شريط الأخبار

محاضرة للدكتور رمضان شلح بجامعة حلب حول:"آخر المستجدات على الساحة الفلسطينية وتكريس ثقافة المقاومة

08:06 - 29 تموز / أبريل 2009

بسم الله الرحمن الرحيم

محاضرة بعنوان:

آخر المستجدات على الساحة الفلسطينية وتكريس ثقافة المقاومة

للدكتور رمضان عبدالله شلح، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين،

 بمدرج الطب الكبير بجامعة حلب مساء الثلاثاء 28/4/2009

مقدم المحاضرة الدكتور جمال نسلة: عضو قيادة فرع جامعة حلب

الرفيق الأستاذ الدكتور محمد يوسف الهاشم، أمين فرع جامعة حلب لحزب البعث العربي الاشتراكي.. أعضاء وقيادة الفرع.. ضيوف جامعة حلب الأكارم..

إن الملاحم والبطولات لا تسطر بالكلمات والعبارات، ولا تتعزز بالشعارات، إنما هي ذاكرة حية وثقافة لأجيال المقاومة والكرامة والهوية، وأية ملحمة أو نصر تنصفه الكلمات أو تتحدث عنه المقالات وقد وصفه العالم أجمع بأنه من أعظم المعجزات، فسقط بعزيمة المقاومين أعتى الترسانات وانهارت كل المدرعات، وأفرغت أمام عزيمته أحدث الطائرات من عدو لا يؤمن بالسلام إذا لم نصده بالمقاومة.

فلسطين تبث في صدورنا روح الكفاح، وتلك الدماء التي صبغت سماءنا وترابنا بلون الفداء لا تزال تذكرنا بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة. إن الجباه السمراء والأكف المشدودة على السلاح في جنين وجبل النار وغزة وبيت المقدس هي التي تشرق من خلالها شمس الجليل والجولان، فكان الشرف لسورية أنها قلب العروبة النابض بثقافة المقاومة، وشرف لسورية أنها شريك النصر وأنها لا تقبل المساومة.

إن دروس المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق أضافت لتاريخ نضال الشعوب الحرة إشراقات جديدة. المقاومة هناك هي أم تكون في عرس الوداع الأخيرة لشهيد تضع بين كفيه البندقية صنعوا من النضال درعاً لا يلين فكان للبطولات فاتحين وفي المعارك جند مسؤولين، كتبوا بكل ذرة من تراب غزة أساطير الكفاح، فمن دير بلح أشرق النصر كبارق الصباح، وفي جانيونس ظهروا كالأشباح، وفي النصيرات بشروا بالنجاح، وفي جباليا هزموا الاجتياح وأعلنوا من بيت لاهيا أن زمن الهزائم ولى وراح.

هي غزة كل شجر فيها وحجر له قصة نضال وفداء، كل ذرة من ترابها تفوح عطراً من دماء الشهداء، كل شبر فيها فيه ملحمة وبطولة أو أثر من أثر الأنبياء.

ضيفنا اليوم المجاهد الدكتور رمضان عبدالله شلّح، أحد مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، هو حامل لدم الشهيد المؤسس الدكتور فتحي الشقاقي الذي اغتالته يد الغدر الصهيوني في مالطا عام 1995.

ولد في الشجاعية بغزة عام 1958، حصل على البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة الزقازيق في مصر عام 1981، ثم عمل محاضراً في الجامعة الإسلامية بغزة حتى عام 1986، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد في عام 1990من جامعة درم في إنكلترا، وبعد حصوله على الدكتوراه، توجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعمل في المجال الأكاديمي في البحث والتدريس في جامعة جنوب فلوريدا لمدة خمس سنوات، ثم غادر الولايات المتحدة الأمريكية في صيف 1995 قاصداً فلسطين، ولكن عرج على دمشق والتقى الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، ثم فوجئ باستشهاد الدكتور فتحي الشقاقي على يد الموساد الإسرائيلي في مالطا عام 1995، وعند اغتيال الشهيد فتحي الشقاقي تم اختيار الدكتور رمضان شلح من قبل الحركة ليكون أميناً عاماً وليكمل المسيرة ويؤدي دوراً بارزاً في الحفاظ على فكر الشقاقي، وعمل على مدى 14 عاماً على أن يكون لحركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس أداة كفاحية وسياسية وتنظيمية مهمة ومميزة شهدناه خاصة في ملحمة غزة الأخيرة التي أضافت لنصرنا نصراً جديداً على عدو لا يفهم إلا لغة المقاومة.

"إننا مع فلسطين بقدر ما فلسطين لفلسطين" بهذه الكلمات للقائد الخالد حافظ الأسد نستطيع أن نعبر باحتضاننا لقضية عروبتنا فلسطين بقيادة سيادة الدكتور بشار الأسد لتعزيز فكر ونهج وثقافة المقاومة حيث قال سيادته في قمة الدوحة: "المقاومة شرف لنا وليست تهمة ضدنا ولا عار علينا أن نفتخر بها".

وها هي اليوم جامعة حلب، الجامعة، الجامعة للعلم والفكر والثقافة والمقاومة، وكعادتها منذ النصر تحتفل بالفرحة وتقتسم الانتصار؛ فجامعة حلب تلتقي اليوم بأحد أركان المرابطين ومن رسموا ملامح النصر المبين ومن بينوا للعالم أجمع حقائق المغرضين ومن أهدى النصر في غزة لإخوانه العرب والمسلمين، إنه الدكتور رمضان شلّح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس، من استهلت به حلب بهجة وسروراً وأنشأت قلعتها العتية من البيان سطوراً، فأهلاً وسهلاً بمن جاءنا فارساً منصوراً نتطلع جميعاً لسماعكم أخي الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الأستاذ الدكتور رمضان عبدالله شلّح فليتفضل مشكوراً.

كلمة الدكتور رمضان:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ... والصلاة والسلام على سيد وخاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى سائر أخوانه من الأنبياء والمرسلين وبعد ..

