ 800 دولار، حتى يتمكَّن سياحها من تكثيف زياراتهم لهذه الوجهة التي تستأثر باهتمامهم.

ربما أغرت موجة التطبيع العربي مع إسرائيل المسؤولين في دولة الاحتلال بضم بلد مسلم آخر إلى قطار التطبيع، لكن مساعي إسرائيل تجاه جاكرتا، ودول منطقة جنوب شرق آسيا عموما، ليست وليدة التطورات الأخيرة. فمنذ وقت طويل، سعت دولة الاحتلال للحصول على صك التطبيع الرسمي مع إندونيسيا، التي تمسَّكت في المقابل بربط أي جهود للتطبيع الرسمي بتجاوب إسرائيل مع المقررات الدولية التي تقضي بإقامة دولة فلسطينية.

لكن هذه الممانعة الإندونيسية لم تُثنِ إسرائيل عن المحاولة مرارا وتكرارا، لقناعتها بالفوائد التي يمكن أن تُحصِّلها من صفقة كتلك، خاصة مع الرمزية التي تحملها إندونيسيا بوصفها أكبر موطن للمسلمين في العالم، ما يعني أن التطبيع معها يمكن أن يدحض سردية أن دولة الاحتلال هي كيان منبوذ من قِبَل المسلمين. ونتيجة لذلك، شحذ الإسرائيليون أسلحتهم لإقناع جاكرتا بالتطبيع بإبراز الفوائد التي يمكن أن تُحصِّلها البلاد حال أقامت علاقات رسمية مع دولة الاحتلال.

تتعلَّق هذه الفوائد بعدة مجالات حرجة تتطلَّع إندونيسيا بشدة إلى تطويرها، وفي مقدمتها المجال الطبي. وفي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن راديو جيش الاحتلال الإسرائيلي عن زيارة نادرة لوفد من المسؤولين الإندونيسيين إلى تل أبيب، بهدف مناقشة إستراتيجيات مواجهة فيروس كورونا. ورغم أن الحكومة الإندونيسية نفت صحة التقارير الإسرائيلية التي تحدَّثت عن هذه الزيارة، فإن إسرائيل ما فتئت تحاول استغلال الصعوبات الكبيرة التي يعاني منها القطاع الطبي في إندونيسيا، حيث تكاد تقتصر الرعاية الصحية الجيدة على الأثرياء فقط، وذلك عبر اقتراح استخدام تقنية الطب عن بُعد (أجهزة الاستشعار الطبية التي تُشغَّل عن بُعد) التي تُعَدُّ دولة الاحتلال رائدة فيها ويمكن من خلالها توفير الرعاية الطبية الأساسية لشريحة كبيرة من السكان.

وبالإضافة إلى الطب، تأمل تل أبيب في التعاون مع جاكرتا في عدد من المجالات الأخرى، بداية بقطاع الطاقة الذي تمتلك إسرائيل فيه تقنيات تُتيح الوصول الفوري إلى موارد الغاز الوفيرة، وكذلك قطاع التعليم الذي طوَّرت فيه دولة الاحتلال أساليب وبرامج فعالة للتعلُّم عن بُعد، حيث تعاني إندونيسيا من انخفاض جودة التعليم في أجزاء كثيرة من البلاد.

ويبقى التعاون في القطاع الزراعي أحد أبرز المجالات التي يتفاخر الإسرائيليون بأنه يلعب دورا كبيرا في التطور الأخير الذي شهدته العلاقات بين الجانبين، إذ تحدَّثت وسائل إعلام عبرية مؤخرا عن وجود تعاون بين "برابوو سوبيانتو"، وزير الدفاع الإندونيسي، وبين أطراف إسرائيلية خلال الأشهر القليلة الماضية في مجال الزراعة والأمن الغذائي، ذلك لأن الرجل الذي يعتزم الترشح لمنصب رئيس إندونيسيا عام 2024 يرى في تل أبيب بوابة جاكرتا نحو تحسين العلاقات مع واشنطن.

يُمثِّل استعداد إسرائيل للمساعدة في تطوير المجال الزراعي الإندونيسي فرصة مهمة بالنسبة إلى بلد يوظِّف نحو 40% من أياديه العاملة في الميدان الزراعي. ففي مجال زراعة الأرز مثلا، سوف تُتيح التكنولوجيا الإسرائيلية استخدام الري بالتنقيط عوض إغراق حقول الأرز بالماء، وسيمنح التطور التكنولوجي الإسرائيلي للمزارعين الإندونيسيين فرصة زراعة المحاصيل في غير موسمها، مما يعني انعكاسا مباشرا على معدلات الفقر في بلد يستورد ما يُقدَّر بـ 5 مليارات دولار سنويا من المنتجات الزراعية.

