شريط الأخبار

الأسير الحسني .. فصل من بواكير المقاومة ورسالة قديمة من الشقاقي تنتظره

05:47 - 25 تشرين أول / أبريل 2009

فلسطين اليوم-غزة

بدأت القصة في شتاء سنة 1986. كان العام في بدايته، ويتهيّأ الجميع لاستقبال ربيع جديد. أمّا هو فكان لا يعير الدنيا أدنى اهتمام، يُمضى زهرة شبابه يحمل البندقية، يخطط ويقاتل ويترصّد جنود الاحتلال الإسرائيلي. كان يعمل بصمت، إلى جانب رجل مفكر، يؤسس لنواة عمل عسكري، باتت الآن جزء من منظومة المقاومة الفلسطينية.

 

إنه الأسير محمد العبد الحسني، يجسِّد حكاية طويلة من حكايات المقاومة في فلسطين. "كم أتمنى أن أفيق صباحاً وأراه أمامي". تتحدّث "أم وسام" الحسني عن قصة قطع حبل وصالها بزوجها الأسير منذ ثلاث وعشرين سنة، حُرمت خلالها وأولادها من رؤيته نصف مدة أسره، بدواع أمنية زائفة، كما تصفها.

 

وبصعوبة بالغة قبلت "أم وسام"، وهي في العقد الرابع من عمرها، شرح قصة زوجها قائلة "قبل شهر من اعتقال محمد؛ اعتُقل صديقاه أحمد أبو حصيرة، والدكتور فتحي الشقاقي (أمين عام حركة الجهاد الإسلامي ومؤسسها الذي اغتالته المخابرات الإسرائيلية لاحقاً)، حيث كان الأخير مسؤولاً مباشراً عنهما لتشكيل نواة العمل العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، في بداية الأمر كانوا يلقون القنابل على الجيش في ميدان فلسطين وسط مدينة غزة"، وتحديداً في ميدان الساحة.

 

وتكمل الزوجة حديثها بتؤدة بالغة "في سنة 1984 سُجن محمد لمدة ثلاثة شهور، كمشتبه به بأنه يعمل لصالح حركة الجهاد الإسلامي، وبتهمة التستر على عناصر المقاومة".

 

في تلك الفترة عمل الأسير الحسني ميكانيكياً في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948، بيد أنه لم يتخلّ عن فكرة العمل العسكري، بل كان يقوم بالتوازي من ذلك بإدخال السلاح خلسة إلى قطاع غزة من أراضي الـ48. وفي الواقع فإنّ أحداً في منزله لم يكن على معرفة بشيء من ذلك، حتى أنّ أشقاءه فوجئوا مطلع سنة 1986 بضلوعه في المقاومة، لدى اعتقاله.

 

استأنس نجله البكر حكاية والده، فيقول وسام (24 عاماً): "بعد اتفاقية أوسلو سنة 1993 عُرض على أبي الخروج من السجن مقابل التوقيع على تعهّد بعدم ممارسة أي نشاط أمني يخل بأمن الاحتلال، وكذلك الاعتراف بالاتفاقية. وبعد أن أمضى 20 عام قدّمت إليه "محكمة الثلث" العرض ذاته (وهي محكمة تفرج عن المعتقل بعد أن يمضي ثلثي المدة وهو ما ينطبق على الحسني)، إلا أنه رفض، وكان يصف الاحتلال بغير الشرعي".

 

ويوغل الأسير الحسني في رحلة السجن والاعتقال، ليتحوّل إلى جزء من معتقلات العزل الانفرادي منذ سنة 2000 بين سجون نفحة، وبئر السبع، والرملة، و"هداريم" وغيرها. لقد تنقل بينها دون صاحب أو حبيب، كلّما ضمّه ليل السجن راح خياله يطوف حول منزله وعائلته وأهله وذكرياته.

 

وتعرّض الأسير الفلسطيني المصابر لأزمة صدرية حادة قبل عشر سنوات، لا زالت تفاعلاتها ترافقه حتى اللحظة، إضافة إلى معاناته من "روماتيزم" في أسفل الظهر، بل كاد أن يفقد السمع في أذنه اليسرى، بفعل التعذيب تحت التحقيق.

 

ولدى سؤال "أم وسام" عن ما رسمته في ذهنها حين أعلنت المقاومة الفلسطينية عن أسر جندي الاحتلال الإسرائيلي جلعاد شاليط؛ صمتت برهة، وابتسمت سريعاً مستحضرة رهبة لقاء طال انتظاره بعد الفراق، لتندفع وتقول "بنيت الأحلام على أشياء كثيرة، بعد أن علمت أنه لن يقضى بقية الثلاثين عاماً في السجن اشتريت قطعة أرض وكنت أنوي البناء عليها لولا الحصار، فأبو وسام في كل لحظة أتخيّله يقف أمامي" وقد خرج حرّاً من سجنه.

 

غير أنّ أكثر ما آلم الزوجة، طوال تلك السنين، هو أن تُزفّ بنتاها إلى بيتيْ الزوجية دون حضور والدهما، وتقول "كم تمنيت أن يكون والدهما هو من يزفهما من المنزل، بكيت لحظتها ولم أحتمل الموقف".

 

أما وسام، الابن البكر للحسني، فهو لا يزال يؤجل زفافه إلى عروسه لحين الإفراج عن والده، ويعلِّق آمالا كبيرة على صفقة تبادل الأسرى بأن تنجح ويخرج والده ويزفّه إلى عروسه.

 

"أخي العزيز؛ وصلت بالأمس، مشتاق لكم، مشتاق إلى الوطن، مشتاق إلى صراخكم، حسرة الفراق تقبض القلب ولكنها مخبوءة تحت جلدي ومتوزعة في أدق شعيرات دمي. هذا الوطن العزيز والقادر والعجيب، أحبّوا بعضكم، وضحّوا من أجل بعضكم والآخرين، ولتكن يدكم واحدة. سلامي إلى الجميع فرداً فرداً".

 

تلك كلمات عمرها من عمر السنين المديدة التي قضاها "أبو وسام" في أسره، كتبها له مؤسس الدكتور فتحي الشقاقي عام 1988، من منفاه في لبنان، قبل سبع سنوات من اغتياله على يد جهاز "موساد" الإسرائيلي في جزيرة مالطا. جاءت تلك الكلمات من الشقاقي في أول عام من أسر صديقه الحسني، لكن الأخير حدّث ابنه حين سلّمه الرسالة قبل نحو عام ونصف العام "لقد دفعت عمري ثمناً لها، احتفظ بها إلى حين عودتي"، مشيراً إلى أنّ هذه الرسالة لم تُكشف لوسائل الإعلام وهي بخط الشقاقي ذاته.

 

وما يثير دهشة العائلة هو الأمل المتدفق في عروق محمد، ويضخه باتجاه العائلة منذ 23 عاماً. وتزيد الأم بثقة وهي تنظر في صورة زوجها الذي غزا رأسه الشيب "سنصبر، وسيخرج محمد، إن شاء الله".

 

 

 

 

انشر عبر