السادة العلماء .. الأخوة والأخوات الحضور الكرام.. إخواني طلبة وطالبات الجامعة أحييكم جميعاً أطيب التحيات، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اسمحوا لي بداية أن أتوجه بخالص التحية والشكر إلى إدارة جامعة حلب، هذا الصرح العلمي العتيد، وإلى قيادة فرع حزب البعث العربي الاشتراكي في الجامعة، وعلى رأسهم رئيس الفرع الأستاذ الدكتور حمد يوسف الهاشم، وإلى مكتب الطلبة ومكتب الطلبة العرب بالجامعة، الذين شرفوني بهذه الدعوة الطيبة للقاء هذه الوجوه الكريمة في هذه الليلة المباركة.

جئت إلى حلب حاملاً جرح فلسطين وجرح غزة المحاصرة، ولكن هذا الجرح كله حنين إلى حلب الشهداء، حلب التاريخ وقلعة الصمود كما هي قلعتها العتيدة الراسخة الأركان في الأرض، جئنا إلى حلب يحدونا قول المتنبي:

               كلما رحبت بنا الروض قلنا

                                        حلب قصدنا وأنت السبيل

فيا حلب، والله ما شعرنا يوماً أن هنالك فارقا بين عطرك وأريجك وعبق التاريخ الذي يفوح من جنباتك، وما يحمله إلينا النسيم من عبق الحنين إلى هذه الأمة، من سماء عكا وحيفا ويافا والجليل.

 جئنا إلى حلب الشهباء.. شقيقة دمشق الفيحاء..  دمشق حاضنة المقاومة وعاصمة الممانعة، في زمن عزت فيه العواصم، في زمن نسيت فيه بعض العواصم أسماءها، وخرجت من جلدها، ومن عباءتها، التي البسها لها الله سبحانه وتعالى، عندما اصطفى هذه الأمة لهذا الدور الرسالي الذي عرفت به في التاريخ.

شكرا لكم إخوتي وأخواتي الحضور الكرام، وشكراً لجامعة حلب التي تستضيفنا جميعاً الليلة.

جئت ولعلي اقدر أو أظن أن بعضكم قرأ في بطاقة الدعوة أن عنوان الحديث سيكون الليلة _ إن شاء الله _ في آخر المستجدات على الساحة الفلسطينية، وتكريس وتعزيز ثقافة المقاومة في الأمة، وخاصة في جيل الشباب الذي هو أساس مشروع المقاومة في فلسطين. المقاومة اليوم يحملها جيل الجامعات، وجيل المدارس، الذين ينطلقون من قاعات الدراسة إلى ميدان المواجهة وساحات الفداء في الاشتباك مع الاحتلال الصهيوني.

قد يخطر ببالنا جميعاً أن تكون آخر المستجدات في الساحة الفلسطينية اليوم هي: أن يعمل الشعب الفلسطيني بكل قواه على تحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء حالة الانقسام، وعلى تضميد جراح الشعب الفلسطيني بعد معركة غزة البطولية والأسطورية التي شاهدناها جميعا بالصوت والصورة على مدار 22 يوم من الصمود والمواجهة، وأن نرى فتحاً للمعابر وإنهاءً الحصار، وأن نرى عملاً دءوباً في الحفاظ على المقاومة وتكريس نهجها وتطوير أدائها واستمرارها في مقاومة الاحتلال.

لكن الذي يرقب الساحة الفلسطينية اليوم يرى أن هذه الصورة تكاد تكون غائبة، فالحصار ما زال قائماً، والانقسام ما زال موجوداً ويفعل فعله في الشعب الفلسطيني وقضيته, والحصار ما زال كما هو، والمعابر ما زالت مغلقة، وزاد على ذلك عبء الدمار الذي خلفته الحرب.

نعم، انطلق الحوار في القاهرة، ونحن الآن نسمع عن جولة جديدة ثنائية بين الإخوة في حماس والإخوة في فتح، لكن لا أحد حتى الآن يستطيع أن يتنبأ أو يتوقع إلى أين يمكن أن تصل قاطرة هذا الحوار؟!

نعم، انطلقت قاطرة الحوار، أو التئم الحوار الفلسطيني – الفلسطيني، لكن للأسف لم يلتئم الشمل الفلسطيني، ونحن ما زلنا نعاني الانقسام في ظل الاحتلال.

قد يسال سائل: لماذا  لم يتحقق ذلك؟ نقول وبإيجاز شديد: أن أسّ البلاء في هذه المسألة هو الكيان الصهيوني والاحتلال الصهيوني، وهذا ليس ترحيلاً لمشاكلنا وقضايانا على عدونا، لا، بل أعني بهذه المسألة أننا في السابق - كفلسطينيين - كنا دوماً موحدين في الموقف من هذا العدو والكيان؛ فإذا سألت أي فصيل وأي فئة وأي إنسان فلسطيني، من هي إسرائيل؟ قال لك: هي العدو اللدود، الذي اغتصب أرضنا، واقتلعنا منها بقوة السلاح، فأصبحنا لاجئين في انتظار حق العودة الذي نحرم منه. لكن اليوم هناك في الشعب الفلسطيني من إذا سألته هذا السؤال فإنه يقول: أنا لا يهمني ماذا يسمي اليهود أنفسهم، سموا أنفسكم كما تريدون، كونوا جمهورية إسرائيلية، كونوا جمهورية يهودية، أنا اعرف شيئاً اسمه "دولة إسرائيل"! أصبحت إسرائيل دولة معترف بها في نظر البعض منا، وهي جارتنا وحبيبتنا، وهي واحة الديمقراطية التي يجب أن نراعي حسن الجوار معها، وإذا سألت من العدو؟ يقال لك: العدو في داخل البيت، العدو هو المقاومة التي تريد أن تهدد قضية فلسطين وحياة الشعب الفلسطيني!!