تحركات أميركية وتشجيع عربي

في منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، كشفت وسائل إعلام أميركية عن تناول "أنتوني بلينكن"، وزير الخارجية الأميركي، قضية تطبيع العلاقات بين إندونيسيا وإسرائيل خلال زيارته الأخيرة لجاكرتا. لم يكن هذا السعي الأميركي لضم جاكرتا إلى قوافل المُطبِّعين مع إسرائيل مفاجئا، فقد اجتهدت إدارة ترامب من قبل في ضم البلد الآسيوي إلى قائمة الموقِّعين على اتفاقيات أبراهام ليُسجَّل ذلك ضمن إنجازاتها، لكن الوقت لم يسعفها على ما يبدو.

من جهتها، طالبت إندونيسيا باتفاق تجاري مُطوَّر مع الولايات المتحدة مقابل اتخاذ خطوات نحو التطبيع، حسبما أشارت بعض المصادر الإسرائيلية حينها، لكن مع انتهاء عهد ترامب توقَّفت المفاوضات التي لم تكن قد نضجت بعد. ومع وصول إدارة بايدن إلى البيت الأبيض، استأنفت واشنطن انخراطها في اتفاقيات التطبيع، إذ اعتبرت الإدارة الأميركية الجديدة أن مزيدا من التوسُّع في هذه الاتفاقيات سيخدم مصالح واشنطن على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث سيُمكِّن الأميركيين من التحصُّن بحلفائهم الآسيويين لمواجهة التغوُّل الصيني في المنطقة وخارجها، وهي ما يجعل جاكرتا تتمتع بأهمية في أولويات السياسة الخارجية الأميركية.

تُعوِّل واشنطن، وحليفها الإسرائيلي، على عدة عوامل قد تدفع نحو تسهيل صفقة التطبيع الإسرائيلي الإندونيسي، فإندونيسيا، المختلفة عن جارتها "ماليزيا" التي يتبنّى قادتها خطابا "معاديا للسامية"، بحسب وصف المسؤولين الإسرائيليين، تبدو أكثر قابلية لتغيير موقفها بسبب التطورات المتلاحقة في السياسة الخارجية لعدد من الدول من حولها كالإمارات. إذ تُفسِّر بعض المصادر التزام جاكرتا الصمت حول اتفاقية التطبيع بين الإمارات وإسرائيل بالعلاقة القوية التي تربط الرئيس "جوكو ويدودو" بأبو ظبي التي كانت على رأس قائمة الدول الخليجية التي منحت استثمارات هائلة لإندونيسيا في بناء العاصمة الجديدة في جزيرة بورنيو، بخلاف ترؤس ولي العهد محمد بن زايد اللجنة التوجيهية لبناء هذه العاصمة المُخطَّط لها في "شرق كاليمانتان". بجانب ذلك، تراقب جاكرتا الاستجابة الهادئة التي قابلت بها الرياض اتفاقيات التطبيع الإسرائيلي مع بعض دول الخليج، وبالنظر إلى أن السعودية تتمتع بنفوذ أكبر في إندونيسيا من أي دولة عربية أخرى، فإن مباركة السعودية المُحتملة ربما تدفع جاكرتا للمُضي قُدما.

بعبارة أوضح، لم يعد التطبيع مع إسرائيل يُشكِّل خطرا على علاقات إندونيسيا بعدد من الدول العربية ذات الصلة الوثيقة بها، وهو أحد العوامل المهمة التي جعلت جاكرتا تتردَّد طويلا في تلك الخطوة. وسيكون بإمكان جاكرتا تأكيد دعمها للفلسطينيين عبر حل الدولتين السلمي والتفاوضي كما فعلت الإمارات والبحرين وغيرهما من الدول المُطبِّعة، كما يمكن لإندونيسيا أن تحتذي أيضا بنموذج العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وتركيا القائم منذ عام 1949، فأنقرة رغم دعمها للقضية الفلسطينية وتدهور علاقاتها مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، تمكَّنت من الحفاظ على علاقات اقتصادية وتجارية قوية مع دولة الاحتلال.