 لا أيها الأخوة والأخوات، الانقسام اليوم هو انعكاس لتطاحن كبير في العالم كله، لأن فلسطين ما زالت بموقعها في التاريخ وفي الجغرافية السياسية للعالم، ما زالت فلسطين هي عقدة المنطقة، وما زال الصراع في فلسطين عقدة في السياسة الدولية كلها. لذلك، إذا أردنا أن نتحدث اليوم عن المستجدات وأن نستشرف المستقبل، فأنا لم آتِ من دمشق ولم أكلفكم عناء هذا الحضور الذي تكرمتم وشرفتموني به، لكي أتحدث لكم بمنطق فصائلي أن الحل عند فلان أو علان هو كذا وكذا، ونحن نقول إن الحل هو كذا وكذا... لا ، لم آت لأتحدث عن حلول ناجزة، أو أن أقدم نصائح وإرشادات ومواعظ للآخرين، أو تخطئة لهذا النهج أو ذاك، بل جئت لأتحدث إليكم في همٍ واحدٍ ومشترك بأبعاد وحجم قضية فلسطين في قلب ووجدان وعقل وضمير الأمة. جئت لأقدم محاولة لفهم ما يجري في فلسطين وفي المنطقة وفي العالم وما يتمحور حول هذه القضية.

 ولا أريد أن أوسع دائرة القراءة والبحث، وأقول بإيجاز شديد، إذا نظرنا إلى واقع السياسة الإقليمية والدولية والمحلية أيضا، فإننا نرى في المنطقة وفي العالم من حولنا ثلاثة متغيرات أساسية هامة يجب أن نتوقف عندها ملياً:

المتغير الأول: هو انتهاء أو انهيار مشروع الإمبراطورية في العالم.

الولايات المتحدة لم تنهار، وهي دولة عملاقة وكبيرة، ليس لدينا وهم ولا نتمنى لأي دولة في العالم أن تنهار حتى يصبح العالم غابة وفوضى، ولكن نقول إن حلم الإمبراطورية الأمريكية الذي كلف الولايات المتحدة حروباً استباقية وميزانيات "ترليونات الدولارات"، بدا واضحا اليوم أنه وصل إلى طريق مسدود وغير ممكن، بل إن الولايات المتحدة الآن في ورطة كبيرة جراء الأزمة المالية التي تعصف بالعالم كله، وربما يعلم الكثيرون منا أن كثيراً مما يسمى بالدول أو الأسواق الناشئة في العالم فقدت أكثر من نصف قيمتها منذ سبتمبر/ أيلول إلى اليوم، وأن النظم المصرفية في العالم تخسر فيها البنوك العالمية أرباحها في فترة ربع سنوية أو أرباحها لفصل من فصول السنة تخسره خلال ساعات في البورصات العالمية.

الأزمة الموجودة في العالم أكبر من طاقة أي نظام أو إدارة أمريكية لتسيطر عليها، لذلك مشروع الإمبراطورية التي بشر بها المحافظون الجدد، قد بدا واضحا أن تكلفته أكبر بكثير من أي عائد يمكن أن يجلبه للولايات المتحدة أو للعالم كله. لقد انتهى الحلم الإمبراطوري الأمريكي.

المتغير الثاني: هنالك فشل ذريع للمشروع الأمريكي في المنطقة. ما يسمى بـ"الشرق الأوسط الكبير أو الجديد" أيضا سقط، بفضل المتغير الثالث: وهو بروز وصعود قوى المقاومة والممانعة في الأمة، هذه القوى التي أثبتت أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه، واستطاعت لأول مرة في تاريخ الصراع أن تحقق بإرادة شعبية وبمقاومات شعبية، انتصارات غير مسبوقة في تاريخ هذا الصراع، كما رأينا في لبنان في تموز 2006 وفي غزة.

هذه المتغيرات ماذا أنتجت في العالم وفي المنطقة؟ ما الذي جلبته، وكيف تعامل معها الآخرون، وكيف تعاملنا معها نحن اليوم، سواء على صعيد الأمة العربية والإسلامية، أو ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط، ثم على صعيد وضعنا الفلسطيني وقضيتنا، التي جئتم لتستمعوا لآخر المستجدات بشأنها؟

هذه المتغيرات أفرزت آمرين اثنين هامين في العالم وفي المنطقة. على صعيد العالم، أفرزت إدارة أمريكية جديدة، وبشكل غير مسبوق، لأول مرة الانتخابات الأمريكية تحمل رئيساً من أصل إفريقي للبيت الأبيض، وكأن الشعب الأمريكي يتوسل إلى هذا الرجل، والمؤسسة الأمريكية بكل مكوناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية تقول لأوباما أنت الحل لهذه الدولة العملاقة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية. الخلاص يوضع اليوم في يد إدراة بقيادة رجل من أصل أفريقي، وهذا غير مسبوق، ولم يكن يتوقعه أحد ممن يدركون حقيقة وطبيعة وتركيبة النظام في الولايات المتحدة الأمريكية

على الصعيد الإقليمي، أفرزت هذه المتغيرات إدارة وقيادة صهيونية جديدة. وصول حكومة صهيونية يمينية، وبشكل لم يتمترس فيه اليمين في سدة الحكم كما هو هذه المرة. حتى من هو محسوب على الوسط مثل ليفني وحزبها، هؤلاء أصلهم جاءوا من الليكود - كلهم يمين - اليمني الصهيوني اليوم في سدة الحكم والقرار في هذا الكيان يشكل ما يقرب من 90% من البرلمان الصهيوني. وصول اليمين إلى سدة الحكم بهذه القوة هو تعبير عن الخوف والقلق على المصير والوجود، نتيجة صعود متغير قوى المقاومة في المنطقة وانجازاته وانتصاراته على أكثر من صعيد وعلى أكثر من جبهة.

ماذا عن وضعنا العربي والفلسطيني، وماذا أنتجت هذه المتغيرات في أوضاعنا العربية؟

الوضع العربي كلنا نعلم حاله، ولا نريد أن نطيل عليكم بالحديث فيه من باب الهجاء أو البكاء على الأطلال، ولكن أنا أريد أن أشير إلى بعض النقاط التي تفيد في فهم حقيقة وضعنا الإقليمي وما هو متوقع وما هو قادم، وماذا يجري في المنطقة حول كل القضايا التي تعاني منها وتتعاطى معها أمتنا اليوم .

النقطة الأولى التي أود أن أشير إليها، فيما يتعلق بوضع النظام العربي، ونحن نقول- إخوتي وأخواتي الأعزاء- "نظام عربي" مجازاً لأن النظام له تعريف، هناك أهداف وهناك قيم وهناك مؤسسات، هناك منظومة متماسكة، مجموعة علاقات إيجاباً وسلباُ بين هذه الدول تشكل نظاماً إقليمياً. اليوم ليس عندنا إلا هذا الهيكل المسمى "الجامعة العربية" فنحن مجازاً نقول النظام العربي .

في فهم النظام العربي نشير إلى عدة نقاط هامة:

الأولى : لم يعد هنالك في نظامنا العربي شيء اسمه دولة مركزية، ولذلك لا أحد يأتي ويسوق علينا أن هذه الدولة مركزية وقوية وتاريخية، نظام الدولة المركزية الذي حاوله جمال عبد الناصر في الستينات لم ينجح وانتهى كما نعلم جميعاً بنتائج حرب 67. حاول الكثيرون إعادة إحياء نموذج الدولة المركزية، سواء بالموقع التاريخي، بالإمكانات السكانية، بالإمكانات الاقتصادية، بالجغرافية السياسية، ولكن هذا لم يفلح، ولم يعد هناك منظومة دولة مركزية في نظامنا العربي.

ثانياً: منذ السبعينات ساد نظام المحاور في النظام العربي، وكان هناك محور بارز: (سوريا, مصر, السعودية ). للأسف حتى هذا المحور لم يعد في هذه المرحلة ممكناً، وواجه كثيراً من العقبات والتحديات والصعوبات، بحيث أصبح مطلوباً منا جميعاً أن نعمل في إدارة شئوننا ومعالجة قضايانا في غياب سياسة هذه المحاور التي يتحقق فيها قدر من التنسيق والتكاتف والتضامن في إدارة السياسات العربية في إدارة الصراع في المنطقة.

النقطة الثالثة والهامة: إن واقع النظام العربي أصبح محكوماً بهيمنة الدولة القطرية والمنطق القطري. دولنا جميعاً اليوم كلها تتحرك بمنطق "نفسي، نفسي". ولكن هناك معادلة أساسية يجب أن ننتبه إليها في هذه المسألة. عندما نتحدث عن القطرية، فالمنطق القطري بكل بساطة يغلّب مصلحة القطر أو مصلحة الدولة على مصلحة الأمة. وهنا يأتي دور القيادة المتميزة والمنحازة لقضايا الأمة لتحقق نوعاً من التوازن الدقيق بين مصلحة القطر أو مصلحة الدولة ومصلحة الأمة. وعندما تتناقض المصلحتان -ولا تناقض بالأصل- ولكن عندما يباع علينا وهم التناقض، أن تبرز قيادة تاريخية تنحاز لمصلحة الأمة على حساب مصلحة الدولة. نحن هنا نقول، وبكل فخر واعتزاز، ولا نقول ذلك مجاملة، أن سوريا تميزت في مجموع دولنا في القدرة على أحداث هذا التوازن الدقيق بين مصلحة الدولة أو القطر ومصلحة الأمة, وعندما كان يبدو هنالك تعارض، أو يقال لماذا تعرضون مصلحتكم كدولة للخطر، وتستضيفون المقاومة وتدعمون المقاومة، كانت سوريا تنحاز لغزة وللمقاومة وللبنان ولقضايا الأمة، حتى لو كان على حساب مصلحة القطر.

 إذن، أمام هذه الوضعية، عندما يصبح نظامنا العربي دولاً قطرية تتحرك فرادى، فليس هناك "استاتيك" في التاريخ. هناك شعوب. لم يعد الزمن هو زمن القطيع، والذي شاهد جماهير الأمة وجماهير العالم في زمن غزة، تأكد لديه – إن كان لديه شك – أن هذه الأمة ما زالت بخير وأن الشعوب ما زالت موجودة. لذلك، وعلى إيقاع ما صنعه المتغير الثالث، وهو صعود قوى المقاومة، كان لابد أن يكون هناك فرز في الأمة, لا أقول معسكرين، ولا أقول وجود تحالفين كبيرين في الأمة، لأن المعسكرات لها مقتضيات, و لكن هنالك اتجاهان بارزان: اتجاه ما يعرف اليوم باتجاه المقاومة والممانعة في الأمة، ويضم عدداُ من الدول رأيناها كعنوان عندما حدثت قمة قطر الطارئة في أثناء الحرب على غزة . الذين انتظموا في هذا الصف كانوا تعبيراً حقيقياً عن هذا التوجه الذي ينحاز لخيار المقاومة في الأمة.

ثم هناك اتجاه آخر، يقولون عنه الاعتدال، وأنا لا اسميه تيار الاعتدال، لأن هذا يعني أن الآخرين متطرفون, لا, هذا تيار أو توجه في الأمة قبل بأن يتكيف مع متطلبات المشروع الأمريكي والهجوم الذي تعرضت له الأمة خلال فترة المحافظين الجدد على الأقل، وما سبق ذلك منذ هجوم مشروع التسوية في المنطقة.

الآن, الاستقطاب الذي حدث في الأمة, على أي أمر يتم هذا الاستقطاب ؟ لن نتعرض إلى فشل النظام العربي بمجمله في معالجة الأوضاع الداخلية العربية، كلنا في الهم عرب، وكلنا عالم ثالث ونعاني, ولن نتعرض إلى العلاقات البينية بين الدول لأنها تعاني الكثير من التنازع والتناحر للأسف, لكن هناك مسألتين أساسيتين يدور حولهما الاستقطاب والتجاذب الآن في نظامنا العربي والإقليمي.