أما على الصعيد المحلي، تأمل إسرائيل أن تُغيِّر انتخابات 2024 في إندونيسيا الوجوه السياسية على نحو يُعيد ترتيب السياسات الخارجية، كما شكَّل انتخاب "يحيى شليل ستاقف" رئيسا جديدا لـ"نهضة العلماء"، أكبر منظمة إسلامية في إندونيسيا، بارقة أمل كبيرة لدى الإسرائيليين في حدوث تغيير يخدم حضورهم داخل البلاد. فيحيى ستاقف، المعروف باتصالاته الجيدة مع الغرب، زار دولة الاحتلال عام 2018 لتقديم الدعم للشعب الفلسطيني، ولم يستبعد إمكانية التعامل مع إسرائيل "خارج الدبلوماسية الرسمية" لخدمة مصالح الفلسطينيين، كما ذكرت صحيفة "جاكرتا بوست" الإندونيسية في يناير/كانون الثاني الماضي.

رغم كل هذه الظروف المُشجِّعة، تبقى مسألة إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل محفوفة بالمخاطر، وتكتنفها جملة من العقبات الكبيرة، فإندونيسيا المعروفة بمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي ستكون مطالبة بتعديل موقفها التقليدي تجاه تل أبيب والحيدِ عن سياستها الخارجية المناهضة للاحتلال، مُتخلية بذلك عن أهم المبادئ التي ينص عليها دستورها وهو أن "الاستقلال حق جميع الشعوب".

كما أن التضامن الشعبي الإندونيسي الكبير مع الفلسطينيين، الذي يظهر في خروج الشارع في جاكرتا إثر كل اعتداء إسرائيلي على الفلسطينيين، من المرجَّح أن يعوق أي علاقة متوقَّعة بين جاكرتا وتل أبيب، إذ تحظى القضية الفلسطينية بتأييد ساحق من قِبَل السكان الإندونيسيين، وتُظهِر آخر أرقام استطلاعات الرأي التي صدرت في مايو/أيار الماضي أن الغالبية العظمى (71%) من المستجوبين يُحمِّلون إسرائيل المسؤولية عن الصراع في الأراضي المحتلة.

وبالإضافة إلى كل ما سبق، سوف تصطدم القيادة السياسية في إندونيسيا بمواقف الأحزاب السياسية نافذة السلطة في البرلمان، حيث إن أي تحوُّل في السياسة الخارجية للبلاد يتطلَّب موافقة هذه الأحزاب أولا، وسيكون بإمكان هذه الهيئات السياسية تأخير عملية التطبيع أو التأثير على شكلها النهائي على أقل تقدير.

 يستبعد بيزارو جوزالي، المحاضر في العلاقات الدولية بجامعة الأزهر بإندونيسيا، إقامة بلاده علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكون إندونيسيا لديها قانون أساسي (دستور جمهورية إندونيسيا لعام 1945) يؤكد وجوب إلغاء الاستعمار من العالم. لكنه لا ينفي وجود محاولات من قِبَل الإسرائيليين وحلفائهم لإغواء الحكومة الإندونيسية لإقامة علاقات دبلوماسية، على اعتبار أنها أكبر دولة إسلامية في العالم.

يُضيف بيزارو في حديثه لـ "ميدان": "على الرغم من أن إسرائيل والولايات المتحدة نشطتان للغاية في الضغط على السلطة الإندونيسية، ورغم حرص الحكومة الإندونيسية على إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل، فإن جاكرتا تؤكد في الوقت الحالي دعمها لفلسطين، حتى إن وزيرة الخارجية ريتنو مرسودي قالت مؤخرا إن فلسطين ستظل دائما في قلب الدبلوماسية الإندونيسية، وفي رأيي، ستكون التكلفة باهظة للغاية إذا أقامت إندونيسيا علاقات رسمية مع إسرائيل".

على أية حال، تدرك القيادات السياسية الإندونيسية الحالية أن اتفاق التطبيع بين جاكرتا وتل أبيب لن يتم عبر قفزة واحدة نوعية تُعيد تعريف العلاقات، لكن من جهتها، تُعوِّل دولة الاحتلال على الخطوات التدريجية المتخذة بحذر لتقليل الاستياء العام تجاهها في إندونيسيا، على أمل أن تساهم التغيرات في الداخل الإندونيسي والتطورات في الشرق الأوسط في تغيير السياسات في نهاية المطاف، والفوز بالجائزة الكبرى لضم أكبر دولة إسلامية إلى قطار المُطبِّعين.