المسالة الأولى: الموقف من دول الجوار، والثانية، الموقف من العدو الصهيوني. أنتم تعلمون جميعاً أن دول الجوار المقصود بها اليوم بالتحديد إيران وتركيا. في السابق كنا نتحدث عن مثلث رعب يشكل تحدي وعداء للأمة فيه الكيان الصهيوني وتركيا وإيران الشاه, لكن اليوم هناك إيران التي تدعم قضايا الأمة العربية، وتتعاطف مع الشعب الفلسطيني، وتدعم جهاده ونضاله، ودعمت المقاومة في فلسطين ولبنان، ونصرتهما بالمال والعتاد والسلاح, هذه الدولة، مع تركيا المسلمة، والتي نحيي هنا من حلب الشهباء رئيس وزرائها (رجب طيب) أردوغان على موقفه إبان الحرب على غزة، هذه دول تعيد اكتشاف ذاتها وهويتها وتؤكد على انتمائها الإسلامي وارتباطها المصيري بهذه الأمة في هذه الجغرافيا.

 هذه الأمة مقبلة، سواء في تركيا أو إيران، لكن بعض العرب للأسف يريد لهؤلاء المسلمين القادمين إلينا بصدر رحب ومفتوح ، ويريد لنا أن ندخل في معركة معهم، وأن ندخل في حلف جديد. مع من ؟! مع الكيان الغاصب لفلسطين وللجولان وللأرض العربية ونخترع عدواً جديداً في المنطقة اسمه "إيران" !!

هذا الحراك يؤكد على أن هناك خللاً كبيراً في إدارة السياسة في منظومتنا الإقليمية العربية. اليوم النظام العربي كله نحن لا نطالبه أن يخوض حروباً لصالح القضية الفلسطينية، أو حتى للمساعدة في تحرير الجولان أو أي شبر من الأرض العربية المحتلة، أو مزارع شبعا أو غيرها, لا, ولا حتى أن يهرع لتجييش الجيوش للدفاع عن أرض العراق التي تتعرض لاستعمار بشع. نحن نقول إن المطلوب إدارة لهذا الصراع, تراعي من هو العدو، ومن هو الصديق؟ كيف يمكن أن ندير فعلاً هذا الصراع بأن يكون هنالك دور حقيقي تتكامل فيه الإمكانات والطاقات مع دول الجوار، التي هي دول إسلامية يربطنا بها العمق الجغرافي والتاريخي والهوية الإسلامية والمصير الواحد والمستقبل الواحد في هذه البقعة من الأرض، ثم نعرف أن العدو اللدود الذي يهدد هذه الأمة ويهدد مستقبلها هو الكيان الصهيوني، ثم أن نترك الخيار للشعوب. قوى المقاومة لا تطالب الدول في ظل موازين القوى الراهنة أن تأتي وتقاتل في حروب نظامية.

 ولكن ما هو الموقف- موقف الدول- من المقاومة ؟؟

موقف الدول من المقاومة أمامها ثلاثة خيارات:

- إما أن تقف على الحياد، وأن تقول لا طاقة لنا اليوم بهؤلاء الصهاينة وميزان القوى لا يسمح لنا, فنحن لا نؤيد المقاومة، ولا نعارض المقاومة، ولا ندعم المقاومة.

- هنالك مستوى آخر، وهو الدعم والتأييد بكل الوسائل والإمكانات الممكنة والمتاحة.

- وهناك خيار أن تدخل في مواجهة مع هذا الكيان كما خضنا حروباً وقدمنا قوافل الشهداء في كل الأقطار العربية. نحن نكرر أننا لا نريد من أحد في ظل ميزان القوى الراهن أن يدخل في مواجهة غير متكافئة، لكن نقول لا يملك أحد أيضا أن يقف على الحياد أمام ما تمثله إسرائيل من خطر على الأمة كلها ومشروعها في المنطقة،  سواء على الأقطار والشعوب إلى أقصى بقاع الأرض التي يتواجد فيها العرب والمسلمون. أما أن يقف البعض اليوم في خندق المواجهة مع المقاومة، أن يحاصر المقاومة، أن يلاحق  المقاومة، أن يجرم المقاومة؟! فنحن نقول، إن الذين يدعمون المقاومة ويمدون يد المساعدة والعون للمقاومة هؤلاء هم شرفاء الأمة يجب أن يكرموا ولا يجرموا.

عند هذه النقطة، ولا أريد أن أطيل كثيراًَ ولعلي أطلت، انتقل بسرعة إلي الوضع الفلسطيني، بعد هذا العرض لحال الأمة ولوضعنا الإقليمي، ماذا عن الوضع الفلسطيني واستجابته لهذه المتغيرات؟

نعلم أن أي مشروع وطني في أي دولة حرة ومستقرة في العالم يجب أن يكون جوهره الحفاظ على وحدة البلد أرضاً وشعباً وتأكيد سيادته على كامل أرضه. هكذا تتحرك كل شعوب الأرض، وإذا كانت البلد محتلة أو تتعرض لغزو واستعمار أجنبي، فان المشروع الوطني يجب أن يتحول فوراً إلي مقاومة هذا الاستعمار وتحرير أي بقعة محتلة من الأرض.

من هنا نقول إن من طبائع الأشياء أن يكون جوهر المشروع الوطني الفلسطيني، طالما أن فلسطين كلها ما زالت محتلة، بما فيها ذلك قطاع غزه والضفة الغربية، الإسرائيلي خرج من غزه لكن ما زال يملك السيادة، وقطاع غزه اكبر سجن في التاريخ كما تعلمون،  نقول طالما أن فلسطين كلها ما زالت محتلة، فلابد أن يكون جوهر المشروع الوطني هو تحرير الأرض، وليس بناء دولة أو كيان على مساحة من الأرض هنا أو هناك. هكذا كان جوهر المشروع الوطني الفلسطيني منذ أن بدأ الصراع واستمر على هذا الحال،  إلي أن خرجت علينا منظمة التحرير الفلسطينية كما تعلمون بما سمى في تاريخنا الفلسطيني بالبرنامج المرحلي عام 1974، وما بني عليه لاحقاً في الجزائر أو ما سمى إعلان الاستقلال، وللأسف الاستقلال في الوهم وفي الهواء، لأننا لم نستقل، وما زلنا نعاني من سطوة وقبضة الاحتلال، لقد تحول المشروع الوطني بدلا من أن يكون مشروع تحرير إلي مشروع إقامة دولة فلسطينية على حدود 67 يعني حدود الرابع من حزيران.

استبدل مشروع الدولة بمشروع التحرير، على أساس أن فلسطين التاريخية تم التنازل عن 80% منها، وأنها ضاعت إلي الأبد في عرف أصحاب مشروع الدولة.

لذلك، عندما نختصر المشروع الوطني والحلم الفلسطيني والاستقلال الفلسطيني والنهوض الفلسطيني الذي هو مركز نهوض الأمة بما تمثله إسرائيل، يجب أن ننتبه أيها الأخوة، أن ما يسمى بحل الدولتين أو إقامة دولة فلسطينية أصبح هو جوهر المشروع الوطني، رغم أن المنظمة عندما قامت حملت مشروع التحرير ومنه استمدت اسمها "منظمة التحرير الفلسطينية"، ولم يكن اسمها "منظمة الدولة الفلسطينية" أليس هذا هو الاسم، وحتى اليوم، لكن لا احد يجرؤ على تغييره .

مشروع الدولة ماذا يعني؟

1- أول شيء، وقد أشرت إلي هذه النقطة، استبدال مشروع الدولة بمشروع التحرير، وهذا أخطر شيء، ممكن يتعرض له أي شعب يتعرض للاستعمار أو الغزو.

2- الأمر الثاني، التركيز على شكل الدولة وليس مضمون الدولة. أصبح الهدف أنهم يريدون دولة فلسطينية على أي مساحة من الأرض. ماذا تملك من السيادة؟ هل لها جيش؟ هل لها طائرات؟ هل لها سماء؟ هل لها فضاء؟ هل لها أرض؟ هل لها حدود ؟ هل هي دولة حقيقة تملك مقومات دولة حقيقة؟ لا أحد يسأل عن ذلك, المهم نريد دولة وكفى! أصبح الشكل هو المطلوب وليس المضمون .

3- الأمر الثالث، أصبحت الدولة في المشروع الوطني الفلسطيني الذي يقوده البعض للأسف، قيادة منظمة التحرير الحالية، أصبحت الدولة مرادفاً للوطن, ولذلك نسمع اليوم على فضائية فلسطين مثلاً يتحدثون عن "جناحي الوطن" أي جناحين ؟؟ يعني الضفة وغزة , وإذا خصمنا من الضفة الغربية ما يصر نتنياهو أنه واقعياً أخذ منها،  50% في قبضة الاستيطان وغيره في الضفة, يصبح الوطن الفلسطيني في عرف هؤلاء 10% فقط، و هذا ما زال في طور الحلم الذي لم يصلوا إليه. عندما يقال بأن جناحي الوطن هما الضفة وغزة هذا تزييف وتزوير لتاريخنا, الضفة وغزة جزء عزيز من أرضنا، لكنها ليست هي الوطن كل الوطن, الوطن كل الوطن هو فلسطين كل فلسطين.

4- النقطة الرابعة في مشروع الدولة أو حل الدولتين، أن هذا الذي سيهدى لهؤلاء، أو شبه الدولة المسخ، ليس مجانياً في هذا النظام العالمي، بل الثمن المدفوع سلفاُ لهذه الدولة هو 90% من أرض فلسطين التاريخية، لأن الرهان هو على 50% فقط في الضفة الغربية، مع قطاع غزة الذي لا يريده أحد ويشكل عبئاً وفائضاً ولا يستطيع المشروع الصهيوني أن يتحمله، ثم التخلي عن حق العودة، يعني 5 مليون لاجئ فلسطيني هؤلاء خارج حل الدولة الفلسطينية التي تقام على جزء من أرض الضفة وقطاع غزة . أيضا من الثمن القدس، لا يمكن أن يصلوا إلى حل في قضية القدس يمكن أن يرضي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية،  ليس هناك قدس فعلاً يمكن أن يجيئوا بها في أي حل في ظل موازين القوى الراهنة, والخطر الذي يتعرض له اليوم أهلنا في القدس خطر التهجير، وخطر التهويد، والخطر الذي يتعرض له المسجد الأقصى خطر حقيقي، ويمكن في أي لحظة نفاجئ بان المسجد الأقصى قد انهار، وأن مشروع بناء الهيكل المزعوم تحول إلى حقيقة واقعة, الآن أكثر من 90% من الصهاينة في سدة الحكم وموضوع الهيكل بالنسبة لهم ليس أمراً هامشياُ، أصبح قضية إجماع لأننا عندما نتحدث عن 90% من اليمين في البرلمان إذا أكثر من 90% يؤمن بإعادة بناء الهيكل  بما يعني هدم وتدمير المسجد الأقصى , فالخطر الذي يتعرض له أهلنا في القدس والمسجد الأقصى وكل المقدسات الإسلامية والمسيحية خطر حقيقي وماثل أماما أعيننا و يكبر كل يوم .

أيضاُ من الثمن الذي سيدفع هو ثمن أهلنا في فلسطين المحتلة عام 48، أنتم تسمعون أن بعض الصهاينة يقولون يمكن أن نقبل بدولة فلسطينية بشرط  أن تعترفوا بأن الدولة يهودية. لماذا يريدون منا أن نعترف بدولة يهودية؟ حتى يتم ترحيل مليون وربع مليون فلسطيني، هؤلاء من حلب الشهباء من سوريا قلب العروبة النابض نوجه لهم التحية هذه الليلة, ونقول هؤلاء مسمار هذه الأمة وهم شوكتها في حلق هذا الكيان الصهيوني، لن يخرجوا وسيظلون متمسكين بكل حبة وكل ذرة من تراب فلسطين.

5- النقطة الأخيرة في مشروع الدولة، أن هذه دولة وظيفية يعني الدولة إذا قامت ستكون دولة وظيفية أمنية مسخ، مهمتها حفظ أمن إسرائيل في قلب هذه المنطقة، وستكون رأس جسر إلى الأمة كلها. وهذا هو الخطر الموجود في المبادرة العربية، المقايضة على الدولة الصغيرة  مقابل فتح أبواب الوطن العربي كله لتطبيع مع "إسرائيل " انظروا إلى هذه المقايضة ما أصعبها, كما قيل في السلام مع مصر، أعادوا لنا سيناء منزوعة السلاح لكن آخذوا منا كل مصر. والآن يريدون أن يعطونا بضع أمتار في الضفة وغزة حتى يأخذوا كل الوطن العربي بما يملك من مقومات ومقدرات، هذه هي اللعبة وهذا هو الرهان.

هل هناك فرصة وهل هناك إمكانية بأن يحدث هذا الحل؟

أنا أقول لكم بإيجاز:

 أولاً، على الأرض هذا الحل غير ممكن، أيضاً الشعب الفلسطيني بما فيه من قوى مقاومة حيوية، رأيتموها كيف صمدت في غزه، وفي مخيم جنين، وكيف قاتلت وصمدت أمام أعتى وأشرس آلة حربية في المنطقة، لا يمكن أن يقبل  بهذا الحل المسخ.

ثانياً، في السياسة، حتى الطرف الآخر بما يبيت لنا، بالنسبة له هذا الأمر غير ممكن. في السياسة قلنا إن هناك إدارة أمريكية جديدة، كل ما قدمه بوش والمحافظون الجدد لم يستطع أن يفي لهؤلاء بحل الدولة المسخ هذا، ولكن اليوم الإدارة الأمريكية الجديدة تعلم أن هذا المشروع، بالسمات التي ذكرتها الآن، هو مصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولى، وهذا ليس كلامي، هناك مئات التصريحات، من لديه شك يمكن أن نأتيه بها، لكل قيادات المشروع الصهيوني، رؤساء حكومات، وزراء خارجية، وزراء دفاع، الذين يؤيدون حل الدولتين، يقولون إن مصلحة إعطاء الفلسطينيين دولة، بالمواصفات التي تحدثنا عنها، هي مصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولي. لذلك، ستحرص الإدارة الأمريكية على أن تضغط بكل قوتها الآن على أن تنتزع هذا الحل من الإدارة الصهيونية الجديدة، ولكن ما الذي يجري في المنطقة الآن بهذا الشأن؟

أولاً، من حيث المبدأ يقال إن هناك موقفاً مبدئياً من حكومة نتنياهو، الحكومة اليوم لديها مشكلة في تحالفها وموقف بعض أطراف هذا التحالف من حل الدولتين، أيضا لديها مشكلة حتى مع مسار أنابوليس وخارطة الطريق، ولديها مشكلة مع المبادرة العربية، إذا أرادت أن تقدم تنازلات للإدارة الأمريكية الجديدة فعليها أن تقايض أي تنازل سيعطى للفلسطينيين أو العرب في الملف الفلسطيني بما يسمى الملف النووي الإيراني، أي أن يسمح لنتنياهو وحكومته أن تضرب إيران أو أن تشارك أمريكيا في ضرب إيران، أن تعطي الفلسطينيين فتاتاً من الأرض أو الحقوق حتى تمرر ما تريد من مخططات إقليمية ضد المسلمين وضد أمتنا على نطاق أوسع، بما تعني هذه الحروب وهذه المغامرات من حرائق يمكن أن تشتعل في المنطقة بأسرها.

إذا حدث هذا، معني ذلك أنهم يريدون منا أن يأخذوا كل فلسطين، وأن يعطونا هذا الفتات المسخ، حتى نسكت ونقايضه بضرب أجزاء عزيزة في أمتنا، وأن نؤسس لحروب وحرائق جديدة في قلب هذه الأمة، هذا أمر خطير ولا أظن أن المنطقة يمكن أن تذهب بسهولة إلي هذا الاتجاه.

ولكن الأمور، بتقديرنا، ستبقي مراوحة في المكان، لن يكون هناك حل نهائي لهذا الصراع، حتى أختم سريعاً.

سيحاولون طرح الكثير من الحلول هنا وهناك، ما بين مواجهات وما بين تهدئة، ولكن الحديث عن حل نهائي لهذا الصراع بتثبيت إسرائيل كجزء طبيعي في المنطقة على حساب شعب فلسطين، وعلى حساب حق الأمة كلها،  فهذا لن يحدث.

 إذن، ما هو المخرج، وما الذي يمكن أن نفعله، خاصة أن القضايا الراهنة والعالقة اليومية (قطاع غزه محاصر، المعابر، الحصار، الضفة، الحواجز) ما الذي يحدث؟ هل سيبقي الشعب الفلسطيني معلقاً، لا هو بهذا الاتجاه حسم أمره ولا هو باتجاه أي حل يخفف معاناته؟ نحن نقول من وجهة نظرنا الحل لابد أن ننحاز للحل الذي أثبت نجاعته وثبت أن العدو لا يفهم إلا هذه اللغة، وهنا بإيجاز آتي على الجزء الثاني من عنوان الحديث حيث تكريس ثقافة المقاومة في الأمة.

المقاومة ليست ثقافة طارئة نفرضها على أحد بقوة السلاح، لا،  المقاومة هي الجواب الأصيل في تاريخ كل الشعوب الحرة التي تعرضت لاستعمار وغزو أجنبي، وبتجربتنا العملية الراهنة أثبتت  نجاعتها في فلسطين ولبنان وفي العراق وأفغانستان.

المأزق الذي يعاني منه الأمريكان والمشروع الصهيوني في المنطقة اليوم، الذي صنعه المقاومة وانجازات المقاومة، فلابد أن تتحول المقاومة إلى خيار استراتيجي, وكما طرح الرئيس بشار في القمة، لأنه ليس هناك بديل، ما يسوقوه علينا ليس بديلاً,  نحن نملك بديلاً فاعلاً يقاتل يناضل يقدم الشهداء ويحقق الانتصارات ويثبت أن الأمة حية كل يوم. ونقول لهم أنتم نسألكم ما هو البديل عندكم سوى هذا الانتظار والاستسلام لإرادة العدو الصهيوني والمشروع الأمريكي في المنطقة.

وحتى تصبح المقاومة خياراً استراتيجياً في الأمة أشير إلى عدة نقاط سريعة.

1-     لا بد من إعادة بناء حركة التحرر العربي، ونقولها وبدون خجل، المشروع الوطني الفلسطيني وحركة التحرر الوطني الفلسطيني عندما قاتلت الكيان الصهيوني وثبتت مشروع التحرير وليس مشروع الدولة، كانت جزءاً من حركة التحرر العربي, أين هي حركة التحرر العربي لا بد من إعادة بنائها ولا نخجل. يقولون لنا انتم موضة قديمة تتحدثون بلغة الخمسينات والستينات .. وأنا أقول لكم اليوم، أنتم لغة المستقبل وهم لغة الماضي المهزوم الذي دفنته المقاومة في غزة وفي لبنان.

    وهذه الحركة يجب أن تكون على الأقل على مستوى الشعوب والجماهير، إن لم يستطع وضعنا الرسمي العربي أن يأخذ زمام المبادرة. كل القوى من كل التيارات بمختلف انتماءاتها العقائدية والأيديولوجية والفكرية والسياسية، تنتظم في خندق واحد اسمه خندق المقاومة والممانعة.

2-     المعيار الذي يجب أن ينتظم عليه صفنا اليوم أن يكون هناك مشروع حقيقي لحركة التحرر هو مشروع المقاومة و الممانعة.

3-     أن تتحالف حركة التحرر العربي مع كل قوى التحرر في عالمنا الإسلامي، دول الجوار الناهضة المقبلة إلينا، يجب ألا ندير ظهورنا إلى أبناء أمتنا ونأخذ عدونا بالأحضان في عواصمنا، يجب أن لا نقبل بذلك مع أبناء أمتنا ومع كل الأحرار في العالم. اليوم نحن نعلم أنه في حرب غزة الفرز لم يقف عند حدود قطر أو حدود السودان أو حلب أو دمشق، لا بل وصل إلى بوليفيا وإلى شافيز، ومن حلب أيضا نحيي بوليفيا وشافيز وفنزويلا .

4-     في فلسطين يجب أن ينتهي خيار المفاوضات لأنه الخيار اللعين الذي يبدد الطاقات والأوقات والدماء والتضحيات، والشعب الفلسطيني بما قدم، وهذه الأمة بما قدمت من تضحيات وقوافل الشهداء، بحاجة إلى قيادات وإلى من يوجه السفينة باتجاه محطات الانتصار وليس محطات الانكسار والهزيمة والاندحار.

5-     لا بد أن يتحمل العرب بكل مؤسساتهم وهيئاتهم الرسمية والشعبية واجبهم القومي والإنساني والعربي تجاه القضية الفلسطينية وتجاه كل القضايا التي تعاني منها الأمة والأزمات والتحديات.

اختم حديثي وأقول:

إن كل هذه الإفاضة والجولة التي طوفت بها بكم تؤكد على حقيقة واحدة أننا في مشروع المقاومة نقول: نحن مشروع الأمة الذي ينطلق من عمق التاريخ ويزرع أقدامه في هذا الحاضر عن عي عميق بكل مكونات الواقع اليوم، نحن لا نغمض أعيننا عن هذا العالم، نحن نفهم هذا العالم ونفهم اللغة التي يمكن أن يفهمنا بها هذا العالم، لكن عيوننا تتطلع إلى المستقبل، إلى الغد، بكم أنتم إخوتي الشباب والشابات، الطلبة والطالبات، أنتم صناع المستقبل الأفضل لأمتنا، مستقبل النهضة والعزة والكرامة والانتصارات.

ونريد أن تكون نهضتنا شاملة، ومشروع المقاومة والممانعة ليس مقاومة عسكرية فقط، اتركوا مقاومة هذا العدو والاشتباكات الدائمة معه على أرض فلسطين لنا هناك، ولإخوانكم ولأشقائكم الذين يخرجون كما قلت بداية من قاعات الدراسة في المدارس والجامعات لمقارعة قوات الاحتلال.

نريدها معركة شاملة في الاقتصاد،  في الثقافة، في الأدب، في السياسة، في كل مجالات الحياة، إنها معركة حضارية، نحن واثقون بكم، ولكم أن تراهنوا علينا كقوى مقاومة، أننا لن نحملكم بعد اليوم، بإذن الله تعالي، إلا من نصر إلي نصر، ومن عزة إلي عزة .

شكراً لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أسئلة الجمهور بعد المحاضرة

 

ـ منذ فترة قدمت الحكومة المصرية اقتراحاً بشأن إنهاء المفاوضات من خلال حكومتين واحدة في غزة وأخرى في رام الله ما الهدف من هاتين الحكومتين؟ هل هو تعميق الشق الفلسطيني أكثر مما هو مقسم؟ هل هو هدف صهيوني أم من أجل المصالحة الوطنية الفلسطينية؟

ـ ما هو موقف حركات المقاومة من تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد حول إمكانية حل الدولتين وهل يجوز ذلك في دعم المقاومة في مفاوضاتها مع الأطراف الفلسطينية والعربية ضد الصهيونية؟

ـ ما هو موقف حركتكم من قضية خلية حزب الله في مصر وتطوراتها الراهنة؟

ـ ما رأيكم بوصول اليمن إلى السلطة في الكيان الصهيوني وكيف سيؤثر ذلك على قضية إعادة الإعمار في غزة؟

ـ لماذا لا تسمحون للطلاب ولكل الناس الذين يريدون أن يجاهدوا في سبيل الله أن تفتحوا لهم الأبواب لكي يستطيعوا أن يجاهدوا؟

ـ أشرت إلى أن القدس والأقصى في خطر، فما هي أجندتكم للدفاع عن القدس؟

ـ ماذا يميز حركة الجهاد في المشروع السياسي عن باقي حركات المقاومة، وخصوصاً حماس؟ وهل تؤيدون الحراك الأوروبي باتجاه حزب الله وحماس؟

إجابات الدكتور رمضان على الأسئلة

 

أشكر الأخوة والأخوات

انشر عبر